تصوّر لكيفية بناء المعابد

غوبكلي تيبي: ماذا يخبرنا المعبد الأوّل عن تاريخ الإنسان

أحد أعمدة معابد غوبكلي تيبي

* * *

طوني صغبيني

*

البعض يصفه بأنه الموقع الأسطوري لجنّة عدن فيما يقول آخرون أنه المكان الذي تجلّت فيه الآلهة للمرة الأولى لتعلّم البشر أسرار الفلك، الطب، الهندسة، اللغة، والدين. الاسم هو “غوبكلي تيبي”: أوّل مكان مقدّس في التاريخ، والمعبد-اللغز الذي يحوي بين حجارته أسرار نشوء الحضارة.

 *

أقدم مكان مقدّس في التاريخ

يُعتبر معبد غوبكلي تيبي في تركيا أهم اكتشاف أثري في عصرنا، حيث أنه يغيّر فهمنا للتاريخ البشري بشكل جذري. اكتُشف الموقع للمرة الأولى في العام 1994، لكنه أقدم من موقع ستونهنج البريطاني بستة آلاف عام، وهو يبقى اليوم لغزاً لا نمتلك تجاهه أجوبة كافية: لماذا، كيف ومن الذي بنى أضخم معبد ديني في فترة ما قبل التاريخ؟ السؤال لا يزال مفتوحاً بعد 15 عام من التنقيبات.

ما يزيد الأمر تعقيداً هو أن سكّان الموقع تركوه فجأة في الألف الثامن قبل الميلاد، ودفنوه تحت التراب في ما يبدو أنه عمل مقصود لحفظ المعابد للأجيال المستقبليّة.

يتألف موقع غوبكلي تيبي من 20 معبد دائري موجودين على قمّة جبل في الأناضول؛ تم التنقيب حالياً عن أربعة فقط من هذه المعابد فيما يبقى 16 تحت التراب. الموقع هو المعبد الأوّل الذي بناه الإنسان؛ حجارته جيريّة مزيّنة بمنقوشات تصوّر بالإضافة إلى الأشكال البشرية، رسوم تجريديّة لا نزال نجهل معناها، وحيوانات أسطورية وبرّية مثل الأسود، الثيران، الخنازير البرّية، الثعالب، الغزلان، الحمير، الأفاعي، العقارب، أنواع عدّة من الحشرات، وطيور متنوّعة يشكّل النسر أبرزها.

تصوّر لكيفية بناء المعابد (إضغط على الصورة للتكبير)

كل عامود من الحجارة يزن ما بين 20 و50 طن، ما يضع ستار آخر من اللغز حول عمليّة بناء أكبر مشروع إنساني خلال زمن ما قبل التاريخ. وفرة بقايا عظام الحيوانات البرية في الموقع تشير إلى أن الناس اللذين عاشوا فيه كانوا مجتمعات صيد وقطاف، أي لم يكونوا مجتمعاً زراعياً مستقراً ولم يكونوا قد دجّنوا بعد أي حيوان أو زرع. وبالنظر إلى غياب المجتمعات المستقرّة، الحيوانات المدجّنة، الأدوات المعدنيّة والدواليب (التي كلها لم يكن قد تمّ اختراعها بعد خلال فترة بناء غوبكلي تيبي)، إن المعابد الضخمة لغوبكلي تيبي هي إنجاز هائل لا يزال العلماء عاجزون عن فهمه بشكل كامل.

نحن لا نعرف اليوم من كانت العقول المخطّطة لغوبكلي تيبي، هويتهم مجهولة تماماً بالنسبة لعلم الأركيولوجيا. أما لماذا هويتهم مهمة، فهي لأننا لم نكن نعرف أن هكذا إنجاز ممكن في فترة ما قبل التاريخ في ظلّ غياب كل مقوّمات المجتمعات المستقرّة. في عالم مجتمعات القطاف-والصيد التي لا يتخطى أفرادها العشرات، كيف ولماذا اجتمع آلاف الأشخاص في مكان واحد، وامتلكوا ما يكفي من المعرفة والتصميم والموارد، لتحقيق مشروع بهذا الحجم؟ هذا السؤال هو أحد أكبر الحلقات المفقودة في تاريخنا البشري. من تأمّلوا الإجابات المحتملة، وصلوا إلى مكان لم يصل إليه العلم من قبل: الغريزة الروحية.

 *

الحضارة ولدت من غريزتنا الروحيّة

الأركيولوجي الألماني كلاوس شميدت الذي أشرف على التنقيبات في الموقع منذ عام 1995، اقترح نظرية راديكالية تقول أن الموقع كان أكبر مركز عبادة في العالم القديم ومكان حجّ ديني أتت إليه القبائل البدائية من كل مكان في الشرق، من المشرق جنوباً، إلى روسيا شرقاً، وشرق أوروبا شمالاً وغرباً.

يقول شميدت أن الموقع كان مركز الممارسات الشامانية في المنطقة حيث أن الحجارة تمثّل القوى الأسطورية للحيوانات والمخلوقات المصوّرة عليها والأسلاف. هنالك نظريات أخرى تقول أن الموقع كان مركز دفن. لكن النقوشات التي تمثّل أيادي في وضعيّة عبادة والنحوت التي تمثّل نساء عارية في وضعية صلاة، بشكل يحاكي منقوشات الإلهة الأم في وقت لاحق، تؤكّد بأن الموقع كان للعبادة ومرتبط على الأرجح بمعتقدات التجدّد الطبيعي والخصب الموجودة في ذلك الوقت.

لكن هنالك اكتشافات أخرى في الموقع قلبت فهمنا التقليدي لتاريخ الإنسان رأساً على عقب. يبدو أن الموقع أيضاً شهد ولادة الزراعة وتدجين الحيوان (حيث أن أقدم سلالة قمح مدجّن وجدت في مكان قريب بالإضافة إلى عظام حيوانات مدجّنة). يعتقد شميدت في هذه المسألة أن التنظيم الاجتماعي المطلوب لبناء هذه المعابد مشى جنباً إلى جنب مع تدجين القمح وبدء المحاولات الزراعية الأولى للجنس البشري. هذا الاكتشاف الذي يبدو بسيطاً للوهلة الأولى له في الواقع نتائج فكرية وتاريخية هائلة: هذا يعني أن الرغبة الروحية بالتواصل مع المقدّس كانت الشعلة التي أدّت إلى نشوء الحضارة (الحضارة بدأت مع نشوء الزراعة وتأسيس المدن)، وليس العكس كما كنّا نعتقد.

قبل هذا الاكتشاف، كان العلماء يعتبرون بأن الدين نشأ بعد نشوء الحضارة؛ كانوا يعتقدون أن الناس تعلّموا الزراعة أولاً والعيش في مجتمعات مستقرّة، ثم بعد ذلك بفترة أصبح لديهم الوقت والامكانيات والموارد الكافية لإنشاء المعابد والتفكير بالأمور الروحية والماورائية. لكن اكتشاف غوبكلي تيبي يغيّر كل ذلك. الرغبة الروحية لدى شعوب ما قبل التاريخ كانت قوية لدرجة أنها جمعتهم سوية في أكبر مشروع للإنسان، ما أدى فيما بعد إلى نشوء الزراعة، الاستقرار، والحضارة. يعبّر شميدت عن ذلك بالقول: “المعبد أتى أولاً، ثم أتت المدينة”.

لكن الأمر لا ينتهي هنا. يقول إيان هودر، العالم الأركيولوجي الذي نقّب موقع كاتال هويوك (أحد أقدم المجتمعات البشرية المستقرّة ما قبل التاريخ)، حول غوبكلي تيبي أن هذا الاكتشاف “يعني أن التغيّرات الثقافية والاجتماعية تأتي أولاً، الزراعة تأتي لاحقاً”. بكلمات أخرى، غوبكلي تيبي هي برهان حيّ على أن التغيّرات السوسيولوجية والثقافية والروحية في قلب وعقل الإنسان تقود التطوّرات المادّية، لا العكس كما كنّا نعتقد سابقاً. ونحن لا نتحدّث هنا عن تطوّر مادّي بسيط بل عن تطوّر هائل: نشوء الحضارة نفسها. كل العلوم الإنسانية والاقتصادية والبيولوجية والبيئية، كما معظم المدارس السياسية والفلسفية، تقوم على فكرة أن التغيّرات المادّية هي التي تقود التغيّرات الثقافية لدى البشر، لكننا بتنا الآن نعلم أن ذلك ليس سوى نصف الحقيقة. التغيّرات النفسيّة الروحية التي تحصل داخل الإنسان تؤثر بشكل مباشر على الواقع المادّي لحياتنا، كما أن الوقائع المادّية تؤثر بدورها على روحنا وثقافتنا.

المنحوتات الصخرية على أعمدة غوبكلي تيبي

غوبكلي تيبي تخبرنا أمور كثيرة بالفعل، منها أن البعد الروحي للبشر موجود فيهم منذ الفجر الأوّل على هذه الأرض، وأنه أقوى بكثير مما كنا نعتقد سابقاً. هي تعلّمنا أيضاً بأن التغيّرات التي تحصل في وعينا البشري لها القدرة على إحداث تغيير هائل ودراماتيكي في الظروف المادّية لحياتنا، وهي أدّت في الماضي إلى تغيير وجه الكوكب بكل ما للكلمة من معنى.

من الأمور الأخرى التي يحكيها هذا المعبد هي وجود دين عالمي واحد في فترة ما قبل التاريخ، حيث أن الرموز الموجودة في غوبكلي تيبي موجودة أيضاً في كافة المواقع الأركيولوجية الأخرى الممتدة من فرنسا حتى أريحا. حول هذا الأمر تقول العالمة الأركيولوجية الفرنسية دانيا ستوردور، التي نقبّت المواقع الأثرية في تل أسود في سوريا: “تستطيع أن ترى أنها فعلاً الثقافة نفسها في هذه الأماكن”.

 *

السقوط إلى الحضارة

هل كانت الحضارة فعلاً عملية ارتقاء كما تعلّمنا في المدارس والجامعات؟

هنالك العديد من الفلاسفة اللذين يشكّكون بذلك، وغوبكلي تيبي تأتي لتعزّز هذا النوع من الأسئلة.

كنا نعتقد في الماضي أن المجتمعات البدائية كانت مجتمعات غير مستقرّة، خائفة، تعيش حياة قصيرة وعنيفة لا يوجد فيها سوى شظف وشقاء. وكنا نعتقد بالتالي أن التطوّر نحو الزراعة كان طبيعياً وهادئاً ومرغوباً، وبأنه نقلنا من الحالة البدائية الصعبة إلى الحضارة الرغيدة التي نعيش في ظلّها اليوم. لكن الاكتشافات الأثرية العديدة في القرنين الماضيين غيّرت هذه النظرة، بل أظهرت أن العكس صحيح.

اكتشافاتنا الأركيولوجية أظهرت بأن مجتمعات الصيد والقطاف كانت أكثر المجتمعات البشرية رغداً في التاريخ؛ أفرادها يعملون بمعدّل ثلاث ساعات فقط في اليوم، تمتعوا بأفضل حمية غذائية في التاريخ، تمتعوا بقوّة بدنية وصحّة جسدية غير موجودة في عالم اليوم، عرفوا الفنون والترفيه والملاحة والنار والطبخ وكل الأمور التي كنا نعتقد أنها تقتصر في الماضي على الحضارة، ولم يعرفوا الصراعات الدموية أو يضطروا لقتال بعضهم البعض إلا في أحداث نادرة جداً. الملفت في فنون ما قبل التاريخ مثلاً، أن الموت غائب؛ لا يوجد صور لأناس تموت أو تقتل، لأن شعوب ما قبل التاريخ رأت حياة في كلّ شيء، وتجدداً في كل شيء حولها، حتى في الموت. مجتمعات الصيد والقطاف لم تعرف أيضاً وجود طبقات أو تقسيم للعمل أو ملكية خاصة، لم تعرف العبودية أو القمع أو الفقر والعوز، ونستطيع أن نضيف أنها لم تكن مجتمعات مكتئبة، ولم يكن فيها سجون ولا ديون.

لا بدّ أن العيش في أحد هذه المجتمعات كان يبدو كأنه عيش في الجنّة حيث يمكننا أن نقطف من أي شجرة لنأكل أو نصطاد أي حيوان، وحيث أننا لا نضطرّ للشقاء والعمل لكي نؤمن مسكننا وأمننا وسعادتنا. بعض المؤلفين مثل دانيل كوين، يلفتون نظرنا إلى أن وصف جنّة عدن وحياة آدم فيها في التوراة هو على الأرجح وصف لحياة الإنسان خلال فترة ما قبل التاريخ. السقوط من الجنّة حصل بالتالي حين انتهى نمط الحياة هذا، ودخل الإنسان في مرحلة الشقاء الحقيقي حيث يجب عليه أن يزرع ويعمل كل يوم لكي يعيش، أو كما تقول التوراة “عليه أن يأكل بعرق جبينه”.

مقارنة مع العيش في مجتمعات القطاف والصيد، المجتمعات الزراعية، أو ما نسمّيه اليوم الحضارة، تبدو كأنه عقاب من الله، كأنه طرد الإنسان من الجنّة وعاقبه بالعمل لساعات طويلة طوال العام لكي يكون بإمكانه فقط سدّ جوعه.

ما علاقة كل ذلك بغوبكلي تيبي؟

الدراسات المناخية تظهر بأن الأرض شهدت تغيّرات مناخية كبيرة منذ 12 ألف عام، مع نهاية العصر الجليدي الأخير. هذه التغيّرات أدّت إلى انحسار الكثير من الغابات والأنهار وتراجع أعداد الحيوانات البرّية، ما وضع معظم مجتمعات الصيد والقطاف حول العالم أمام خطر الاندثار والموت. حجم المعابد والرموز الموجودة في غوبكلي تيبي توحي إلى حدّ كبير بأن القبائل التي أتت إلى هذا المكان أنشأت المعابد في محاولة للتواصل مع العالم المقدّس لإيقاف التحوّل الدراماتيكي الذي يشهده عالمهم. الحيوانات المحفورة على الحجارة والطقوس التي مورست هناك قد يكون الهدف منها هو إعادة الأمور إلى سابق عهدها: عودة الحيوانات البرّية إلى الغابات والجبال، وعودة الثمار لتزيين الأشجار، لكي يتسنّى لشعوب ما قبل التاريخ أن تستأنف حياتها السابقة. اجتمعت القبائل على قمّة الجبل لتحول دون نهاية العالم القديم. لكن يبدو أن الظروف كانت أقوى من صلواتها.

مع الوقت، تحوّل المشروع المؤقت إلى مكان مستقرّ، وبدأت المحاولات الزراعية، رغم العمل الشاق التي تتطلّبها مقارنة مع الصيد والقطاف، تظهر على أنها بديل معقول عن تراجع المصادر الأخرى للغذاء. فقدان الأمل باستعادة العالم القديم ربّما كان هو السبب الذي دفع كهنة وسكّان غوبكلي تيبي للتخلّي عن المشروع ودفن المعابد تحت التراب لكي يكون ذلك درساً وعبرة للأجيال التي تجدها من بعدهم.

هذه النظرية تعني أن المشروع الحضاري كان منذ لحظته الأولى، سقوط وأزمة، لا ارتقاء وإنجاز. هذه خلاصة مهمّة لنتذكّرها فيما تدخل حضارتنا اليوم إحدى أكثر دوراتها التدميرية للحياة على الأرض؛ الحضارة هي أزمة وسقوط منذ لحظتها الأولى، وما يحصل اليوم من أزمات بيئية وإنسانية وروحية هو من طبيعتها وليس أمراً طارئاً عليها.

لكن، من المهم أن نستذكر أيضاً أن غوبكلي تيبي تعلّمنا درس آخر مشرق، هو أن الوعي البشري قادر على إحداث تغييرات هائلة في الواقع المادّي إن أردنا ذلك، علينا فقط أن نبحث في روحنا لكي نجد كل القوّة التي نحتاج لها. وهنا يكمن الأمل…

4 comments

  1. عبير · يوليو 23, 2012

    هاي أفضل وأجمل مقالة قريتها من سنين!

  2. dream · يوليو 28, 2012

    اهنئك على هذه المدونة الجميلة والمواضيع الراقية

  3. غير معروف · سبتمبر 10, 2012

    مقاله جميله جدأ
    مشكورين عليها

  4. غير معروف · ديسمبر 23, 2012

    جميل جدا ان يعرف معلومات ما قبل التاريخ وكم عظامة الانسان

التعليقات مغلقة.