عشق ألف عام

 *

طوني صغبيني

*

لم يعلم ماذا كان ينتظره على الجانب الآخر من المطار. ليست هذه هي الرحلة التي تخيّلها حين وعد فتاة لم يلتقها يوماً بأنه سيعبر كل الجبال وحواجز الأمن والصحارى والبحار التي تحول بينهما ليلتقيا. لم يتخيّل أي منهما، أن اللقاء الأول سيكون هنا، في مدينة العابرين في وسط الصحراء. دبي مدينة لا تشبههما بشيء؛ كل شيء فيها مؤقت وعابر وسريع ومزيّف، المدينة كلها مجرّد جسر للعابرين، نحو وظيفة، نحو بلد آخر، أو نحو خلاص متخيّل في المدينة التالية. لم يولد أحد هنا، ولن يُدفن أحد هنا، الكل عابر. إلا أنهما لم يكونا مجرّد عابرين. كانوا باحثين عن بعضهما البعض لسنوات قبل أن يعطيهما العالم فرصة ليتقاطع دربهما في نيسان. أكثر من عام تحدّثا، أكثر من عام اشتاقا، لكنهم عشقا بعضهما البعض أزلاً.

كان يقول في ذهنه أن صعود الطائرة أمر سهل؛ مقارنة مع الرحلة البرية التي خطّط لها سابقاً إلى بردى الدمشقي، حيث تنتظره دفاتر الأمن، وحبيبة. وقتها حمل هاتفه، وأخبرها أنه عليها أن تتوقّع وصوله في أي يوم. كان يتأكّد فقط ما إذا كان اسمه لا يزال متواجداً في سجلات المطلوبين للتحقيق وأجرى احتياطاته: كلمات السرّ لحساباته الالكترونية مخبأة في مكان لا يعرفه سوى شخص واحد لتغييرها بسرعة في حال تم القبض عليه وطلبها منه، وشخص آخر سينتظر لـ 24 ساعة ليسمع خبر منه، أو عليه في تلك الحالة إعلام أصدقائه والجهات المختصة باعتقاله. كان يريد رؤيتها بأي ثمن، حتى ولو كان ذلك يعني أن وجهه سيمرّ على قبضات العسكر. حين أخبرها بذلك، اختنق صوتها على الجهة الأخرى من الهاتف، شعر بأنها تفقد قوتها وتجلس بعد أن كانت واقفة. دقّ قلباهما بسرعة. لم يسمع كثيراً ماذا كانت تقول له، لكنه شعر بحرارة الخوف في قلبها وفهم أن القيام بهكذا رحلة سيكون أصعب بكثير عليها هي، لا عليه هو. لم يعلم ما إذا كان يريد أن يحزن لأنه لن يراها قريباً كما كان يعتقد، أو أنه يريد أن يفرح لأنه علم في تلك اللحظة كم تحبّه.

حين أعلن قائد الطائرة أنها حطّت في المبنى الثاني لمطار دبي، تسارعت دقّات قلبه. إنها مسألة دقائق الآن. “عام ونصف، عام ونصف”، كان يردّد لنفسه فترة الانتظار. توتّر قليلا، ثم ابتسم. “سألتقي حبيبتي”، قالها في ذهنه ونظر حوله كأنه ينتظر من ركّاب الطائرة أن يصفّقوا له ويهنؤوه. هو يشاهد الكثير من الأفلام الهوليودية، أو بالأحرى هي تتهمه بذلك، لكنه في تلك اللحظات كان يشعر فعلاً كأنه في فيلم. تفقّد قميصه الذي فقد ترتيبه بعد ثلاث ساعات في الطائرة، ثم نظر إلى حقيبته التي تزن نحو 10 كيلوغرامات، وفكّر أكثر: “كيف سألتقيها بقميص معلوك يبدو كأنه خرج من فم الكلب، وبحقيبة هائلة على ظهري؟ يحتمل أن أقع عليها إن حاولت أن أضمّها وتنتهي القصّة!”. ضحك وفكّر أن هذا المشهد ليس هوليودياً كفاية، خاصة أنه لا يمتلك شعراً كافياً لكي يتطاير في الهواء في لحظة لقائهما، كما يحصل عادة في الأفلام. لكنه فكّر مجدداً، “سألتقي حبيبتي”، وابتسم.

قبّل قلادته الدائرية التي لم تفارق عنقه لسنوات، ومشى نحو حبيبة بدت كأنها هبة من الآلهة في زمن تموت فيه الأحلام مليون مرّة قبل رؤيتها تتحقق. بحث عن وجهها في كلّ وجوه العابرين. تفقّدهم وجهاً وجهاً. بحث عن شعر أشقر، للمرة الأولى في حياته. “هل سأجدها فعلاً على الطرف الأخر من المطار؟ هل ستأتي حقاً لتلتقيني؟ أم أن كل ما عشته حتى الآن كان مجرّد سراب؟ هل أنا حقاً هنا؟” للحظة كان يريد أن يضحك على نفسه، كان ينتظر أن يصطدم بأحد المسافرين ليجد نفسه يستيقظ من النوم في سريره في بيروت، لا منتظراً حبيبة في مطار دبي. كان هنالك مليون كلمة وحديث تدور في ذهنه، وصورة واحدة، صورة وجهها. لم يصدّق أنه يمكن أن يشعر بهذه الأحاسيس، اكتشف مناطق جديدة في قلبه لم يدري أنها موجودة من قبل. كان يريد أن يدخل إلى الحمامات لينظر إلى المرآة ويتأكد أنه ينظر إلى نفسه، ليتأكد أن هذه الأحاسيس كلها داخله هو، وليست فيلماً أو حلماً أو قصّة تحصل مع شخص آخر. “سألتقي بحبيبتي”، ردّد مجدداً، وتحوّل الفرح في قلبه إلى بحر.

شعر بأن الحقيبة على ظهره لا تزن شيئاً، فكل خطوة الآن تقود إليها. مشى على مهل، كأنه يريد استيعاب ما يحصل. شعر بوجودها. انتظر قليلاً أمام البوابة. استقبلته دبي بحرّها المعتاد وبجنسياتها وعابريها وفراغها. لكن هنالك روح واحدة في هذا المكان ستحفر المدينة في ذاكرته للأبد. انتظر قليلاً، وأتت. هذا هو شالها من بعيد، هذه مشيتها السريعة، هذه هي.

أراد أن تقف أمامه لساعات لكي يتأمل ملامحها جيداً، لكي يكتشف من أين يأتي كل ذلك العشق، من أين تأتي كل تلك القصص والجمال والجنون والدفء والربيع الذي يراه حين ينظر في عيناها. هذه حقاً هي. وقفا أمام بعضهما البعض للحظة، تفقّد ملامحها جيداً. نظر في عيناها للمرة الأولى ورأى حبّ ألف حياة سابقة. كأنه عشقها لألف عام في زمن لم يكتب عنه أحد. أراد أن يفتح فمه ليتحدّث، فضاعت ألف قصيدة حفظها ليقولها في لحظة كهذه. فصمت. اقتربت منه، وولدت الغمرة الأولى. شعر بدقّات قلبها تتسارع، ابتسم، ابتسمت، فعلما كل شيء. في تلك اللحظة، توقفا عن الشعور بأنهما في منفى… وجدا العالم من جديد، والعالم كان حضناً دافئاً…

9 comments

  1. عبير · نوفمبر 12, 2012

    تخلّوش الجغرافيا البليدة تبعّدكو عن بعض حتى شعرة! الإنسان بيعيش حياته كلّها مشان هيك حبّ.
    هاي مش فكرة رومانسيّة بحتة، لأ، هاي فكرة واقعيّة، لأنه بقلب هاد العالم اللي صار مليان هالقدّ حروب وكراهيّة وكذب وطمع وظلم ومسافات ميّتة، صار لازم البشريّة تتمسّك بكلّ قصّة حبّ صادقة ودافية، مشان يضلّ عنّا أمل دايما، إنه رح نقدر نرجّع العالم المجنون الحزين لطبيعته السعيدة الأولى.
    إلكو صلاة انسمعت اليوم الصبح بكّير بالفضا.. اسمعوها، وحبّوا بعض، حبّوا بعض كتير.

    • Tony Saghbiny · نوفمبر 13, 2012

      انسمعت الصلا عبّور🙂

  2. Joe H. · نوفمبر 12, 2012

    وأنا قول وين كنت هل فترة هههه تاري مغروم!

    • Tony Saghbiny · نوفمبر 13, 2012

      شايف😀 يلا قرب 12 – 12 2012😀

  3. وليم · نوفمبر 12, 2012

    الأماكن ليست بما فيها بل بمن يملؤها حبا وحنانا وشغفا.
    انت بتعرف قديش مبسوط الكن.
    ناطرينك بدبي تتعبي شوي من هالفراغ اللي عقد مطرحك. بعد في انت ومنبلش نأسس مدينتنا الخاصة متل ما خلقنا اماكننا قبل😉
    صحيح انو دبي مش بيروت بس بيروت ما عادت بيروت
    وما تنسى مين في هون كمان D:

    • Tony Saghbiny · نوفمبر 13, 2012

      يعني عم تقدّملي عرض ما فيي ارفضو😀

  4. هبة · نوفمبر 13, 2012

    جميل يا أدون في ثورتك وعشقك

  5. Elise · نوفمبر 16, 2012

    I just remember what it feels like to be reading you. Its as if i was there,feeling that exhilarating happiness and that bitter-sweet anxiousness that only strikes you when you are about to have the first bite of a chocolate fudge cake or to lay eyes on the love of your life (lives). i smiled through it but then the tears came and now i look exactly like your shirt “Ma3loukeh w tal3ah men tem el kalb” Just like when i used to read you at the office and cry but the difference is i am not sitting across the hall from you and angy anymore where you guys can throw me a smile or two and make me coffee, but in a very cold shallow place where nobody likes cats. And this makes me realize how important for me it is to keep track of your writings coz like today they were the only ray of sunshine that penetrated this ice cold office.❤

    • Tony Saghbiny · نوفمبر 16, 2012

      ِAllouse, i read your comment three times, i had so many flashbacks from our days in the office😀
      Don’t worry dear, things get better, and hey our sharmonic parternship is for life, you can’t bail out! Ana ra7 en2ol soon w mna3mel a3de kelna when i settle, w yalla tolle 3layna soon nechrab coffee

التعليقات مغلقة.