مشكلتنا مع حزب الله

*

طوني صغبيني

 *

من تابع أيّ من خطابات الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله يستطيع أن يكتشف بسهولة رؤية حزب الله للمجتمع ككل وموقفه الحقيقي من مسألة الحريات والحقوق.

الطبيعة الدينية المغلقة والمتشدّدة لحزب الله معروفة لكن هنالك رفض تام لنقاش هذا الأمر في أوساط العلمانيين والتحرريين واليسار، وخاصة في لبنان وسوريا. معظم الخلافات العلنية مع حزب الله تحصر انتقاداتنا بالسياسة ولا تتجرأ على انتقاد طبيعة الحزب الدينية وعقيدته، وهي برأينا جوهر المشكلة. هذا ما نريد الحديث عنه اليوم.

 *

فيلم “براءة المسلمين” كمثال

لعلّ أكثر ما يساعدنا على استدلال عداوة الحزب للحريات وانغلاقه الديني هو موقفه من فيلم “براءة المسلمين”.

و”براءة المسلمين” هذا هو فيلم قصير باللغة الانكليزية صنعه شخص مغمور على الانترنت ونشره على يوتيوب أوائل العام الحالي، مدّته 14 دقيقة، وينتقد تصرفّات النبي وأفعاله والجذور الدينية لعدد من الآيات.

في أيّ مكان آخر، لن يكترث أحد لمقطع على يوتيوب، لكن في العالم العربي، وجدت العمائم فيه فرصة جديدة لإلهاء الناس بذاك العدو الوهمي البعيد الذي يريد النيل من كرامتهم.

في الأعوام السابقة ارتكب الظلاميون الإسلاميون مئات الجرائم بحق أبرياء وكان نصرالله بالكاد يعلّق عليها بجملة بسيطة، لكن مقطع على يوتيوب استوجب من ظلّ الولي الفقيه أن يخصّص خطاباً كاملاً له وأن تقوم وسائله الإعلامية بتعبئة حادّة مستمرّة منذ أسابيع كأنها نهاية العالم.

المشكلة الأكبر أن موقف نصرالله لم يقتصر على رفض العمل المذكور،  بل اعتبره “عدوان”، يضاهي عدواناً حربياً، ودعا للردّ عليه وفقاً لهذا الأساس. فلنقل ذلك مرّة أخرى: بالنسبة لنصرالله، إنشاء مقطع على يوتيوب هو مساوٍ في الجريمة للاعتداء العسكري. قد يكون ذلك منطقياً للإسلاميين المغسولي الدماغ، لكنه يجب أن يكون جرس إنذاء هائل للعلمانيين والتحرّريين الذين لا يزالون يعتقدون أنه بالامكان التعايش مع هذا الحزب.

في أكثر من خطاب له الأسبوع الماضي، لم يستخدم نصرالله سوى كلمة عدوان للحديث عن الفيلم، داعياً لموقف حازم كي لا يتكرر هذا الأمر. ما الذي يريده الأمين العام؟ يريد إصدار قانون دولي ملزم لكلّ الدول والحكومات في العالم يجرّم الإساءة إلى الأديان السماوية وأنبيائها حتى “يعرف الجميع أن من يكتب أو يرسم أو ينتج فيلما سينمائيا أو تلفزيونيا أو ينشر أو أو أو… سيعاقب في أي مكان من هذا العالم ولن يجد له حاميا ولا مدافعا”. بعبارة أخرى: يريد أن يكون الولي الفقيه الآمر الناهي لكل من يريد أن يعبّر عن فكرة ما في العالم.

نصرالله يريد أن يفرض قانوناً يستطيع بموجبه التضييق على حريات التعبير في كافة أنحاء العالم وملاحقة الفنانين والمخرجين والرسّامين والكتّاب اللذين يتجرّأون على تخطّي الأطر المفروضة من المؤسسات الدينية، من أي جنسيّة كانوا وأينما كانوا.

الولي لا يتوقّف عند هذا الحدّ، بل يريد من لبنان أن “يقوم بدوره كرسالة”، وهو ما يعني بالنسبة له أن يقود حملة القضاء على الحريات في العالم عبر طلب عقد قمّة إسلامية يقترح فيها “تجريم الإساءة إلى أنبياء الله العظام وإلى الديانات السماوية والكتب السماوية”.

مشهد من فيلم براءة المسلمين

الموقف المذكور ليس غريباً عن نصرالله الذي شجّع في العام 2006 على قتل الكاتب الباكستاني سلمان رشدي (مؤلف رواية آيات شيطانية)، عملاً بفتوى مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية روح الله الخميني الصادرة عام 1989. نصرالله قال وقتها: “لو قام مسلم ونفذ فتوى الامام الخميني بالمرتد سلمان رشدي لما تجرأ هؤلاء السفلة على ان ينالوا من الرسول لا في الدنمرك ولا في النرويج ولا في فرنسا”.

فتوى الخميني بإهدار دم مؤلف بسبب كتاب ليست سياسة طارئة على عقيدة حزب الله، بل هي جزء أساسي منها. في خطابه الأخير يقول أمينه العام أن هذه الفتوى “كانت لها جدوى عظيمة جداً، ومنعت عدواناً هذا النوع لسنوات طويلة. وبالفعل الكتاب حوصر، المؤلف حوصر، المكتبات التي تبيع أو دور النشر أو أو.. حصلت نتائج ممتازة على هذا الصعيد”.

إصرار حزب الله على استعمال كلمة عدوان عند الحديث عن عمل فنّي، وتمجيده لسيف التحريم الذي استلّه الخميني من مقابر التاريخ، تشير إلى أمر واحد، نعرفه مسبقاً: عقيدة حزب الله، بما خص مواقفه من حقوق الإنسان وحريات التعبير، هي ببساطة تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على المستوى الوطني والدولي.

يبدو أن حزب الله في نشوته النابعة من فائض القوّة، يريد تطبيق شريعة الأمر الواقع في كلّ مكان، لا في لبنان فقط.

*

شريعة الأمر الواقع

شريعة الأمر الواقع هي ببساطة دولة حزب الله المتمثلة بفرض معايير الشريعة الإسلامية على المجتمع من دون وجود قانون إسلامي مُعلن. هذا هو الحال في لبنان، وخاصة في المناطق التي يحكم السيطرة عليها طائفياً وأمنياً وسياسياً.

هذا الفرض يتم عبر عدّة عناصر: بقوّة الإقناع، بقوّة الإرهاب، بقوّة المال والخدمات الاجتماعية، وعبر الضغط الاجتماعي والإعلامي، والسلاح.

معظم المنظّمات الإسلامية حول العالم تستعمل إحدى هذه الوسائل أو جميعها لدفع عمليّة الأسلمة قدماً وفرض شريعة الأمر الواقع على الأرض قبل إقرارها في قصور الحكم. هذه الظاهرة لا تقتصر بالتالي على حزب الله أو على لبنان، لكن حزب الله كان الأكثر نجاحاً في تطبيقها.

المرحلة الأولى من إنشاء شريعة الأمر الواقع هي التغيير الثقافي: جعل الرؤية الدينية محور حياة المجتمع وإطار تفكيره وثقافته، وهذا ما نجح به حزب الله بشكل كبير.

الحياة السياسية والاجتماعية وحتى الشخصية لجزء كبير من الشيعة اللبنانيين تتمحور اليوم حول الدين. سواء أكنا نتحدّث عن الزواج، التعلّم، معايير الأخلاق والنجاح، طبيعة الطعام وطريقة اللباس والتبرّج، النشاطات اليومية وحتى الهوايات، كلها تتمحور حول الدين بطريقة أو بأخرى.

إقحام الرؤية الدينية لحزب الله في كلّ شيء لم يمرّ بسلام بطبيعة الحال، خاصة عندما تعارضت العادات الدينية الجديدة مع العادات الاجتماعية التي يبلغ عمرها مئات إن لم يكن آلاف السنوات (مثل الرقصة اللبنانية التقليدية “الدبكة”، الاعراس والأفراح المختلطة بين الرجال والنساء، المصافحة باليد، الموسيقى، العلاقة مع الناس من الطوائف الأخرى، وطبيعة العلاقات بين الجنسين بشكل عام).

شريعة الأمر الواقع تطال أيضاً الأمور الشكلية الأخرى مثل الامتناع عن تناول الطعام في رمضان (بسبب الضغط الاجتماعي غالباً)، عدم توافر الكحول في المطاعم والمتاجر (لا يوجد متجر في الضاحية الجنوبية أو جنوب لبنان يبيع الكحول علناً مثلاً)، والتضييق على الحفلات والمعارض الفنّية، سواء أكانت خاصة أم عامة (هنالك العديد من الأمثلة على ذلك في بعلبك والضاحية الجنوبية والجنوب وأمكنة أخرى).

مركزية الدين في المجتمع تقوم أيضاً على شبكة معقّدة من المؤسسات الدينية التي تفوق مؤسسات الدولة فعالية وانتشاراً. المؤسسات الدينية هذه تبدأ من التعليم مثل مدارس المهدي والجامعة الإسلامية وما بينهما، وتمرّ بالمستشفيات ومؤسسات المساعدة الاجتماعية في الزواج والسكن والاهتمام بالأيتام والعجزة والأرامل، وتصل إلى المؤسسات السياسية والدينية الكبرى.

النتيجة الأخيرة لشبكة المؤسسات هذه هي أن الوكيل الشرعي للولي الفقيه في لبنان هو الحاكم الفعلي في حياة الناس اليومية، لا في السياسة فقط، حيث يستطيع عملياً أن يقول للناس كيف يجب أن تعيش حياتها وكيف تتصرّف وما هي الخطوط الحمر ومن تنتخب وحتى ماذا تشاهد على التلفاز وتستمع على الراديو. إن لم تكن هذه النتيجة هي شريعة أمر واقع، فماذا تكون إذاً؟

 *

مشكلة الفصل الطائفي

المشكلة مع حزب الله لا تقف هنا؛ الحزب نجح خلال ثلاثة عقود في القيام بإعادة هيكلة ثقافية ودينية وسياسية شاملة للجزء الأكبر من الطائفة الشيعية. لقد استطاع تحقيق 90 % من أجندته على الأقل، لكن نتيجة النجاح المذكور هي بناء جدار هائل بين الطائفة الشيعية وبقية الطوائف اللبنانية.

الأمين العام للحزب حسن نصرالله

صحيح أن كلّ القوى الطائفية الأخرى تمتلك مؤسساتها وأجنداتها وجدرانها الخاصة وتشترك برغبتها بإنشاء مناطق “صافية” طائفياً، إلا أن نجاح حزب الله في تحقيق هذا الهدف أدّى إلى نشوء هوّة كبيرة بين غالبية الطائفة الشيعية وبقية الطوائف.

هذه الهوّة هي اليوم هوّة ثقافية واجتماعيّة وجغرافية قبل أن تكون سياسيّة.

جزء كبير من الطائفة الشيعية مجمّد ثقافياً واجتماعياً وسياسياً ومسجون بالسطوة المطلقة لولاية الأمر الواقع وللشبكة الضخمة من المؤسسات الإعلامية والاجتماعية والسياسية التي يحكمها حزب الله.

العزلة الجغرافية أيضاً ليست سهلة على الإطلاق: يمكن لأي شيعي اليوم أن يولد في ويعيش في وسط شيعي صافٍ مئة في المئة، حيث سيتعلّم في مدرسة شيعية مئة في المئة، ويشاهد برامج شيعية على التلفاز مئة في المئة، ليتخرّج من بعدها ويعمل في مؤسسة شيعية مئة في المئة، فيما هنالك مؤسسات شيعية مئة في المئة ترسم الاستراتيجية السياسية لطائفته بأكملها. هذا النمط من العيش الطائفي المغلق هو الاستثناء لدى الطوائف الأخرى، لا القاعدة – القاعدة هي الاختلاط لا العزلة.

هذه العزلة تتوسّع يوم بعد يوم، حتى يكاد يصبح من المستحيل تخيّل حزب الله في دولة واحدة مع بقيّة اللبنانيين. من ترعرع في أحياء مختلطة دينياً يعلم جيداً تأثير الحزب على البيئات المحليّة حين يصبح له وجود فيها. رغم أن حزب الله لا يمتلك سياسة طائفية فجّة (لديه سياسة طائفية مبطّنة)، إلا أن طبيعته الدينية-الطائفية الثقيلة تؤدي في كافة الأحوال إلى تعميق الشرخ الطائفي أينما وجد.

المشكلة إذاً ليست في العناوين السياسيّة فحسب، بل هي في طبيعة حزب الله نفسها؛ الخلافات حول الاستراتيجية الدفاعية والسلاح وتكتيكات البلطجة التي يستعملها الحزب لتحقيق أجندته السياسية هي أوجه متفرّعة عن المشكلة الأساسية.

المعركة مع الإسلام السياسي، خاصة بالنسبة للعلمانيين واليساريين اللبنانيين، يجب أن تشمل حزب الله، إن لم نقل تبدأ به كونه الحالة الإسلامية الأكثر تنظيماً وتقدماً وخطورة.

صحيح أن بروز ظاهرة كحزب الله هو ردّة فعل على حقبة طويلة جداً من التهميش طاولت اللبنانيين الشيعة، لكن الردّ على ذلك ببناء كانتون منعزل لا يحلّ هكذا مشكلة بل يزيدها سوءاً.

حزب الله يوهم العديد من اللبنانيين أن الشيعة هم كتلة واحدة تطيع الولي الفقيه بشكل أعمى وتنتظر الفرصة المناسبة للإنقضاض عليهم والتهام الدولة والطوائف الأخرى، وهو يوهم أتباعه في الوقت نفسه أن بقية اللبنانيين يريدون الإنقضاض على الشيعة وتهجيرهم من البلاد لولا حزب الله وبنادقه.

هذه الدائرة المغلقة لا تؤدي سوى إلى نتائج سلبيّة، والنتائج السلبية ستطال غالبية الطائفة الشيعية أولاً قبل بقية اللبنانيين.

المارونية السياسيّة في السبعينات ارتكبت خطأً مشابهاً عندما اعتقدت أن القوّة المؤقّتة تتيح لها هضم حقوق باقي الطوائف، والسنيّة السياسية ارتكبت الخطأ نفسه في التسعينات حين تعاملت مع البلد كأنه ملكيتها الخاصة، وها هيي الشيعية السياسية تكرّر الخطأ لكن بشكل أكثر خطورة بكثير من التجربتين السابقتين.

تجربة المارونية السياسية انتهت بحرب أهلية مدمّرة دامت 15 عاماً، وتجربة السنيّة السياسية كانت سلم أهلي مدمّر وخانق استمرّ 15 عاماً أخرى، ماذا ستكون إذاً نتيجة الشيعية السياسية؟ يخطأ حزب الله كثيراً حين يتأمل نتائج مختلفة في الوقت الذي يتّبع فيه نفس السياسات التي أدّت إلى حرب أهلية في الماضي.

منذ ثلاثون عاماً، جلست مجموعة من العقول الفذّة في شقة متواضعة في ضواحي بيروت ووضعت تصوراً لما يجب أن يكون عليه المجتمع خلال عدّة عقود من الزمن، وبدأوا بالعمل على خطّتهم ولم يكلّوا أو يتعبوا أو يحيدوا عن هدفهم قيد أنملة لعشرات السنوات. هذه المجموعة أصبحت فيما بعد حزب الله؛ ربّما علينا كعلمانيين أن نتعلّم منهم لكي نعرف كيف يمكننا مواجهة هكذا حالة وإنقاذ البلاد قبل دخولنا في أنفاق حروب أهليّة لا تنتهي.

3 comments

  1. الدُب · سبتمبر 28, 2012

    في رأيي، العلمانيون العرب في مأزق تاريخي يا صديقي ويجب ان يستخلصوا العبر مما حدث ويحدث.
    سأكتب عن هذا الموضوع قريبا.
    كم امقت تعبير “الاديان السماوية”. من اخترعه واحتكره هكذا ليصف الاديان الابراهيمية؟ حتى تعبير “الاديان التوحيدية” مضلل. اين اخناتون، مثلا؟ 😉

    • Tony Saghbiny · سبتمبر 29, 2012

      مية بالمية صديقي.
      انا كمان ما بحب تعبير السماوية لكن بيمرق أحياناً : )
      بتمنى تكتب عن الموضوع قريباً لأن ما فيه معالجة كافية لهالمسألة أبداً وفيه شغل كتير علينا بهالمجال
      مشتاقين رفيق الياس!

  2. الدُب · أكتوبر 2, 2012

    ايه خلص بكتب اذا انت بتشجعني صديقي
    انا مشتاق بالاكتر!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s