مشكلتنا مع حزب الله: فيلم “براءة المسلمين” نموذجاً

*

طوني صغبيني

 *

من تابع خطابات الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله مؤخراً يستطيع أن يكتشف بسهولة رؤية حزب الله للمجتمع ككل وموقفه الحقيقي من مسألة الحريات والحقوق. من يعرف الطبيعة الدينية لحزب الله لن يتفاجأ بمواقف نصرالله؛ لكن ما يجب أن يفاجأنا في الواقع هو وجود تحريم شبه مطلق على الحديث عن هذه الطبيعة على أنها جوهر المشكلة. معظم القوى العلمانية والناشطين العلمانيين في لبنان، خاصة أولئك اللذين يأتون من اليسار، يتغاضون بالكامل عن هذا الجانب ويحصرون خلافاتهم، إن وجدت، على سياساته، سلاحه، وأفعاله السياسية، ولا يتطرقّون أبداً إلى أن طبيعة هذا الحزب هي المشكلة، لا أشكاله الخارجية فحسب.

 *

فيلم “براءة المسلمين” كمثال

يمكن فهم طبيعة الحزب من التصريحات الحربية لنصرالله في قضيّة فيلم “براءة المسلمين” الذي اعتبره الكثيرون مسيء لرسول الإسلام والدين الإسلامي بشكل عام. موقف نصرالله المستنكر للفيلم يبدو للوهلة الأولى معتدلاً مقارنة مع ردّات الفعل الأخرى التي تخللها حرق سفارات ومتاجر واعتداءات على أبرياء. لكن موقف الأمين العام لم يقتصر على استنكار هذا العمل والتعبير عن امتعاضه منه؛ نصرالله اعتبر أن العمل الفنّي المذكور هو “عدوان” ودعا للردّ على هذا الأساس. في أكثر من خطاب له الأسبوع الماضي، لم يستخدم نصرالله سوى كلمة عدوان للحديث عن الفيلم، داعياً لموقف حازم كي لا يتكرر هذا الأمر. ما هو هذا الموقف؟ نصرالله دعا إلى إصدار قانون دولي ملزم لكلّ الدول والحكومات في العالم يجرّم الإساءة إلى الأديان السماوية وأنبيائها حتى “يعرف الجميع أن من يكتب أو يرسم أو ينتج فيلما سينمائيا أو تلفزيونيا أو ينشر أو أو أو… سيعاقب في أي مكان من هذا العالم ولن يجد له حاميا ولا مدافعا”.

نصرالله يريد إذاً أن يفرض قانوناً نستطيع بموجبه التضييق على حريات التعبير في كافة أنحاء العالم وملاحقة الفنانين والمخرجين والرسّامين والكتّاب اللذين يتجرّأون على تخطّي الأطر المفروضة من المؤسسات الدينية من أي جنسيّة كانوا وأينما كانوا.

نصرالله لا يتوقّف عند هذا الحدّ، بل يريد من لبنان أن “يقوم بدوره كرسالة”، وهو ما يعني بالنسبة للحزب أن يقوم لبنان بقيادة حملة القضاء على الحريات في منظّمة التعاون الإسلامي عبر طلب عقد قمّة إسلامية يقترح فيها “تجريم الإساءة إلى أنبياء الله العظام وإلى الديانات السماوية والكتب السماوية”.

مشهد من فيلم براءة المسلمين

الموقف المذكور ليس غريباً عن نصرالله الذي شجّع في العام 2006 على قتل الكاتب الباكستاني سلمان رشدي (مؤلف رواية آيات شيطانية)، عملاً بفتوى مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية روح الله الخميني الصادرة عام 1989. نصرالله قال وقتها: “لو قام مسلم ونفذ فتوى الامام الخميني بالمرتد سلمان رشدي لما تجرأ هؤلاء السفلة على ان ينالوا من الرسول لا في الدنمرك ولا في النرويج ولا في فرنسا”.

فتوى الخميني بإهدار دم مؤلف بسبب كتاب هي انتصار كبير بالنسبة لحزب الله. في خطابه الأخير يقول أمينه العام أن هذه الفتوى “كانت لها جدوى عظيمة جداً، ومنعت عدواناً هذا النوع لسنوات طويلة. وبالفعل الكتاب حوصر، المؤلف حوصر، المكتبات التي تبيع أو دور النشر أو أو.. حصلت نتائج ممتازة على هذا الصعيد”.

إصرار حزب الله على استعمال كلمة عدوان عند الحديث عن عمل فنّي، واعتباره أسوأ انتكاسة للحرّيات في العقدين الأخيرين (فتوى هدر دم سلمان رشدي) أنها انتصار كبير، يشير إلى أمر واحد: المعايير التي يعتمدها الحزب في تقييم قضايا من هذا النوع لا ترتكز على حقوق الإنسان واحترام الحريات العامة، بل هي بكل بساطة معايير نسخته الخاصة من الشريعة الإسلامية. على المستوى الاستراتيجي، الهدف الذي حدّده حزب الله من التحركات المناوئة لـ”براءة المسلمين” ليس أقل من تطبيق أحد أحكام الشريعة الإسلامية على المستوى الدولي. وهنا لبّ المشكلة، حزب الله يطالب في هذه المسألة بتحقيق ما حقّقه بنجاح على المستوى اللبناني منذ فترة طويلة: فرض شريعة الأمر الواقع على جزء لا يستهان منه من المجتمع.

 *

شريعة الأمر الواقع

ما نقصده بشريعة الأمر الواقع هو فرض معايير الشريعة الإسلامية على المجتمع في دولة غير دينية ومن دون وجود قانون إسلامي مُعلن. هذا الفرض يمكن أن يتم بقوّة الإقناع، الإرهاب، المال والخدمات الاجتماعية، الضغط الاجتماعي والإعلامي، والسلاح. معظم المنظّمات الإسلامية حول العالم تستعمل إحدى هذه الوسائل أو جميعها لدفع عمليّة الأسلمة قدماً وفرض شريعة الأمر الواقع على الأرض قبل إقرارها في قصور الحكم. هذه الظاهرة لا تقتصر بالتالي على حزب الله أو على لبنان، لكن حزب الله كان الأكثر نجاحاً في تطبيقها.

شريعة الأمر الواقع تتم أولاً عبر جعل الرؤية الدينية محور حياة المجتمع وهذا ما نجح به حزب الله بشكل كبير. الحياة السياسية والاجتماعية وحتى الشخصية لجزء كبير من الشيعة اللبنانيين تتمحور اليوم حول الدين. سواء أكنا نتحدّث عن الزواج، التعلّم، معايير الأخلاق والنجاح والحسن، طبيعة الطعام وطريقة اللباس والتبرّج، النشاطات اليومية وحتى الهوايات، كلها تتمحور حول الدين بطريقة أو بأخرى. إقحام الرؤية الدينية لحزب الله في كلّ شيء لم يمرّ بسلام بطبيعة الحال، خاصة عند تعارض العادات الدينية الجديدة مع العادات الاجتماعية التي يبلغ عمرها مئات إن لم يكن آلاف السنوات (مثل الرقصة اللبنانية التقليدية “الدبكة”، الاعراس والأفراح المختلطة بين الرجال والنساء، المصافحة باليد، الموسيقى، العلاقة مع الناس من الطوائف الأخرى، وطبيعة العلاقات بين الجنسين بشكل عام).

شريعة الأمر الواقع تطال أيضاً الأمور الشكلية الأخرى مثل الامتناع عن تناول الطعام في رمضان (بسبب الضغط الاجتماعي غالباً)، عدم توافر الكحول في المطاعم والمتاجر (لا يوجد متجر في الضاحية الجنوبية يبيع الكحول علناً مثلاً – الأمر نفسه في طرابلس وصيدا ومناطق قضائي النبطية وبنت جبيل)، والتضييق على الحفلات والمعارض الفنّية، سواء أكانت خاصة أم عامة (هنالك العديد من الأمثلة على ذلك في بعلبك والضاحية الجنوبية والجنوب وأمكنة أخرى).

مركزية الدين في المجتمع تقوم أيضاً على شبكة معقّدة من المؤسسات الدينية التي تفوق مؤسسات الدولة فعالية وانتشاراً. المؤسسات الدينية هذه تبدأ من التعليم (مثال مدارس المهدي والجامعة الإسلامية وما بينهما) وتمرّ بالمستشفيات ومؤسسات المساعدة الاجتماعية (في الزواج والسكن والاهتمام بالأيتام والعجزة والأرامل…ألخ) وتصل إلى المؤسسات السياسية والدينية الكبرى. النتيجة هي أن الوكيل الشرعي للولي الفقيه في لبنان (وإلى جانبه المراجع الدينية الأخرى) يستطيع عملياً أن يقول للناس كيف يجب أن تعيش حياتها وكيف تتصرّف وما هي الخطوط الحمر ومن تنتخب وحتى ماذا تشاهد على التلفاز وتستمع على الراديو. إن لم تكن هذه النتيجة هي شريعة أمر واقع، فماذا تكون إذاً؟

 *

مشكلة الفصل الطائفي

المشكلة مع حزب الله لا تقف هنا؛ الحزب نجح خلال ثلاثة عقود فحسب في القيام بإعادة هيكلة ثقافية ودينية وسياسية شاملة للجزء الأكبر من الطائفة الشيعية. لقد استطاع تحقيق 90 % من أجندته على الأقل، لكن نتيجة النجاح المذكور كانت فصل جزء كبير من الطائفة الشيعية عن النسيج اللبناني الهشّ أساساً.

الأمين العام للحزب حسن نصرالله

صحيح أن كلّ القوى الطائفية الأخرى تمتلك مؤسساتها وأجنداتها الخاصة وتشترك برغبتها بإنشاء مناطق “صافية” طائفياً، إلا أن نجاح حزب الله في تحقيق هذا الهدف أدّى إلى نشوء هوّة كبيرة بين غالبية الطائفة الشيعية وبقية الطوائف. هذه الهوّة هي اليوم هوّة ثقافية واجتماعيّة وجغرافية قبل أن تكون سياسيّة. جزء كبير من الطائفة الشيعية مجمّد ثقافياً واجتماعياً وسياسياً في ظلّ السطوة المطلقة لولاية الأمر الواقع وللشبكة الضخمة من المؤسسات الإعلامية والاجتماعية والسياسية التي يحكمها حزب الله. العزلة الجغرافية أيضاً ليست سهلة على الإطلاق: يمكن لأي شيعي اليوم أن يولد في ويعيش في وسط شيعي صافٍ مئة في المئة، ويتعلّم في مدرسة شيعية مئة في المئة، ويشاهد برامج شيعية على التلفاز مئة في المئة، ليتخرّج من بعدها ويعمل في مؤسسة شيعية مئة في المئة، فيما هنالك مؤسسات شيعية مئة في المئة ترسم الاستراتيجية السياسية لطائفته بأكملها. هذا الاحتمال وارد أيضاً لدى الطوائف الأخرى، لكنه الاستثناء لا القاعدة.

هذه العزلة تتوسّع يوم بعد يوم، حتى يكاد يصبح من المستحيل تخيّل حزب الله في دولة واحدة مع بقيّة اللبنانيين. من ترعرع في أحياء مختلطة دينياً يعلم جيداً تأثير الحزب على البيئات المحليّة حين يصبح له وجود فيها. رغم أن حزب الله لا يمتلك سياسة طائفية فجّة (لديه سياسة طائفية مبطّنة)، إلا أن طبيعته الدينية-الطائفية الثقيلة تؤدي في كافة الأحوال إلى تعميق الشرخ الطائفي أينما وجد.

المشكلة إذاً ليست في العناوين السياسيّة فحسب، بل هي في طبيعة حزب الله نفسها؛ الخلافات حول الاستراتيجية الدفاعية والسلاح وتكتيكات البلطجة التي يستعملها الحزب لتحقيق أجندته السياسية هي أوجه متفرّعة عن المشكلة الأساسية. المعركة مع الإسلام السياسي، خاصة بالنسبة للعلمانيين واليساريين اللبنانيين، يجب أن تشمل حزب الله، إن لم نقل تبدأ به كونه الحالة الإسلامية الأكثر تنظيماً وتقدماً.

صحيح أن بروز ظاهرة كحزب الله هو ردّة فعل على حقبة طويلة جداً من التهميش طاولت اللبنانيون الشيعة، لكن الردّ على ذلك ببناء كانتون منعزل لا يحلّ هكذا مشكلة بل يزيدها سوءاً. حزب الله يوهم العديد من اللبنانيين بأن الشيعة هم كتلة جامدة واحدة تطيع الولي الفقيه بشكل أعمى وتنتظر الفرصة المناسبة للإنقضاض عليهم والتهام الدولة والطوائف الأخرى، وهو يوهم أتباعه في الوقت نفسه بأن بقية اللبنانيين يريدون الإنقضاض على الشيعة ككل لولا حزب الله وبنادقه. هذه الدائرة المغلقة لا تؤدي سوى إلى نتائج سلبيّة، والنتائج السلبية ستطال غالبية الطائفة الشيعية أولاً قبل بقية اللبنانيين.

المارونية السياسيّة في السبعينات ارتكبت خطأً مشابهاً عندما اعتقدت أن القوّة الآنية تتيح لها هضم حقوق باقي الطوائف، والسنيّة السياسية ارتكبت الخطأ نفسه في التسعينات حين تعاملت مع البلد كأنه ملكيتها الخاصة، وها هيي الشيعية السياسية تكرّر الخطأ لكن بشكل أكثر خطورة بكثير من التجربتين السابقتين. تجربة المارونية السياسية انتهت بحرب أهلية مدمّرة دامت 15 عاماً، وتجربة السنيّة السياسية تضمّنت سلم أهلي مدمّر وخانق استمرّ 15 عاماً أخرى، ماذا ستكون إذاً نتيجة الشيعية السياسية؟ يخطأ حزب الله كثيراً حين يتأمل نتائج مختلفة في الوقت الذي يتّبع فيه نفس السياسات التي أدّت إلى حرب أهلية في الماضي.

منذ ثلاثون عاماً، جلست مجموعة من العقول الفذّة في شقة متواضعة في ضواحي بيروت ووضعت تصوراً لما يجب أن يكون عليه المجتمع خلال عدّة عقود من الزمن، وبدأوا بالعمل على خطّتهم ولم يكلّوا أو يتعبوا أو يحيدوا عن هدفهم قيد أنملة منذ ذلك الوقت. هذه المجموعة أصبحت فيما بعد حزب الله؛ ربّما علينا كعلمانيين أن نتعلّم منهم لكي نعرف كيف يمكننا مواجهة هكذا حالة وإنقاذ البلاد قبل دخولنا في أنفاق حروب أهليّة لا تنتهي.

3 comments

  1. الدُب · سبتمبر 28, 2012

    في رأيي، العلمانيون العرب في مأزق تاريخي يا صديقي ويجب ان يستخلصوا العبر مما حدث ويحدث.
    سأكتب عن هذا الموضوع قريبا.
    كم امقت تعبير “الاديان السماوية”. من اخترعه واحتكره هكذا ليصف الاديان الابراهيمية؟ حتى تعبير “الاديان التوحيدية” مضلل. اين اخناتون، مثلا؟😉

    • Tony Saghbiny · سبتمبر 29, 2012

      مية بالمية صديقي.
      انا كمان ما بحب تعبير السماوية لكن بيمرق أحياناً : )
      بتمنى تكتب عن الموضوع قريباً لأن ما فيه معالجة كافية لهالمسألة أبداً وفيه شغل كتير علينا بهالمجال
      مشتاقين رفيق الياس!

  2. الدُب · أكتوبر 2, 2012

    ايه خلص بكتب اذا انت بتشجعني صديقي
    انا مشتاق بالاكتر!

التعليقات مغلقة.