مقدّمة، ما هو مشروع الجذور – الجزء الثاني

أزمتنا متعدّدة الأبعاد…

 *

(هذا النصّ جزء من كتيّب “الجذور: الرؤية، الحركة، الخطّة، والخطوة الأولى، يمكن العودة إلى الفهرس على هذا الرابط)

*

طوني صغبيني

*

الأزمة المثلثّة

هذا السيستيم يُمارس هيمنته، سلطته وقمعه في ثلاثة مجالات:

– المجال الروحاني – الفكري – النفسي الذي يُحكم من خلال مؤسسات عديدة، أيديولوجيّة ومالية وعنفية وإعلامية.

– المجال الاقتصادي – الاجتماعي – السياسي الذي تحكمه مجموعة كبيرة من المؤسسات، الدساتير، الأجهزة الأمنيّة والعسكرية، الأيديولوجيّات، المزيد من الأموال، والقوانين القهريّة.

– المجال الإيكولوجي المحكوم من خلال التكنولوجيا التدميرية للسيستيم التي تدمّر الحياة على الأرض بكلّ أشكالها، لتحوّلها إلى سلع استهلاكيّة مطروحة للبيع في الأسواق.

كنتيجة لهذا السيستيم، عالمنا يُعاني من أزمة عميقة ثلاثيّة الأبعاد: أزمة روحيّة، أزمة اجتماعيّة، وأزمة إيكولوجيّة. جميع هذه الأزمات تقود إلى مأزق وجوديّ غير مسبوق هو جذر كل الأزمات الحديثة.

نحن نقول بأنّ هذا النظام الاستعباديّ مثلثّ الأبعاد لأنّه يستولي على الجوانب الأكثر حميميّة وأهميّة فينا كبشر. السيستيم يُصادر ويُعطّل علاقتنا الحميمة الطبيعيّة مع أنفسنا (البُعد الداخلي)، مع الآخرين (البُعد الأفقي)، ومع الطبيعة والمقدّس (البُعد العامودي).

بالمختصر، هذا السيستيم مبني على محاصرة ومصادرة كامل أبعادنا الإنسانيّة!

هذا السيستيم يأخذ الإنسانيّة والكوكب نحو مستقبل مظلم جدّاً يتّسم بانهيار إيكولوجي وانقراض للفصائل الحيّة، أزمات اقتصاديّة – سياسيّة عميقة، وأزمة روحيّة غير مسبوقة في التاريخ. النتيجة هي دمار  المنظومة الطبيعية للأرض وقمع لحقوق الإنسان، وانحدارنا إلى مجتمعات مكتئبة ومقموعة من قبل مجموعة نخبويّة مغلقة. هذا انتحار جماعي بكل المقاييس – ليس فقط للجنس البشري – بل للحياة كما نعرفها.

لذلك، علينا أن نقاوم…

 *

لسنا وحدنا

هذه الإكتشافات تدعونا لتغيير نظرتنا للعالم بشكل جذري. هي تتيح لنا بأن نرى مشاكل العالم من خلال منظور مختلف، وبالتالي إيجاد طرق مختلفة لحلّها.

هذه الخلاصات تضع على عاتقنا مسؤوليّة العمل على نشر رؤيا جديدة، وتحويلها إلى قوّة عمل فاعلة من أجل المستقبل. هذا قد يعني بالنسبة للعديد منّا تكريس حياتنا لمهمّة بغاية الصعوبة. علينا خلق اتجاه جديد في الحياة رغم الفوضى التي تعمّ العالم، وشقّ درب مضيء في عالم يزداد قتامة يوماً بعد يوم.

لكن مهمّة البدء بعمل بهذا الحجم ليست أمراً سهلاً. عندما ننظر حولنا، نلاحظ أنّ الأزمة الوجوديّة الهائلة تلقي بظلالها على الجميع فيما عدد قليل جداً من الناس لديه القدرة على رؤية الصورة الكبيرة.

يُمكننا أن نرى ذلك بوضوح عندما نلقي نظرة على جيلنا عن قرب.

البعض غارق في المنظومة الاستهلاكية حتى أذنيه، يقضي الوقت بين أفلام السينما وإدمان الانترنت والسيارات والهواتف والملابس وجنون التسوّق وهوس التجميل والترفيه الاجتماعي الفارغ من المعنى. والبعض يتماهى بشكل كامل مع البنية الثقافية – الدينية المهيمنة؛ يلبس ويفكّر ويعمل ويتكلّم ويتزوّج وينجب ويموت بالطريقة التي يمليها عليه الحاكم ورجل الدين وزعيم القبيلة ومقدّم البرامج التلفزيونية ومدير الشركة وبطرك العائلة.

أما القلّة التي خرجت من الإطار واختارت العمل من أجل واقع مختلف، فهي موزّعة بين العالقين في أحزاب وأفكار الماضي، وبين المناضلين الفرديين “المودرن” الذين لا يطيقون العمل الجماعي المنظّم، والذين في عطشهم للتقدّم والمستقبل، فشلوا في التعلم من دروس الماضي وخسروا صلتهم مع الواقع والمجتمع من حولهم. وبين أولئك وهؤلاء، هنالك قلّة نادرة جداً من أفراد معدودين، وحيدون في غالب الأحيان، خارجين عن كل الأطر التنظيمية المعروفة، استطاعوا إيجاد أجوبة صحيحة على أزمتنا الإنسانية، لكنهم يتردّدون في الإعلان عن صحّتها ويعتقدون أنهم وحيدين تماماً في هذا العالم أو أنهم على حافة الجنون. لكنّهم ليسوا مجانين أو وحيدين. أنت لست مجنوناً أو وحيداً.

 *

أهميّة امتلاك رؤيا

الخطوة الأولى تبدأ بإدراك أهميّة مواجهة السيستيم بشجاعة وفعاليّة، عبر البحث عن طرق جديدة للحياة والعيش والتفكير. هذه المهمّة الضخمة لا يُمكنها أن تتحقّق من دون رؤيا واضحة وشاملة.

الرؤيا هي من المتطلّبات الأولى لأي حركة جديّة!

الرؤيا هي الشعلة التي تقود الحركة، والبوصلة التي تحدّد أهدافها، والشمس التي تنير دربها، وهي أيضاً خزّان الطاقة الذي يستلهم منه الأعضاء مثابرتهم وإصرارهم.

الرؤيا تُساعدنا على فهم السيستيم الذي نقاومه، وطبيعة العالم البديل الذي نريد أن نخلقه.

الرؤيا هي والدة الاستراتيجيّات، التكتيكات، الخطط والبرامج للحركة. البرامج بلا رؤى هي كسيارات بلا وقود، يُمكنها أن تمشي لبضعة أمتار مدفوعة عبر الحماس الأوّلي لأعضائها لكنّها ستتوقّف قبل أن تصل لهدفها المنشود، مع كل ما تحمله من ضياع للجهود والطاقات على طريقها.

نظرة سريعة الى العالم تُظهر أنّ الحركات الوحيدة التي تركت بصمتها على التاريخ هي التي كانت تمتلك الرؤيا. معظم الحركات الحديثة تفشل لأنّها تفتقد إلى الرؤيا؛ أغلبها تمتلك برامج، حملات، وأهداف محدودة في أحسن الأحول، ولكنّها لا تمتلك الرؤيا.

السيستيم الذي يُسيطر اليوم قويّ جداً لأنّه قائم على رؤيا قويّة. هذه الرؤيا جعلت من الجميع عبيداُ في خدمة المنظومة من دون علمهم بذلك. الرؤيا المهيمنة تقول بأنّ العالم هو ملك عدد محدود من الرجال. تقول أن المرأة هي ملك للرجل، وأن بقية الرجال ملك عدد محدود من الرجال. هي رؤية هيمنة واستعباد، لا ترى العالم سوى من خلال ذهنيّة السيّد – العبد، ولكنّها تُخفي ذلك وراء كلمات جذّابة مثل: التقدّم، السعادة والمساواة.

ما يدفع الجميع في هذا السباق الذي ندعوه بالرأسماليّة هو الثروة، السلطة والشهرة. ولتحقيق هذه الأهداف، يجب بناء العالم على جثّة الحياة بذاتها.

هذه النظرة ترى الطبيعة والإنسان كآلات لا كمخلوقات حيّة، وتجعل العالم خالياً من الروح لأنّها تكافىء أعمال الهيمنة، التدمير، الإستغلال، القمع والإستعباد. على هذه الآلات أن تعمل وتُصفّق لبرامج التلفزيون والسياسيين من لحظة ولادتها حتى موتها. الآلآت لا يُمكنها أن تكون حرّة، وهذا هو جوهر السيستيم.

هذا السيستيم، القويّ برؤيته الإستيعابيّة، لا يُمكن مقاومته من دون رؤية خاصة بنا. لكن مهمة الإتيان برؤية حقيقية هي مهمة صعبة. الشيوعيّون مثلاً كان لديهم رؤية هائلة للإنسانيّة، وقد جاءت بهم إلى السلطة في أماكن مختلفة من العالم، ولكنّهم فشلوا لأنّ رؤيتهم كانت قائمة على الأيديولوجيا بدل الواقع، وهدفهم كان نظريّاً جداً، وغير قابل للتحقيق.

” الرؤيا هي نهر متدفّق”، كتب المؤلّف دانيل كوين مرّة، ونحن بحاجة إلى نهر متدفّق بدل نقاط مياه من هنا وهناك. البرامج بلا رؤى هي كقطرات المياه الصغيرة، يُمكنها أن تسقي نبتة صغيرة ولكنّها لن تصبح أبداً نهراً. الرؤية من ناحية أخرى، هي نبع قادر منح الحياة للكثير من النتائج الجميلة.

ترتكز رؤيتنا على ما ندعوه “المبادىء السبعة” التي نوردها في الفصل التالي. رؤيتنا هي النبع الدافق، هي النهر المتدفّق، هي الشعلة في قلب حركتنا.

التعليقات مغلقة.