نحو العمل: لماذا راديكال بيروت (2\3)

اللوغو الثاني لراديكال بيروت، تصميم الصديق حرمون حمية.

* * *

(يمكن قراءة الجزء الأوّل على هذا الرابط: نحو العمل، الجزء الأوّل)

طوني صغبيني

*

الجزء الثاني: نحو العمل

الخلاصات الفكرية التي ذكرناها في الجزء الأوّل من المقال وضعتنا على سكّة العمل. المهمّة الأولى كانت وضع الإطار الفلسفي والتنظيمي والعملي للحركة المقبلة، والمهمّة الثانية هي البدء بالبحث عن الأرضية الصالحة لبدء العمل.

المهمّة الأولى قاربت على الانتهاء؛  سلسلتي “جروح كومولوجية: نحو التصالح مع الذات والأرض والسماء“، و”دين النموّ: عن جنون يقتل الكوكب وناسه“، المنشورتان على مدوّنة نينار تحملان في طيّاتهما بعض ملامح هذه الرؤية. الإطار الفكري الجديد للعمل يحتاج بعد لبعض الوقت، وسيكون متاحاً للنشر فور الانتهاء من كتابته ونقاشه مع الأصدقاء.

أمّا المهمة الثانية، فقد اتضّح أنها أصعب مما توقّعنا. الأزمة الهائلة التي تلقي بظلالها على الوجود الإنساني في عصرنا تترك تأثيراً هائلاً على الجميع. نرى ذلك بوضوح حين ننظر عن قرب إلى أبناء جيلنا؛ البعض غارق في المنظومة الاستهلاكية حتى أذنيه، يقضي الوقت بين أفلام السينما وإدمان الانترنت والسيارات والهواتف والملابس وجنون التسوّق وهوس التجميل والترفيه الاجتماعي الفارغ من المعنى. والبعض يتماهى بشكل كامل مع البنية الثقافية-الدينية المهيمنة؛ يلبس ويفكّر ويعمل ويتكلّم ويتزوّج وينجب ويموت بالطريقة التي يمليها عليه الحاكم ورجل الدين وزعيم القبيلة ومقدّم البرامج التلفزيونية ومدير الشركة وبطرك العائلة.

أما القلّة التي خرجت من الإطار واختارت العمل من أجل واقع مختلف، فهي موزّعة بين العالقين في أحزاب وأفكار الماضي، وبين المناضلين الفرديين “المودرن” اللذين لا يطيقون العمل الجماعي المنظّم، واللذين في عطشهم للتقدّم والمستقبل، فشلوا في التعلم من دروس الماضي وخسروا صلتهم مع الواقع والمجتمع من حولهم. وبين أولئك وهؤلاء، هنالك قلّة نادرة جداً من أفراد معدودين، وحيدين في غالب الأحيان، خارجين عن كل الأطر التنظيمية المعروفة، استطاعوا إيجاد أجوبة صحيحة على أزمتنا الإنسانية، لكنهم يتردّدون في الإعلان عن صحّتها ويعتقدون أنهم وحيدين تماماً في هذا العالم (أو أنهم على حافة الجنون).

في ظلّ هذا الواقع، إيجاد أرضية صالحة لبدء عمل جذري من نوع جديد هو أمر في غاية الصعوبة. الأفراد المهيئين لعمل من هذا النوع هم في الوقت الحالي نادرون جداً، والجوّ الفكري القادر على استيعاب طرح فلسفي ثلاثي الأبعاد (روحي-إنساني-بيئي) غير متوافر. الفوضى الفكرية حولنا أعظم بكثير من أن تستوعب طروحات جديدة بسهولة. حين برزت الفلسفتان الشيوعية والأنركية في أوروبا في القرن التاسع عشر، كان الجوّ الفكري في ذلك الوقت مشبع بالطروحات الاشتراكية والفلسفة اللاسلطوية منذ القرن السابع عشر. وحين برزت حركات التحرّر الوطني في دول العالم الثالث، كان الجوّ مشبع بالطروحات القومية والمناهضة للاستعمار لعقود.

أما اليوم، فلا يوجد للأسف جوّ فكري كافٍ يمكننا من خلاله طرح رؤيتنا الجديدة؛ عصر العولمة مشوب بالتفكك الفكري الشامل وحلول المال والفراغ والترفيه مكان الفكر والفلسفة. الرؤى السياسية والفكرية والروحية والبيئية تبدو كأنها منفصلة عن بعضها البعض تماماً أو كأنها تعيش على كواكب مختلفة؛ لذلك نرى أن المنظمات السياسية تغنّي في واد، والمنظمات الدينية تغنّي في واد، وتلك الاجتماعية أو البيئية أو الروحية أو الثقافية تغنّي في وادٍ آخر. حتى الكتب التي نقرأها تبدو كأنها كتبت في زمن غير زماننا ومكان غير مكاننا، لدرجة أن العديد من الناشطين يتمنّون لو أنهم ولدوا وعاشوا في حقبة ما من “الماضي المجيد” بدلاً من العيش في الحاضر. هذه المشاهدات ساعدتنا على إدراك ضرورة وجود فترة من البناء الفكري والثقافي تخلق الجوّ المناسب للرؤية الجديدة وتتيح لها النضوج والتفتّح والتحوّل فيما بعد من طرح فكري إلى أسلوب حياة وكينونة قائمة بحد ذاتها.

لكن حتى هذا النوع من العمل الفكري البحت، يحتاج إلى شروطه المسبقة؛ فهو يستوجب وجود مجموعة كبيرة من الناس تعرف الأزمات التي نتحدّث عنها جيداً، تعرف كيف تؤثر هذه الأزمات على حياتها وحريتها ومستقبل أولادها، وتؤمن بالتالي بضرورة وجود حلول لها. على هذه المجموعة أن تمتلك أيضاً الحد الأدنى من المعرفة بالحلول المطروحة سابقاً والتي فشلت حتى الآن في تحقيق أي تقدّم يذكر، وأن تكون متطلّعة لإيجاد حلّ جذري جديد ورؤية جديدة.

لكن حتى هذه الشروط البسيطة غير متوافرة اليوم، وحين نبحث عنها نصطدم بنفس المشكلات السابقة: معظم الناشطين والمنظمات التي تحظى بالجزء الأكبر من الاهتمام الإعلامي يركّزون على القضايا الجزئية مثل القمع السياسي والحد الأدنى للأجور والضمان الصحّي ومكافحة التمييز الجندري والعنصري وما شابه من الأمور، ويهملون الأزمات الوجوديّة التي تقلب عالمنا رأساً على عقب بدءاً من الذروة النفطية والانحدار الطاقوي، مروراً بتآكل التربة والتصحر واحتضار الأنظمة الإيكولوجية، وصولاً إلى بنية المنظومة الحضارية. المنظومة تقوم بطبيعتها على الاستغلال، التدمير، القمع، العنف، البطركيّة والعبودية، لكن بدل محاربة المنظومة نفسها، تختار معظم الحركات التغييرية مكافحة النتائج أو تكتفي بالمطالبة بتحسين هذه النتائج فحسب.

هنالك أيضاً غياب كبير في القدرة على التحليل المنهجي للمنظومة ككل (في ظلّ طغيان الرؤى الجزئيّة)، وجهل واسع بالعديد من المفاهيم والخيارات التي يُفترض أن تكون معروفة في أوساط الناشطين مثل تكتيكات الكتلة السوداء، الاعتراض الثقافي، المجتمعات الإراديّة، حلقات التضامن، العنف الرمزي، ثقافة المواجهة، التحوّل المحلّي، النسويّة، اللاسلطويّة، الإيكولوجية العميقة، الروحانية العضوية، الزراعة اللامركزية، الهندسة المدينية الجديدة… ألخ.

يبدو أن الحرب التي تشنّها المنظومة الصناعية على الثقافة الحرّة والقوى الحيّة في المجتمع نجحت إلى حدّ كبير في تجهيلنا وتجريدنا من أسلحة كثيرة يمكن أن نستعملها للحصول على حرّيتنا. من هنا، كان لا بدّ من إيجاد مساحة لحوار جدّي ونقاش بنّاء يعيد إحياء الأسلوب الجذري في التفكير والعمل، قبل البدء بأي خطوة أخرى. وهكذا ولدت فكرة راديكال بيروت.

______________

غداً على مدوّنة نينار: الجزء الثالث: الخطوة الأولى

______________

2 comments

  1. سليم اللوزي · سبتمبر 11, 2012

    (Y)

  2. تنبيه: خطة عمل راديكال بيروت 2013 « نينار

التعليقات مغلقة.