فيما العالم يحترق… هنالك مستقبل آخر ممكن

لم نستنفذ كل تحرّكاتنا بعد!

* * *

(هذا المقال هو جزء من سلسلة: دين النموّ: عن جنون يقتل الكوكب وناسه – يمكن الضغط على هذا الرابط للعودة إلى الفهرس)

(يمكن تكبير الخطّ على الشاشة عبر الضغط على +CTRL)

* * *

طوني صغبيني

*

يشبّه المؤلف ريتشارد هاينبرغ الرأسمالية بمدفأة على الحطب: تشتري مجموعة من الناس منزلاً جبلياً يحوي مدفأة جميلة على الحطب، ويكتشفون فيما بعد كميّات هائلة من الحطب الجاهز في مخزن قرب المنزل. يشعلون المدفأة للتدفئة والطهو والطاقة عند وصولهم، وبما أن الحطب وفير، يبقونها مشتعلة طوال الوقت من دون أن يقلق أحدهم حول احتمال نفاذ الحطب.

لكن الحطب مورد غير متجدّد ولا يتساقط من السماء، وسيأتي اليوم الذي ينفذ فيه كل الحطب المتوافر بين أياديهم وفي المناطق المجاورة. لكن لإبقاء المدفأة مشتعلة، لن يكون أمام سكّان المنزل سوى رمي بعض الأثاث والملابس القديمة في المدفأة. بعد ذلك بوقت قصير لن يكون لديهم من خيار سوى حرق كل الأثاث وكل الملابس والوقوف أمام المدفأة عراة. بعد ذلك، لن يكون لديهم سوى خيار تقطيع أخشاب المنزل للتدفئة ولإبقاء المدفأة مشتعلة. بعد فترة سيكونون قد عرّوا كل المنزل من الأخشاب حتى لم يبق فيه أي حائط مستقيم، وسيقفون أمام المدفأة لا عراة فحسب، بل من دون سقف فوق رؤوسهم، المهم أن المدفأة لا تزال تعمل. لكن عند نفاذ كل ما يمكن إحراقه لتغذية المدفأة، سيكون السؤال الوحيد المتبقّي لديهم ليس “ماذا” نرمي في المدفأة، بل “من” نرمي فيها لإبقائها مشتعلة؟

هذه هي قصّة الرأسمالية، وهذا هو دين النموّ الذي يرسل الكوكب وسكّانه إلى النار لكي يبقى المحرّك مشتعلاً. العالم من دون شك، يحترق، ولقد بدأنا بإحراق بعضنا البعض منذ الآن لأننا الموارد المتوافرة لنا تنفذ بسرعة.

في ظلّ الاتجاه الحالي للأمور، يبدو المستقبل مقلقاً. البعض يعتقد أن التطوّر التكنولوجي والمعلوماتي سينقذنا، لكنهم يغفلون أن التكنولوجيا لا يمكن أن تجعلنا فوق قوانين الطبيعة ولن تعفينا من نتائج الأزمات الإيكولوجية، الاقتصاديّة، السياسيّة والروحيّة العديدة التي تختمر الآن. رغم أننا لا نحبّ الأخبار السيئة، إلا أن الاعتراف بالواقع هو الخطوة الأولى تجاه التفكير بحلّ. والواقع يقول أننا نتجّه إلى انهيار طاقوي طويل الأمد يقوّض منذ الآن البنية الاقتصادية والسياسية للنظام العالمي؛ نحن نتجّه أيضاً إلى انهيارات مناخيّة وإيكولوجية تؤدي منذ الآن إلى انقراض العديد من الفصائل الحيّة وموت الأنظمة البيئيّة. نتجّه أيضاً إلى أزمات سياسيّة  واقتصاديّة وإنسانيّة عميقة قد تطيح بحقوق الإنسان وتأتي بمجتمعات مقموعة تتحكّم بها أقليّة غنيّة عبر التكنولوجيا، المال، الشرطة، والترفيه. ونحن نتّجه أيضاً إلى أزمة روحيّة وفكريّة غير مسبوقة تقدّم لنا عالماً بارداً، مفتقد للهدف وممزّق بين أيدولوجيّات مادّية تفرّغ الوجود من المعنى وأصوليّات دينية تجعله أسير شرائع ظالمة ووعود خادعة بعالم آخر.

لكن هذا المستقبل ليس حتميّاً!

وهذا هو الخبر الجيّد. هنالك مستقبل آخر ممكن؛ مستقبل فيه ابداعٌ ووعيُ وتعاطف وروحانيّة وعقلانيّة وحرّية ومسؤولية وكرامة وشجاعة وسعادة وفرح. البشرية تستطيع، إن أرادت، أن تنظّم أمورها بطريقة إنسانية وعادلة تتيح لها العيش بتناغم مع نفسها ومع الكوكب.

الخبر الجيّد هو أن البشر استطاعوا العيش بتناغم مع بعضهم البعض والأرض والمخلوقات الأخرى لمئات آلاف السنين؛ ووجود مشكلة في ثقافة واحدة، هي حضارتنا الرأسمالية المعاصرة، لا تعني أننا فقدنا قدرتنا الفطرية على العيش بحرية وسلام.

فقدان الإيمان بالنظام العالمي القائم لا يعني فقدان الإيمان بالإنسان؛ بل إنّ الإيمان بالإنسان والحياة يحتمّ علينا مواجهة هذا النظام. الإنسان قوس قزح من الابداع والشغف؛ أما هذا النظام فهو مجرّد وحش قبيح خلقناه عبر خيارات خاطئة قمنا بها في الماضي. لكن يمكن البدء بخيارات مختلفة منذ اليوم. الأنظمة الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعية لا تحدث بطريقة أوتوماتيكية، نحن نصنعها. وقد حان الوقت لصناعة منظومة مختلفة!

الانهيارات التي تحدث حولنا لا تحدث بطريقة تلقائية، هي تحدث نتيجة خياراتنا الجماعيّة التي اتخذناها في الماضي والتي نتخذها الآن. والمستقبل البديل والمشرق، إن أردناه، لن يحدث بطريقة تلقائية أيضاً، بل لا يمكن أن يحدث إلا عبر خياراتنا الجماعيّة التي نتّخذها منذ الآن وفي المستقبل.

هنالك مستقبل آخر ممكن، هنالك واقع بديل ممكن. الحياة يمكن أن تكون بطريقة مختلفة. خيالنا يعيننا على رسم المستقبل، وقبضاتنا تستطيع أن تنحته واقعاً على الصخور…

لا يمكننا الجلوس ساكنين، فيما العالم يحترق… هل قال أحدهم مقاومة؟

4 comments

  1. عبير · يوليو 9, 2012

    مقاومة😀

  2. LuCa · يوليو 9, 2012

    اني اهل العزم ان تدعى العزائم ، اني ” مقاوم ” ..!🙂

  3. تنبيه: دين النموّ: عن جنون يقتل الكوكب وناسه « نينار
  4. تنبيه: دين النموّ: عن جنون يقتل الكوكب وناسه | نينار

التعليقات مغلقة.