ما هو مشروع حركة الجذور – الجزء الأوّل

الأزمات الروحية، الاجتماعية الاقتصاديّة، والبيئيّة، لها جذر واحد

 *

(هذا النصّ جزء من كتيّب “الجذور: الرؤيا، الحركة، الخطّة، والخطوة الأولى، يمكن العودة إلى الفهرس على هذا الرابط)

*

طوني صغبيني

*

حين بدأنا منذ بضعة سنوات بالتفكير بما يُمكن القيام به لتغيير الوضع المزري في العالم، على الأصعدة السياسية والإجتماعية والإيكولوجية، كنا نعلم أن الوضوح في الرؤية هو الشرط الأوّل لأي عمل ناجح. لم يطل الوقت قبل أن ندرك بعد عدّة تجارب حزبية وتنظيميّة أن الوضوح الذي نبحث عنه عملة نادرة جداً في عالم اليوم، وأننا إن أردنا رؤيا شاملة وواضحة، علينا أن نوجدها بأنفسنا.

كنا نقول أنه لا بدّ أن يكون هنالك حركة ما في مكان ما، تحمل كل ما نبحث عنه وأكثر، وكنا نعتقد أن إيجاد هكذا حركة سيعطينا فرصة الشروع بالعمل الجدّي بدل تمضية سنوات طويلة لتأسيس شيء جديد.  بحثنا كثيراً وطويلاً عن حركات تعمل في الخفاء أو في العلن، ووجدنا الكثير من المحاولات الجديّة والرائعة، ولكننا لم نجد كل الأجوبة التي نبحث عنها في مكان واحد.

خلال بحثنا، وجدنا أنّ حركات اليوم عالقة في عالم الأمس، متشبّثة بذهنيّة قديمة، وطريقة عمل غير فعّالة وغير مجدية، وترتكز على القيام بأعمال رمزيّة لا تحقق أي هدف. معظم الحركات التغييرية المعاصرة، سواء كانت تاريخيّة أم جديدة، عاجزة حتى الآن عن استيعاب مرحلة الانهيارات الكبرى والسقوط البطيء الذي يجري على قدم وساق في حضارتنا الصناعية.

بعض هذه الحركات ما زال يتعامل مع الأزمة الإنسانية من منظور تقليدي وجزئي: البعض يعتقد بأنّ المشكلة هي في التوزيع غير العادل للثروات، والبعض الآخر يعتبر بأنّ المشكلة هي ثقافيّة بحتة، ويدعون للمزيد من التوعية، المزيد من التديّن، أو المزيد من الحروب الثقافيّة بكل أشكالها. بعض المجموعات لا تزال تقوم بتدوير نفس الخطاب اليساري المعادي للإمبرياليّة مراراً وتكراراً، فيما ترى مجموعات أخرى أن المشكلة إيكولوجيّة بحتة. أما المشكلة بالنسبة لما تبقّى من حركات فهي تقتصر على شكل الحكم، بعض القوانين والسياسات، أو حتّى فقط اسم الرئيس (ة)، مواقفه، دينه، ثروته، أو حتّى مظهره ولونه!

وجهات النظر هذه قد تكون مفيدة في ظروف معيّنة، ولكنّها غير كافية اليوم لفهم ما يحدث في عالمنا والتعامل معه، وبالتأكيد ليست كافية لبدء مغامرة جديدة وجدّية تستطيع حقاً رسم ملامح غد أفضل.

*

جذور المشكلة

إن نشاطنا ودراساتنا المتواضعة عبر السنوات الماضية قادتنا إلى استنتاج واحد وهو أنّ الإنسانيّة تُعاني من مأزق ثلاثي الأبعاد لكنه ذو جذر واحد مشترك. الجذر الواحد هو المنظومة الحضارية الاستعبادية التي بنيناها عبر مئات السنوات. كأيديولوجيا وكمؤسسات، السيستيم الذي يحكم الإنسانيّة اليوم، هو قمعي بطبيعته.

السيستيم العالمي الحالي يقوم على الإستغلال، الهيمنة، السلطويّة، البطريركيّة والعنف. هذا النظام يسحق الفقراء ويُهمّش الضعفاء، يقتل الكوكب وكائناته من أجل الربح، ويدفع العالم نحو هاوية سحيقة. كنتيجة لهذا السيستيم، نعيش جميعنا اليوم في سجن واحد كبير، سجن روحيّ ومادّي.

تقوم حضارة/سيستيم الهيمنة والإستغلال على مركزة واحتكار الغذاء، الحقوق، الأمن، الحريّات، الخيال والروحانيّة. هو سيستيم يحمل في جوهره رؤيا استعباديّة شاملة: رؤيا ترى بأنّه من حق الرجل الهيمنة على الأرض، الهيمنة على المرأة، الهيمنة على رجال آخرين، والهيمنة على كل المخلوقات الأخرى.

كل ما ينبثق عن هذا السيستيم يقوم على فلسفة العبد – السيد، سواء كنّا نتحدّث عن السياسة، الاقتصاد، الثقافة أو الدين.

إقتصادنا يرتكز على استعباد قلّة من الناس لحياة المليارات من البشر؛ السياسة تستند على هيمنة نخبة مغلقة على الغالبيّة، السياسة قائمة على سيادة قلّة على أكثرية، ومشكلة التمييز قائمة على فكرة تفوّق طبقة أو عرق أو جندر من البشر على آخر. علاقتنا مع الأرض والطبيعة والمخلوقات الآخرى يشوبها اعتقادنا بأننا أسياد كل شيء في الكون، وبأنه لنا الحقّ بتدمير أي شيء وتحويله إلى قطع خردة خاصة بنا. حتى أدياننا تقوم على عبودية البشر لإله بعيد في السماء ولرجال دينه ومؤسساته وكتبه وتحريماته على الأرض.

ثنائيّة السيّد – العبد هيمنت على علاقتنا مع أنفسنا، مع الآخرين، مع الطبيعة ومع المقدّس. هذه الفكرة المدمّرة متغلغلة في حياتنا لدرجة أنّنا لا نلاحظها أبداً. وهؤلاء الذين يلاحظونها، يعتقدون بأنّها تعبّر عن طبيعة سير الأمور منذ الأزل.

هذا السيستيم قوي لأسباب عديدة. أحد هذه الأسباب ثقافيّ:  فلسفة السيستيم متأصلة في وعينا لدرجة أنّنا لا نعلم بأنّها مجرّد رؤيا، نعتقد أنّها “الواقع”.

السبب الثاني هو الطريقة التي بُني بها السيستيم. في أساس بنيته، السيستيم قويّ بسبب قدرته على حرماننا من حقوقنا الثلاثة الأساسيّة كبشر: 1) الغذاء، 2) المأوى، 3) الأمان.

الحاجات الإنسانيّة الأخرى مثل السعادة، تحقيق الذات والسلام لا يُمكنها أن تكون موجودة دون هذه الحاجات الأساسيّة الثلاث.

للأسف، العديد من الحركات البديلة والمقاومة لا تُعطي هذه الحقائق الأهميّة التي تستحق، وتصل في نهاية المطاف إلى تقديم حلول تحمل ذات طبيعة المشكلة. تقترح هذه الحركات مثلاً إعادة توزيع الثروة أو السلطة السياسيّة. وإن كانت تعتبر نفسها حركة راديكاليّة، تدعو إلى نظام مركزي بديل يحتكر بدوره الغذاء والمأوى والأمن، لكن عبر ديكور مختلف. هذه حال الرؤى اليسارية كالشيوعية، والحركات الأكثر حداثة مثل زايتجايست.

بالنسبة لنا، هذه الأفكار لا يُمكنها أن تكون حلاً حقيقيّاً لأنّنا طالما نعيش في ظلّ أنظمة سلطويّة مركزيّة، سنبقى تحت رحمة السلطات المهيمنة، ولن نكون أحراراً أبداً في حقوقنا الأساسيّة. عندما نكون أحراراً في حقوقنا الأساسية، نستطيع – كبشرية – أن نأتي من مختلف الأماكن لكي نقوم بمشاريع كبرى في العلوم، الفنون، الدين، الهندسة، لكننا سنأتي إلى هذه المشاريع بملء ارادتنا، لا كعبيد وموظفين مستعبدين.

الأنظمة المركزيّة والشموليّة لا يُمكنها أن تستمر بلا سيطرة وقهر وتمييز وطبقيّة. هذه صفات جوهريّة للسيستيم؛ اللاعدالة هي مكوّن أساسي في كلّ النظم المركزيّة التي تحكمنا اليوم وليست مجرّد خلل هامشي فيها يُمكن إصلاحه.

التعليقات مغلقة.