نحو العمل: لماذا راديكال بيروت (3\3)

* * *

(يمكن قراءة الجزء الأوّل على هذا الرابط: نحو العمل، الجزء الأوّل

يمكن قراءة الجزء الثاني على هذا الرابط: نحو العمل، الجزء الثاني)

* * *

طوني صغبيني

*

الجزء الثالث: الخطوة الأولى

راديكال بيروت تبدأ كصفحة على الفايسبوك ومجموعة نقاش الكترونية، لكنها ليست مجرّد صفحة. المساحة الالكترونية التي تمثّلها راديكال بيروت هي مجرّد أداة لدفع النقاش إلى الأمام، أما راديكال بيروت نفسها فهي مقاربة ومشروع. بالنسبة للذين يعملون على المشروع، راديكال بيروت هي أمل للذين يحلمون بمستقبل أفضل، وكابوس للأولياء على نظام العبودية المفروض علينا.

المساحة هذه ضرورية لأن المحاولات التغييرية حول العالم تعيش مرحلة من المراوحة والتراجع واللافعاليّة، وهنالك ضرورة لإعادة إحياء الجذرية والجدّية في التعاطي مع قضايانا الكبرى.

الهدف البعيد لهذه المساحة، هو كما كتبنا في الوصف الرسمي، “تخريج ناشطين جذريين فعّالين وخلق جوّ مؤاتِ لحركات راديكالية جدّية في المستقبل”. الوصف نفسه يحدّد ستّة وسائل للقيام بهذه المهمّة:

التجذير: تجذير الناشطين في الخطاب والعمل بعد سيطرة النعومة والجمود على كل شيء.

التثوير: تثوير طرقنا في التفكير، التخطيط، العمل، ووضع الاستراتيجيات والتكتيكات العمليّة.

التجديد: تحديث مجتمعاتنا ومنظّماتنا حول الديناميات الجديدة للمعضلات الاجتماعية، الاقتصادية، الإيكولوجية، الروحية، والسياسية لعصرنا.

دعم: بناء قدرات المبادرات المحلية ومجتمع الناشطين في لبنان ومنطقة المتوسّط (عبر ورش العمل وتبادل الموارد والخبرة…)

دفع: إعادة الطاقة والحركة إلى النقاشات حول القضايا الدولية والمحلية المهمّة في صفوف الناشطين.

تبادل: تبادل الخبرة، الأفكار، والموارد.

 *

الصفحة هي بالتالي خطوة مستقلة نوعاً ما عن المشروع الكبير الذي تحدثنا عنه في الأجزاء السابقة، لكنها تستطيع إعطائه دفعة كبيرة. الصفحة هي خطوة أولى، والخطوة التالية هي النقاشات وورشات العمل والمكتبات الالكترونية والفيديوهات التي تتمحور حول تحسين فعاليتنا وطرقنا وأدائنا، وتعطي بالتالي دفعة مهمّة لجميع المقاتلين على كافة الجبهات. راديكال بيروت هي مختبر سيساهم في ولادة العديد من المبادرات، والعديد من الأعمال المقاومة للمنظومة. في مرحلة لاحقة، قد تصبح راديكال بيروت أحد المراكز الصلبة التي يستطيع الناشطون الاعتماد عليها لدعم النضال المدني والاجتماعي والبيئي في بلدهم.

هذا يعني أن راديكال بيروت ليست مبادرة لبنانية، الإسم تم اختياره لتكريم المدينة التي حضنت أولى مبادراتنا. راديكال بيروت هي مبادرة لا جنسيّة لها، وغالبية المتواجدين على الصفحة حتى الآن تأتي من مصر وتونس وفلسطين والأردن واليونان وإيطاليا وتركيا والسعودية، لا من لبنان. سيكون من الجميل أن نرى في مراحل لاحقة مبادرات تستوحي من راديكال بيروت لتبني راديكال تونس وراديكال ميلانو وراديكال دمشق وراديكال الرياض وراديكال الاسكندرية وراديكال أثينا… ذلك يعني أن النشاط الجذري في منطقة المتوسّط يشهد وثبة شجاعة ستنقل المواجهة بيننا وبين المنظومة الاستعبادية إلى مرحلة جديدة.

راديكال بيروت هي إذاً مختبر حيّ لتجذير طرق العمل وتعزيز الفعاليّة والأداء والقدرات، ولن تتحوّل إلى منظّمة لأن ذلك ليس الهدف منها. راديكال بيروت تهدف أيضاً لتعزيز الرؤية الجديدة التي تحدثّنا عن بعض معالمها أكثر من مرّة، وقد يساعد ذلك فيما بعد على انبثاق حركة جدّية تهدف إلى تحقيق الأحلام التي نتحدّث عنها. لكن راديكال بيروت ستبقى مبادرة مستقلة قائمة بذاتها وليست منظّمة.

البعض قد يقول هنا أننا نمتلك أجندة ونعمل على تنفيذها، وجوابنا هو أننا بالطبع نمتلك أجندة! المنظومة التي نعيش في ظلّها تمتلك أجندة لتدميرنا واستعبادنا وتدمير الكوكب وكل شيء جميل فيه، ونحن نمتلك أجندة لتدمير هذه المنظومة والمساعدة على رسم مستقبل نكون فيه أحرار بكل ما للكلمة من معنى، مستقبل فيه تناغم وابداع ووعي وجمال وتعاطف وروحانيّة وعقلانية وحرّية ومسؤولية وكرامة وشجاعة وسعادة وفرح. لديهم أجندة لاستعبادنا، ولدينا أجندة لقلب عروشهم، لديهم أجندة لكسر روحنا، ولدينا أجندة لإحياء روحنا، لديهم أجندة للانتصار علينا، ولدينا أجندة للانتصار عليهم!

لم يعد لدينا مساحة للتنفّس، المنظومة تحاصرنا في لقمة عيشنا وفي علاقاتنا وأحلامنا وإنسانيّتنا، تحاصرنا في أجسادنا وداخل غرفنا وعقولنا، بالتأكيد لدينا أجندة لكسر هذه الجدران!

نحن نأتي من الزوايا المظلمة في هذا العالم وفي جعبتنا الكثير من النور والدفء والغضب والحبّ. نحن نأتي من الجامعات والمصانع والمكاتب والمنازل والشوارع المنسيّة، نحن نأتي من الأحلام المتكسّرة ومن الدموع المنهمرة في ضواحي المدن. نحن اللذين نشقى اثنتا عشر ساعة في اليوم لنشتري دواء لوالدتنا، ونحن اللذين نعمل في وظيفتين لتأمين الغذاء لأطفالنا، نحن اللذين هُجّرنا من أوطاننا ومن حضن أحبّائنا لكي نلاحق وظيفة نكرهها أو نهرب من طاغية يقتلنا…

نحن اللذين تشكّل الوحدة لعنتنا المشتركة، لأن نعمتنا كانت التمرّد على كل العبودية التي جعلها أهلنا دين لهم… نحن العمّال المستَغَلّون اللذين يعانون بصمت، نحن الفقراء اللذين يرتجفون برداً في ليالي الشتاء، ونحن العاطلين عن العمل اللذين يتضوّرون جوعاً لأن رؤوسهم مرفوعة… نحن الزوجات اللواتي يعانين على يد أقرب الناس إليهنّ، ونحن الآباء اللذين يصلّون كل يوم لكي يحظى أولادهم بفرص أفضل من أهاليهم… نحن اللذين نستيقظ كل صباح لنتفقّد إن كانت أحلامنا لا تزال في مكانها لأن العالم حولنا يقتل القليل منها كل يوم! نحن اللذين تقاتلنا أجهزة الدولة والدين والشركة، ونحن اللذين تجنّدنا أجهزة الدولة والدين والشركة لقتال إخوتنا.

نحن المتعبون والقلقون والغاضبون، نحن المنسيّون والمهمّشون، نحن أصحاب الأحلام الكبرى التي تنير أرواحنا ووجوهنا مهما كانت الظلمة حالكة… بالتأكيد لدينا أجندة!

نحن اللذين فرغ صبرنا من الحصار ومن الكلام ومن العبثيّة، نحن اللذين فرغ صبرنا من الاستسلام ومن المشي في نفس الدوائر إلى ما لانهاية، نحن اللذين نحلم بعالم جميل، جميل، تداعب نسماته وجوهنا منذ الآن… سيكون لدينا أجندة. وسننتصر…

8 comments

  1. عبير · سبتمبر 12, 2012

    جميل جدا طوني. عن جد يعطيك العافية.
    المقالات التلاتة “راديكال بيروت” مهمين كتير كانوا، عالقليلة إلي.
    فعلا قدرت أحس وأمتصّ كل كلمة وكل معنى انكتب بالسطور، وبين السطور.
    إنت عم بتقول كلام أنا مؤمنة فيه بداخلي من زمان، بس ولا مرة عرفت أعبّر عنه بطريقة صريحة وواضحة بهالشكل. ما زال في واحد قدر يكتب عن مشروع بهادا الحجم، يعني الإشي مش مجرد حلم، وإحنا منقدر فعلا نجمّع كل إيماناتنا، ونكوّن منها أجندة، إلها فاعليتها على أرض الواقع، والإشي مش مجرد حلم.

    • Tony Saghbiny · سبتمبر 18, 2012

      تسلمي عبّور، انتي كنتي لسنين جزء من النقاش وطبيعي تكون الكلمات عندها محل جواتك من زمان : )
      الإيام الجميلة جايي

  2. سليم اللوزي · سبتمبر 12, 2012

    🙂🙂

  3. كريم علي · أكتوبر 1, 2012

    هل الأفكار موجهة فقط لبيروت أم ان الإسم مجرد صُدفة؟!🙂
    وعن التوجه تقبل خــــــالص تقديري.. عسى أن يكون في أخر الممر نور🙂

    • Tony Saghbiny · أكتوبر 2, 2012

      مراحب كريم، كيفك صديقي
      الأفكار موجهة للجميع ، اختيار الاسم هو فقط لتكريم المدينة التي حضنت المبادرة الأولى،
      ما يهمنا في هذه المرحلة هو تقديم نموذج يمكن أخذه والعمل به في مدن أخرى حول المتوسط، سيكون هنالك نور ، على أمل!🙂
      سلامي

  4. تنبيه: راديكال بيروت: أي إنسان نريد؟ « هنيبعل.. يتسكّع في الأرجاء
  5. تنبيه: خطة عمل راديكال بيروت 2013 « نينار
  6. حسين رمّال · نوفمبر 5, 2012

    آخ ما أفخم هالكلمات وهالمشروع يا طوني، كنت شميّت ريحة الموضوع بس ما كنت فاضي، علقان ورهينة هالسيستم، جد إيدك، إيديكم عالجرح حطيتوها بهل المشروع، يعني ما أبيخها كيف بتلاقينا متل ما ذركت ما عنا وقت لحالنا ولا لشي من ورا هالمنظومة العالمية، مش رح إحكي كتير وطوّل عليك، بس بدّي إياك تعرف إنو رح بتلاقيني معكن انطون وهاني وكلكن يا معكن بهل المشروع سيما لما يصير وقت ورشات العمل ورح خلّي كل الأفكار يلّي خطيّتها هون بالبال والفكر بلكي بيطلع معي شي أفكار بتشاركها معكن… وبلكي لما تعملو شي قعدة بتعيطلي بنزل صوب بيروت بتخبرني أكتر…
    أجمل تحياتي لكونك هالطيّب

التعليقات مغلقة.