مقدّمة: ما هو مشروع الجذور – الجزء الثالث

لسنا وحدنا…

* * *

(هذا النصّ جزء من كتيّب “الجذور: الرؤية، الحركة، الخطّة، والخطوة الأولى، يمكن العودة إلى الفهرس على هذا الرابط)

*

طوني صغبيني

*

الخطوة الأولى: حركة الجذور

مع أخذ هذه الخلاصات بالاعتبار، وضعنا تصوّراً لما ندعوه اليوم “حركة الجذور”. “الجذور” هي نواة من أجل مستقبل أفضل، نأمل أن تنمو لتصبح غابة وحياة.

“الجذور” هي رؤيا، مقاربة ومشروع في الوقت نفسه. هي تعبّر عن نظرة جديدة للحياة والكون والإنسانيّة. كما أنّها تعبّر عن مقاربة منهجيّة للمأزق الوجودي الذي نعيشه.

نحن نؤمن بأنّ بناء بديل عملي واقعي لطرق جديدة في الحياة يسير جنباً إلى جنب مع مقاومة وتفكيك السيستيم الإستعبادي. وعلى هذا الأساس، “الجذور” هي حركة توعويّة، تحوليّة، مقاومة.

يُمكن تصوّر الحل برأينا المتواضع عبر التكامل العضوي للأبعاد الثلاثة الروحانيّة، الإيكولوجيّة والإجتماعيّة فكراً وممارسة، على الصعيدين الفردي والجماعي. أفضل طريقة للتنظيم الإجتماعي هي عبر مجتمعات محليّة مستدامة تحفظ حقوق الإنسان، الأرض والمخلوقات الأخرى، وترتكز على الإبداع، الوعي، التعاطف، الروحانيّة الحرّة، العقلانيّة، الحريّة، المسؤوليّة، الشجاعة، وروح السعادة والمرح. “البذرة” كرؤيا وحركة هي الوسيلة لتحقيق هذا الهدف.

كرؤيا جامعة، تطمح “الجذور” لإلهام عدد غير محدود من الحلقات المحليّة – البذور (التي تتألف من 10 الى 25 عضواً) التي تعمل بشكل مستقل، بوتيرتها الخاصّة، ضمن رؤية متجانسة وأهداف عليا واحدة.

على صعيد الحلقات – البذور، الإستراتيجيّة هي بناء مجموعة منظّمة من الأعضاء الملتزمين الذين يسكنون في أمكنة جغرافية متقاربة. هذه المجموعة ستكون كقبيلة صغيرة، تعمل معاً على تقوية المناعة الماليّة، الاقتصاديّة والنفسيّة لأعضائها، وعلى تحقيق أهداف التحوّل والمقاومة في محليّاتهم من خلال المساعدة المتبادلة، بناء القدرات الذاتيّة، ورش العمل، العمل الثقافي، مشاريع التحوّل المحلي (الطاقة، الغذاء، النقل، السكن، التكنولوجيا، وغيرها)، مشاريع تمويل محليّة، دُور المعرفة، ونشاطات العمل المباشر (Direct Action).

وبالتالي فإن عمل البذور المحليّة سيتركّز حول ثلاث مجالات: التوعية الثقافيّة حول جذور الأزمات وتقديم النظرة الجديدة، مقاومة السيستم وأدواته، والإنتقال والتحوّل المحلي (على الصعيد الفردي والجماعي) نحو مجتمعات مستدامة ومتناغمة.

يُمكن لكل حلقة محليّة (بذرة) أن تعدّل أسلوب عملها واستراتيجيّتها بما يُناسب حاجاتها، وكل حلقة يُمكن أن يكون لها تفضيل أو تركيز للعمل في مجال معيّن أكثر من غيره، أو يمكن أن تستخدم تكتيكات مختلفة على الأرض، طالما أنّ الفلسفة والاستراتيجيّة هي ذاتها.

النتيجة التي نطمح لها هي إنشاء مساحة آمنة للأفراد وخميرة للتغيير والمقاومة في المحليّات، سواء كنّا نتحدّث عن مدن، قرى، أو حتّى مجرّد مبنى واحد في شارع صغير. عندما تصبح هذه التجارب ظاهرة عالميّة، هذا لا يعني بأننا استطعنا خلق مجتمعات حرّة وخالية من السيستيم فحسب، ولكنه يعني أيضاً أننا استطعنا خلق قوارب نجاة حقيقيّة يُمكنها أن تكون منارات أملٍ في زمن الإنهيارات واليأس.

من أجل ضمان فعاليّة المشروع ككل، ستنبثق استراتيجية الحركة عن الحلقات نفسها من كافة أنحاء العالم اجتماع دوري كل عدّة أعوام، بهدف وضع الاستراتيجيّة، تبادل الأفكار، المشاريع، الموارد، وتنسيق الجهود في مجالات معيّنة. التنسيق الاستراتيجي للحركة ككل سيتم عبر الدائرة الأولى في الحركة التي أُطلقت من مدينة بيروت.

الهدف الأكبر هو أن نحصل على شبكة ضخمة من البذور المحليّة، تعمل بفعاليّة وتجانس على تأمين مستقبلنا، وتنقل المواجهة بيننا وبين السيستيم إلى مستوى آخر. هذه البذور ستكون أمل المستقبل، وكابوس لاولئك الذين يُديرون نظام العبوديّة المفروض علينا.

 

 *

بذور المستقبل!

من الواضح أن المنظومة التي نعيش في ظلّها تمتلك أجندة لاستعبادنا وتدميرنا وتدمير الكوكب وكل شيء جميل فيه. لذلك علينا أن نمتلك أجندتنا الخاصة لتدمير هذه المنظومة والمساعدة على رسم مستقبل نكون فيه أحراراً بكل ما في للكلمة من معنى.

نحن نتجرأ على الحلم بمستقبل فيه تناغم وإبداع ووعي وجمال وتعاطف وروحانيّة وعقلانية وحرّية ومسؤولية وكرامة وشجاعة وسعادة وفرح. وسنعمل من أجله ليل نهار.

لديهم أجندة لاستعبادنا، ولدينا أجندة لقلب عروشهم. لديهم أجندة لكسر روحنا، ولدينا أجندة لإحياء روحنا، لديهم أجندة للانتصار علينا، ولدينا أجندة للانتصار عليهم!

لم يعد لدينا مساحة للتنفّس، المنظومة تحاصرنا في لقمة عيشنا وفي علاقاتنا وأحلامنا وإنسانيّتنا، تحاصرنا في أجسادنا وداخل غرفنا وعقولنا، بالتأكيد لدينا أجندة لكسر هذه الجدران!

نحن نأتي من الزوايا المظلمة في هذا العالم وفي جعبتنا الكثير من النور والدفء والغضب والحبّ. نحن نأتي من الجامعات والمصانع والمكاتب والمنازل والشوارع المنسيّة، نحن نأتي من الأحلام المتكسّرة ومن الدموع المنهمرة في ضواحي المدن. نحن الذين نشقى اثنتي عشر ساعة في اليوم لنشتري دواءً لوالدتنا، ونحن الذين نعمل في وظيفتين لتأمين الغذاء لأطفالنا، نحن الذين هُجّرنا من أوطاننا ومن حضن أحبّائنا لكي نلاحق وظيفة نكرهها أو نهرب من طاغية يقتلنا…

نحن الذين تشكّل الوحدة لعنتنا المشتركة، لأن نعمتنا كانت التمرّد على كل العبودية التي جعلها أهلنا ديناً لهم… نحن العمّال المستَغَلّون الذين يعانون بصمت، نحن الفقراء الذين يرتجفون برداً في ليالي الشتاء، ونحن العاطلين عن العمل الذين يتضوّرون جوعاً لأن رؤوسهم مرفوعة… نحن الزوجات اللواتي يعانين على يد أقرب الناس إليهنّ، ونحن الآباء الذين يصلّون كل يوم لكي يحظى أولادهم بفرص أفضل من أهاليهم… نحن الذين نستيقظ كل صباح لنتفقّد إن كانت أحلامنا لا تزال في مكانها لأن العالم حولنا يقتل القليل منها كل يوم! نحن الذين تقاتلنا أجهزة الدولة والدين والشركة، ونحن الذين تجنّدنا أجهزة الدولة والدين والشركة لقتال إخوتنا.

نحن المتعبون والقلقون والغاضبون، نحن المنسيّون والمهمّشون، نحن أصحاب الأحلام الكبرى التي تنير أرواحنا ووجوهنا مهما كانت الظلمة حالكة… بالتأكيد لدينا أجندة!

نحن الذين فرغ صبرنا من الحصار ومن الكلام ومن العبثيّة، نحن الذين فرغ صبرنا من الاستسلام ومن المشي في نفس الدوائر إلى ما لانهاية، نحن الذين نحلم بعالم جميل ومتناغم، تداعب نسماته وجوهنا منذ الآن… سيكون لدينا أجندة، وسننتصر.

3 comments

  1. تنبيه: مشروع حركة “البذور” « نينار
  2. مهدي · يناير 12, 2013

    العيب ليس بالسيستيم لأنه إنعكاس لطبيعتنا البشريه التي لا يمكن محاربتها بل يمكن تبويب تنظيمها. إنما العيب بالرؤيا التي يمتلكها المفكرون القريبون من مركز القرار في هذا العالم.

    • Tony Saghbiny · يناير 12, 2013

      مرحبا مهدي،
      برأيي المتواضع، السيستيم ليس انعكاس لطبيعتنا البشرية، لأن هذا يعني أنه لا يمكن أن تكون المجتمعات البشرية سوى بهذا الشكل والتاريخ يثبت عكس هذه الفرضية لأن المجتمعات البشرية وجدت لمئات آلاف السنين بتناغم مع نفسها والأرض. هذا السيستيم هو انعكاس لجملة كبيرة من القرارات التي بدأت بعض المجموعات البشرية باتخذاها من الثورة الزراعية وفرضتها على الآخرين بالقوّة.
      سلامي لك

التعليقات مغلقة.