مقابلة مع المؤلف جون مايكل غرير: الذروة النفطية والقوّة الكامنة في الروحانيّة الطبيعية

المؤلف جون مايكل غرير

* * *

نُشرت المقابلة على “صوت التحول” في 1 تشرين الثاني 2010،

أجرى المقابلة أريك كورين،

ترجمة طوني صغبيني

 *

لا شكّ بأن لحيته البنّية الطويلة تجعل جون مايكل غرير يبدو كأنه بطريرك أوثوذوكسي أكثر منه كاتباً حول شؤون الذروة النفطية وانهيار المجتمع الصناعي. كل من يعرف أن غرير هو العقل المؤلف وراء “تقرير رئيس كهنة الدرويد“، يعلمون أنه يحيى التزام عميق بالتقاليد الروحية الوثنية الدرويدية التي تأتي من الجزر البريطانية، إيرلندا وبلاد الغال قبل مجيء المسيحية. غرير يرأس “المنظمة القديمة للدرويد في أميركا”، التي تهدف لأعادة إحياء الدرب القديمة للروحانية الطبيعية والتحوّل الداخلي.

 لكن بعيداً عن نشاطاته الروحيّة، غرير كتب أكثر من 25 كتاب حول مجموعة واسعة من المواضيع. مؤلفاته تشمل ثلاث عناوين حول الذروة النفطية: “الهبوط الطويل: دليل نهاية العصر الصناعي”، و”المستقبل الإيكو- تكنولوجي: تصوّر لعالم ما بعد النفط”، و”ثروة الطبيعة”. بعد مشاهدته في مؤتمر رابطة الذروة النفطية في الولايات المتحدة في تشرين الأوّل، تحدّثنا مع غرير حول رؤيته لمجتمعنا وما ينبغي علينا القيام به تجاه الأزمة.

 *

الثروات تجذب اللصوص

– أريك كورين: في محاضرتك حول ضرورة التخطيط ليسناريوهات مختلفة بعد الذروة النفطية، نصحت بعدم تخزين الطعام والمنتجات أو الذهب، قلت أن “الثروة تجذب اللصوص”. قلت أيضاً أن أفضل استثمار للمستقبل هو تطوير المهارات. يبدو كأنك تؤمن ببناء المناعة المجتمعيّة أكثر من التركيز على أساليب البقاء الفردي أو العائلي، هل هذا صحيح؟ وهل ترى دور للعائلات في تأمين الحماية والاستمرارية في عالم ما بعد النفط؟

– جون مايكل غرير: لا اعتقد أن “المناعة المجتمعيّة” أو أي شكل آخر من المحاولات النظريّة هي إجابات شافية على المستقبل المعقّد الذي ينتظرنا. المشكلة التي تواجهنا حين نحاول بناء مجتمعات منيعة هي أنه كان يجب البدء بهكذا مشاريع منذ سنوات مضت، وذلك لم يحصل، أو بالأحرى حصلت محاولات في العقود الماضية لكن الجميع نسي أهميّة ذلك بعد مرحلة الرخاء في التسعينات. حتى الآن، هنالك قلة قليلة من الناس في أي مجتمع مستعدّون للمشاركة في حركات لبناء المناعة المحليّة، وهناك ندرة كبيرة في الموارد المتاحة لهكذا مشاريع.

في هذا الوقت، نحن بالطبع تجاوزنا ذروة النفط التقليدي، وكل الأدلة تشير إلى أننا على مسافة بضعة سنوات فقط من الانهيارات الأولى. حين يأتي هذا اليوم، الموارد التي كان يمكن استعمالها لبناء المناعة المحلّية ستُستعمل للتعامل مع الأزمات المستجدّة، وفي بعض الحالات، لن تستعمل في أية مشاريع أخرى بل ستُستخدم للحفاظ على البقاء فقط. أحد الأمور التي اعتقد أن الناس تنساها هي أنه خلال الأزمات المقبلة، الموارد، الوقت والطاقة التي كنا نستخدمها للتحضير للمستقبل لن تكون متاحة لنا.

على الجهة الأخرى، المشكلة في نمط تفكير “البقاء الفردي” أنه يذهب بعيداً في الاتجاه المعاكس ويفترض أن مجتمعاتنا الحالية ستتمزّق بسرعة، وأن السيناريو الوحيد المنطقي هو حرب الجميع ضد الجميع. لكن تاريخ صعود وانهيار الحضارات السابقة لا يدعم هذه الفرضية. حين تتمزّق المجتمعات المركّبة والمؤسسات المعقّدة التي نملكها اليوم، ما سيحصل على الأرجح هو أنه سيتم استبدالها ببُنى وترتيبات مرتجلة وانتقاليّة يتم بناؤها مما تبقّى. وهذا ما يحصل عادة، وتلك البُنى الانتقالية تصبح فيما بعد الأطر التي تستقرّ من خلالها الأمور فيما تخفّ وطأة الأزمة.

ما أؤمن به، إن أردت، هو التأكد بأن يمتلك الناس العديد من الخيارات حين تبدأ الأمور بالتفكّك، وأن يمتلكوا أكبر قدر ممكن من المعلومات والمهارات المفيدة حين تنقطع الكهرباء. هذه المقاربة تبدأ مع الأفراد والعائلات اللذين ستكون مهمتهم أن يتعلّموا كيفية العيش في الأوقات الصعبة، أي كيف يمكنهم زرع جزء من طعامهم على الأقل، إبقاء منازلهم أماكن قابلة للعيش، وصناعة وتصليح الأدوات المفيدة… سيكون عليهم أن يبدأوا من هذا المكان ويبنوا عليه. لكي نستعمل مثال يساعدنا على فهم هذه الفكرة يمكن أن نقول أنه حين تضرب السفينة في الصخور وتبدأ بالغرق، لا يوجد هنالك وقت لإعادة بناء السفينة؛ ما نحتاجه في هذه الحالة هو أن نتأكّد بأنه يمكننا وضع أكبر عدد ممكن من الناس في قوارب النجاة.

*

الرماد المنبعث من السقوط

– أريك كورين: في كتابك “المستقبل الإكو-تكنولوجي”، اعتقد أنك كتبت بأن أميركا لن تسقط فوراً من قمّة المجتمع الصناعي لتتحوّل إلى اقتصاد الحرف اليدوية والتبادل العيني بشكل سريع، بل سيكون هنالك فترة انتقالية طويلة من ثلاثة أنواع من الاقتصاد هي “اقتصاد الوفرة الصناعية” الذي يتبعه “اقتصاد الندرة الصناعية” والذي يتبعه أيضاً “اقتصاد الخردة”. هل لا تزال تعتقد أن ذلك صحيح؟ وإن كانت هذه هي المسألة، هل يعني ذلك أنه سيبقى هنالك العديد منّا يعملون في المكاتب، أو حتى في المصانع لفترة طويلة مقبلة تمتدّ ربّما لعقود؟ وإن كان ذلك صحيح أيضاً، هل يجب أن نتعلّم مهارات بديلة مثل كيفية صناعة البيرة والملابس، أو التخطيط لمهن أو أعمال بديلة تناسب المجتمع ما بعد-الصناعي؟

– مايكل غرير: يبدو من سؤالك أنك تفترض أن السقوط سيتخذ منحى متجانس في كل مكان، أن أميركا مثلاً ستنتقل بشكل جماعي من الوفرة الصناعية إلى الندرة الصناعية ومن ثم إلى اقتصاد الخردة وهكذا دواليك. لكن اعتقد أن هذه الرؤية فيها تبسيط عظيم للأمور. هنالك منذ الآن أناس يعيشون في ظلّ اقتصاد الخردة في الولايات المتحدة وأمكنة أخرى من العالم، لقد فقدوا وظائفهم في اقتصاد الوفرة الصناعية، والآن يعيشون على التفتيش عن التنك في القمامة، أو استخراج الأسلاك المعدنية والحديد من المنازل المهجورة. هذا مثال.

دراسة انهيار الحضارات السابقة تظهر بأن المسار كان مختلفاً بحسب المناطق، الطبقة، المجموعات الإثنية، والظروف المحلّية. اعتقد أننا سنشهد ذلك أيضاً هذه المرّة. بعد نصف قرن من الآن على سبيل المثال، قد يكون لا يزال هنالك مناطق من الولايات المتّحدة حيث يتمتّع أفراد الطبقة العليا بالكهرباء، التدفئة المركزيّة، وما تبقى من الانترنت، وحيث يعملون في وظائف لا تختلف كثيراً عن مثيلاتها اليوم؛ الطبقة العاملة في المناطق نفسها قد تكون تعيش في ظروف تشبه ظروف عمّال المصانع في القرن التاسع عشر، والضواحي الفخمة خارج المدن ستكون قد تحوّلت إلى أحياء شاسعة من الفقر كما نرى في معظم مدن العالم الثالث اليوم. في هذه الأثناء، قد تكون أجزاء أخرى من الولايات المتحدة قد تراجعت إلى حالة تشبه الاقتصاد الزراعي الاقطاعي الذي كان سائداً في القرون الوسطى، فيما تعيش مناطق أخرى في مكان ما في الوسط بين القرن الواحد والعشرين والقرن العاشر.

الحضارات لا تسقط وفقاً لخطّ مستقيم؛ بل تتعرّض لأزمات وتعاني من تفكّك جزئي ثم تصارع للخروج من الفوضى، ثم تنجح في تحقيق بعض الاستقرار لوقت قصير قبل أن تدخل في جولة جديدة من الأزمات. وهكذا دواليك حتى نصل إلى مرحلة يمكننا أن نقول فيها أن هذه الحضارة انتهت. الإيقاع نفسه سيؤثر على حياة الأفراد. جارك قد يفقد عمله بشكل نهائي الأسبوع المقبل ويخرج من اقتصاد الوفرة الصناعية ويدخل في اقتصاد الخردة حتى نهاية حياته، فيما قد لا يحصل ذلك لك على الإطلاق. وقد ينجح جارك في الحصول على عمل بدوام جزئي مثلاً، ويخرج من اقتصاد الخردة ليدخل في اقتصاد الندرة الصناعية لفترة.

لذلك، النقطة التي ذكرتها حول ضرورة تعلّم المهارات لا تعني أنه يجب أن نتوقّع أننا ستجني الأموال من الأعمال اليدويّة في نقطة محدّدة في المستقبل. الهدف من تعلّم المهارات هو أن يكون لدينا خطّة احتياط تساعدنا على العيش إن كنا أحد أولئك اللذين طُردوا من الاقتصاد في أي وقت كان في المستقبل، أو إن كانت العديد من أشكال الثروة التي نعتمد عليها تتحوّل إلى قطع خردة لا قيمة لها كما يحصل الآن للعديد من المنتجات.

 *

لا يوجد ملحدون في الخنادق

– أريك كورين: هل يمكنك أن تخبرنا كيف تنظر الدرويديّة (دين وثني حديث) إلى مسألة الذروة النفطية؟ كيف أصبحت كاهناً درويدياً، وكيف ترتبط ممارستك الدرويديّة باهتمامك بقضية الذروة النفطية؟ وهل يوجد هنالك تعاليم أو ممارسات كالتأمّل تعتقد أنها ستساعد قرّائنا على معرفة ما يمكن فعله في حياتهم؟

– جون مايكل غرير: وجدت طريقي إلى الدرويديّة بعد سنوات طويلة من استكشاف الدروب الروحيّة البديلة. كنت أبحث عن شيء يمكن أن يشبع حاجتي لروحانيّة متمحورة حول التجربة الشخصية بدل العقيدة والدوغما، ويركّز على الطبيعة على أنها تجلًّ حيّ للحقائق الماورائية؛ يحصل أيضاً أن أعمق تجاربي الروحية حصلت عبر الارتباط والتواصل مع العالم الطبيعي. كدين مرتكز على الطبيعة، الدرويديّة تعزّز بالتأكيد اعتقادي بأنه يجب فهم الوجود البشري في سياقه الإيكولوجي، وهذا السياق الإيكولوجي يهيمن عليه الآن اعتمادنا المطلق على الوقود الأحفوري الذي حملته الأرض منذ ما قبل التاريخ. وجودي في دين بديل صغير العدد (هنالك حوالي مليوني درويد في العالم في الوقت الحالي، نصف مليون منهم في الولايات المتّحدة)، أتاح لي التمرّس باعتناق آراء يختلف معها معظم العالم!

لا أعتقد أنه من المفيد أن نعتنق مجموعة محدّدة من الممارسات الدرويدية الروحية ومعاملتها على أنها نموذج يجب على الناس اتّباعه. الدرويدية ليست دين تبشيري، ولم التقي في حياتي بأي درويدي(ة) يزعم بأن إيماننا أفضل من الآخرين، أو أنه يجب على الجميع أن يعتنق الدرويديّة. من المفيد أكثر، كإجابة على سؤالك، أن نشجّع الناس على التواصل مع الجانب الروحي من التجربة البشرية والتعمّق في ذلك الجانب لاستكشاف التقليد الروحي الذي يناسبهم، وبالتالي إيجاد مكان في حياتهم للممارسات الروحية لذلك التقليد.

المثل الأميركي يقول “لا يوجد ملحدين في الخنادق”، والتاريخ يقول أنه لا يوجد الكثير من الملحدين خلال عمليّة انهيار الحضارات – إهمال الأسئلة والتجارب الروحية هو عادة ترف فكري يمكن مصادفته فقط في المجتمعات المزدهرة والمستقرة. القوّة الداخلية في كلّ إنسان التي يمكن الاستفادة منها عبر تجربة روحيّة فاعلة هي من ضمن الموارد التي أشجّع الناس على أن تكون بحوزتهم مسبقاً حين تضرب الموجة التالية من الأزمات.

2 comments

  1. Suhail Saad · نوفمبر 10, 2012

    شكراً طوني على ترجمة اللقاء
    وتضل الحياة البسيطة الطبيعية أفضل من حياة تلويث الأرض وتدميرها

    • Tony Saghbiny · نوفمبر 10, 2012

      مرحبا استاذ سهيل بتمنى تكون بخير!
      عم بشتغل على ترجمة العديد من المقابلات مع جيولوجيين وعلماء ومؤلفين عن موضوع أزمة الطاقة حتى تكون بمتناول القارىء العربي، أرجو ان تكون مفيدة لموقعك كذلك🙂
      سلامي

التعليقات مغلقة.