يوميات أدونية: من الغيتار إلى كيس الملاكمة

غرفة التدريب في منزلي

* * *

طوني صغبيني

*

بعد نحو عامين من تعلّم العزف على الغيتار، استيقظت في أحد الأيام لأتخذ أحد أغرب القرارات في حياتي: أن أبيع الغيتارات التي أملكها وأشتري كيس ملاكمة عبر الأموال التي أجنيها منها. وهذا تقريباً ما حصل. لكن القرار المذكور لم يكن ابن الليلة السابقة، بل كان حصيلة عمليّة طويلة من التحوّل الداخلي التي لم تطالني أنا فحسب، بل شملت العالم أجمع.

اليوم، غيتاري يعلوه الغبار منذ عدّة أعوام، بينما لا يوجد على كيس الملاكمة أي ذرّة غبار إذ إنّني أتمرّن عليه بشكل يومي تقريباً. بعد وضع الغيتار جانباً، عدت إلى التدرّب على الفنون القتالية بعدما انقطعت عنها منذ المراهقة، وكنت محظوظاً هذه المرّة في العثور على نادٍ يعلّم أحد أقسى وأفعل أنواع التدريب القتالي في الشرق الأوسط وأكثرها تكاملاً.

خلال العامين الماضيين، حلّ التدرّب على اللكمات والركلات مكان التدرّب على النوتات والسلالم الموسيقية، وحلّت حركات الجوجيتسو والأيكيدو مكان أغاني وديع الصافي وفيروز، وبات سيف الساموراي المشحّذ يحتلّ زاوية البيت بدل الغيتار الكلاسيكي. كانت أصابعي تؤلمني في الماضي من العزف على الغيتار واليوم يداي تؤلمني من التدرّب على القتال.

هذا لا يعني أنني أنهيت علاقتي بالموسيقى، الموسيقى ترافقني يومياً، وخاصة خلال التدريب. كما أنه لا يعني أيضاً أنني أصبحت شخصاً عدائياً، لكنني بالتأكيد أصبحت أكثر ميلاً نحو المواجهة في المشكلات التي تعترضني في حياتي اليومية، ولم أعد استبعد خيار استعمال العنف للدفاع عن النفس كما كنت أفعل سابقاً.

لكن التحوّل الذاتي لم يقتصر على هذا الأمر، ولم يقتصر عليّ أنا فحسب. في العامين الأخيرين فقط، رأيت عشرات الأصدقاء، وخاصة الإناث، يأخذون صفوفاً للدفاع عن النفس. يبدو أن الجميع يشعر أن القدرة على استخدام العنف باتت مهارة ضرورية في عالم يزداد عنفاً كل يوم.

العالم الذي نعيش فيه اليوم هو عالم مواجهة يومية مع كلّ شيء حولنا تقريباً؛ مواجهة تبدأ أحياناً في منازلنا، وتمرّ في مدارسنا وجامعتنا وأماكن عملنا، وتصل إلى الشوارع والساحات وعروش الأنظمة. نحن نعيش في عالم نقفل فيه أبواب سياراتنا ومنازلنا وقلوبنا لكي نشعر بالأمان، ونمشي في الشارع كأننا معرّضون في أيّ لحظة لاعتداء. فيما حضارتنا تكمل انحدارها على وقع الأزمات الطاقوية والبيئية والاقتصادية والسياسية، كل يوم جديد يحمل إلينا خبر أسوأ من سابقه عن جريمة أو سرقة أو اعتداء أو اغتصاب أو مجزرة. العالم حولنا مكان جميل، لكنه يزداد عدائيّة. حين تستفحل الأزمة وتنطفىء كل الأضواء، سنكون وحدنا في الظلام من دون مؤسسات وقوانين وإعلام ليدافع عنّا وعن حقوقنا. وقت الأزمات سيبرز الكثير من فضائلنا الإنسانية الرائعة، لكنه سيبرز أيضاً أسوأ ما فينا. وعلينا أن نكون مستعدّين. وربّما هذا ما نعرفه جميعاً في أعماقنا من دون أن نعبّر عنه بالكلام.

خلال أحد المخيمات التدريبية القتالية هذا الصيف

اكتساب المهارات القتالية له أسباب أخرى أيضاً: نحن أيضاً نعيش في عالم كل شيء فيه يبدو مزيف وبلاستيكي وبارد، نحن نحتاج لأمور تذكّرنا بقوّتنا ودفئنا وإنسانيتنا، والفنون القتالية هي الممارسة الأنسب للقيام بذلك. الفنون القتالية، تماماً كما الموسيقى، تعلّمنا الكثير عن أنفسنا والعالم وتعطينا أدوات لفهم الكون لا يمكن أن نأخذها من مكان آخر.

الموسيقى تعلّم أرواحنا كيف تطير، تخبرنا عن كيفية الاستماع لسيمفونية الوجود في كلّ شيء حولنا، وتعلّمنا الخشوع أمام كل هذا الجمال المختبىء في قلب العالم. أمّا الفنون القتالية فهي تعطينا الروح القتالية التي سمحت لنا بأن ننتقل من قمّة إلى قمّة ونكون ملح هذه الأرض (ولعنتها ربّما)، تعلّمنا أن القوّة الكامنة فينا هي أكثر بكثير مما نعتقده، وتخبرنا بأن نموّ القوّة يستوجب نمواً في المسؤولية والأخلاق والروح، وأن أخلاق الدفاع عن النفس هي ما يفتقده عالمنا اليوم.

الفنون القتالية تعلّمنا كذلك أن القوّة المادية والقوّة الروحية هما تؤأمان، إن انفصل أحدهما عن الآخر تُرك العالم تحت رحمة قوّة باطشة لا ترحم أو روح خاملة لا تعرف الاستيقاظ من نومها. الموسيقى والفنون القتالية متكاملان: التحدّي في عصرنا هو أن نتعلّم كيف نبقي الموسيقى في قلوبنا فيما قبضاتنا ترتفع…

3 comments

  1. Joe H. · أغسطس 13, 2012

    بلشت تخوفني يا طوني.

  2. Hanibaael · أغسطس 13, 2012

    حملنا الغيتار 6 اشهر ع الطرقات😀

    مبارح شاهدت فيلم، تذكرتو مع هيدا النص:

    The book of Eli
    http://www.imdb.com/title/tt1037705/

    اذا ما حضرتو انطون، رح تحبو (وانت كمان جو، الحكي موجه الك)😛

  3. Tony Saghbiny · أغسطس 13, 2012

    @Joe
    ليش كرجل؟😀

    *
    @ هاني
    انا حملتو سنتين مان! أطربنا كافة أنحاء بيروت وضواحيها بهيديك الإيام😀
    حاضر الفيلم اللي حكيت عنو، اذا فيه شي فيلم أبوكاليبتي زامط مني خبّرني

التعليقات مغلقة.