الطبيعة المثلّثة لحركة الجذور – البعد الروحي

لا تقاس بالدولارات

الروحانيّة  تنبع من طبيعة علاقتنا مع العالم

* * *

 (هذا النصّ جزء من كتيّب “الجذور: الرؤية، الحركة، الخطّة، والخطوة الأولى، يمكن العودة إلى الفهرس على هذا الرابط) (يمكن تكبير الخط عبر الضغط على cntrl +)

 *

طوني صغبيني

*

الجذور هي حركة مثلّثة الأبعاد، ذات جذور روحيّة، إيكولوجيّة وإجتماعيّة. نحن نؤمن بأنّ فهم الترابط بين هذه الأبعاد الثلاث هو ضروري لفتح الباب أمام طريقة جديدة ومتناغمة في الحياة.

السيستيم الذي يُهيمن على حياتنا ومستقبلنا هو متعدّد الأبعاد، وبالتالي لا يُمكننا مواجهته سوى بفلسفة متعدّدة الأبعاد.

العديد من حركات اليوم غير قادرة على إحداث تغيير كبير وحقيقي لأنّها حركات ذات بعد واحد، فهي إمّا روحيّة بحتة وليس لديها أي اهتمام آخر (كتغيير الظروف الحقيقيّة لحياة الإنسان)، أو إجتماعيّة/  سياسيّة بحت بحيث تعتبر الإيكولوجيا والروحانيّة ثانويّة وغير مهمّة، أو إنّها حركات إيكولوجيّة بحتة، لا تفهم السياسة أو ديناميكيّات التغيير الإجتماعي.

نحن في عصر حيث الأزمة الأساسيّة لا يُمكن حلّها بمطالب جزئيّة مثل العدالة الإجتماعيّة أو المسؤوليّة البيئيّة فحسب؛ الرؤيا المسيطرة للنظام العالمي تدمّرنا وتدمّر الكوكب، ونحن بحاجة لنهضة جذريّة، لنقلة نوعيّة تمهّد الطريق لأساليب جديدة في التفكير، العيش، الحياة والوجود في هذا العالم. هذه المهمّة الضخمة لا تكتمل إذا اقتصر عملنا على المجال الإجتماعي وحده، أو الإيكولوجي، أو الروحي. نهضة كهذه لا يمكن تحقيقها إلاّ عبر العمل على كافة الأبعاد الرئيسيّة للوجود الإنساني.

 

 *

البُعُد الروحي للجذور

الكثيرون قد يسألون، لماذا الروحانيّة هي بُعُد أساسي في حركة الجذور؟

الجواب هو معقّد وبسيط في الوقت نفسه. ميزتنا كبشر هي قدرتنا المتقدمة على إدراك الذات – أي أن ندرك أنّنا موجودين كأشخاص، كأفراد – وقدرتنا على إدراك ومنح معنى للعالم الخارجي حولنا. بعبارة أخرى، ما يجعلنا بشراً هو قدرتنا على أن نكون يقظين، أن ندرك شيئاً ميتافيزيقياً (يتجاوز المادة)، أي الذات، والقدرة على إدراك ما هو خارج ذاتنا في المكان والزمان (إدراك الأشياء الأخرى، إدراك الزمان كالماضي والحاضر والمستقبل). وبالتالي ما يجعلنا بشراً هو قدرتنا على الوعي التجاوزي، على إنشاء علاقة مع أنفسنا، العالم والآخرين، تتجاوز العلاقة البيولوجية المباشرة. القدرة على إدراك الذات وإدراك ما يتجاوز الذات هي اللبنة الأساسيّة في الروحانيّة، ولا يُمكن أن نكون بشراً من دونها.

الروحانيّة إذاً هي مسألة تنبع من طبيعة علاقتنا مع العالم، مع الآخرين، مع الطبيعة والمقدّس، وكيفية اختبارنا وتأويلنا لهذه الأبعاد. العلوم تخبرنا كيف يعمل العالم، أما الروحانيّة فهي تعلّمنا أي علاقات وتجارب يمكن أن ننسجها معه ومع كل شيء فيه، وأي معنى يمكن أن نجد في تلك الروابط والتجارب. الإثنان، العلوم والروحانيّة، يتكاملان: اختبار العالم كمكان مقدّس لامتناهٍ وحيّ، لا يتعارض أبداً مع معرفة كيف يعمل.

كيفية رؤيتنا واختبارنا لعلاقتنا مع ذاتنا وما يتجاوزها يحدّد إلى حدّ كبير كيف نتصرّف وكيف نعيش في هذا العالم، وكيف نرى دورنا فيه. لكل هذه الأسباب، الروحانيّة مهمّة جداً.

نظرتنا إلى العالم تُحدّد دورنا فيه: هل نحن حرّاس وأمناء على الأرض، أم أسيادها ومستغلّيها؟ هل نحن حماة للمخلوقات الأخرى أم أعداؤها؟ هل نحن إخوة وأخوات في الإنسانية أم أسياد على بعضنا البعض؟ هل لدينا الحق في غزو بعضنا البعض؟ هل لدينا الحق في السيطرة على الأرض، قتل مخلوقاتها، تلويث مياهها وإزالة جبالها؟ هل نعيش وفقاً لقوانين الطبيعة التي تحكم جميع الكائنات الحيّة أم أنّنا فوق هذه القوانين؟ هل دورنا هو تعزيز التوازن الطبيعي أم التحوّل إلى اللاعب الوحيد في الطبيعة؟ هل نريد أن نلعب دوراً إيجابياً في التوازن الطبيعي والكوني أم أنّ دورنا سيكون سلبيّاً هدّاماً؟

هذه الأسئلة تتطلب إجابات شجاعة، تُحدّد مكاننا ودورنا في شجرة الحياة، وهي أسئلة وأجوبة روحيّة بجوهرها.

الإجابات عن هذه الأسئلة مهمة جداً لأنها ذات تأثير مباشر على العالم وعلى الأفراد، لديها القدرة على التحطيم أو الجمع، على تدمير الأفراد والمجتمعات أو ربطها ببعضها بعضاً. لديها القدرة على شفاء المجتمعات والتوفيق بين الإنسان والعالم من حوله أو إنشاء الجروح والأحزان. لديها القدرة على إغلاق أو فتح أبواب عظيمة للإنسانيّة.

للروحانيّة مهمّة أخرى شديدة الأهمّية أيضاً، وهي صقل قدراتنا الإدراكيّة ووعينا العام ككائنات إنسانيّة. مهمّة الممارسات الروحيّة في هذا الصدد كبيرة وأساسيّة: هي أحد سُبُل تحرّرنا من البرمجة الإجتماعيّة – الثقافيّة والبيولوجيّة الآليّة وفتح أبواب الحريّة الحقيقيّة أمامنا. الممارسات الروحيّة مثل التأمّل، السكون، الصلاة والطقوس تعلّمنا كيف نُصبح أكثر وعياً ويقظة، كيف ننفتح أكثر على الأكوان الأخرى الداخليّة والخارجيّة، وكيف نختبر المقدّس الذي يكمن داخلنا وخارجنا، بدل الاستمرار في العيش بردّة الفعل طوال حياتنا أو البقاء كمتفرّجين على فيلم حياتنا الخاصة.

تُساعدنا الروحانيّة على رفع الوعي واليقظة فينا، على أن نطوّر إرادة حرّة حقيقيّة، وعلى أن نكون أقل آليّة وأكثر إنسانيّة.

لكلّ هذه الأسباب، الروحانيّة مهمّة: هي تعطينا إنسانيّتنا، وتحدّد علاقتنا مع أنفسنا، الآخرين، الطبيعة، والمقدّس، وتساعدنا على أن نكون أكثر وعياً ويقظة، وتساعد على الإجابة على الأسئلة حول الهدف من حياتنا وطريقة عيشنا، وتحدّد بالتالي دورنا في هذا العالم وموقعنا في خارطة السلسلة العظيمة للوجود. الروحانيّة هي فعلاً في صلب حركتنا.

 *

كيف يُترجم ذلك في الممارسة؟

ما ورد في الفقرة الأخيرة يُمكن ترجمته في أشكال مختلفة على الصعيد العمليّ.  ما سنذكره في الأسطر التالية ليس سوى عدد قليل من التطبيقات والممارسات التي تشجّعها الحركة والمستوحاة من اتجاهنا الروحي:

وحدة الوجود: إدراك وحدة وعظمة وجمال الكون والأرض، والترابط والتكامل بين جميع المخلوقات وأشكال الحياة هو عمليّة تحرّر وشفاء للروح الإنسانيّة. إدراك قدسيّة الحياة بكل أشكالها وكائناتها، وبأنّ كل فرد وكائن حيّ هو جزء من المقدّس، له تأثير هائل على طريقة عيشنا كأفراد ومجتمعات. رؤية العالم ومخلوقاته على أنه واحد، مترابط، حيّ ومقدّس يفرض علينا سلوكاً عمليّاً وأخلاقيّاً معيّناً تجاه أنفسنا، الآخرين، الطبيعة، والكائنات الأخرى.

– الوعي واستكشاف الذات: نحن كبشر نتحدّث كثيراً عن أنفسنا على أننا مخلوقات واعية ويقظة، ولكن في الواقع، نحن نادراً ما نكون يقظين. البشر لديهم لحظات متقطّعة وقصيرة من الوعي واليقظة؛ حياة أغلب الناس، لمعظم الوقت، قائمة على تنفيذ وظائف تلقائيّة بطريقة أوتوماتيكية، وعيش حياتهم نائمين. معظم حياتنا تقوم على العيش في ردّة الفعل والاستجابة كل الوقت للمؤثّرات الخارجيّة بدلاً عن إرادتنا الخاصّة (الاستجابة للأعراف الإجتماعيّة، رجال الدين، السياسيين، الإعلانات التلفزيونيّة، الثقافة السائدة…ألخ). نحن نعيش معظم حياتنا وفقاً لبرمجتنا الاجتماعية لا وفقاً لإرادتنا الحرّة. إذا كانت برمجتنا الاجتماعيّة تقول بأنّه علينا تصديق مذيع الأخبار، نصدّقه. وإذا قالت برمجتنا الاجتماعيّة بأنّه علينا أثناء القيادة أن نصرخ على سائق آخر، سنقوم بذلك، تماماً مثل الآلات التي تعمل وفقاً لبرنامج معلوماتيّ. مهمّة الممارسات الروحيّة في هذا الإطار هو تعليمنا كيف نكون أكثر وعياً ويقظة، تعليمنا كيف ننفتح على أنفسنا، على عالمنا الداخلي، الحياة، الطبيعة، المقدّس، والآخرين. إنّها تعلّمنا كيف يكون لدينا إرادة حقيقيّة، وتعلّمنا كيف نكون أقل آليّة وأكثر إنسانيّة في الحياة.

– التناغم والاختبار المباشر للبُعُد المقدّس: يمكن للروحانية أن تكون قوّة هائلة لتحقيق الانسجام مع الذات، مع الآخرين، مع الطبيعة، والمقدّس. يمكن أن تعلّمنا أن نعرف أنفسنا أكثر (وأن نفهم بالتالي الآخرين والعالم بشكل أفضل)، وبالتالي تساعدنا على حل صراعاتنا الداخلية وتضميد جراحنا، وجعل سلوكنا أكثر تسامحاً وقبولاً وانفتاحاً. تستطيع أن تعلّمنا كيفية الاستماع إلى الطبيعة والعيش وفقاً لقوانينها. تستطيع تعليمنا كيفية العثور على المقدّس داخلنا، وفي كل ما يُحيط بنا، حتى ولو كان لكل واحد منّا تعريفه الخاص لماهيّة المقدّس.

التسامح: نحن في حاجة عميقة إلى نموذج متسامح من الروحانية التي تحتفل بالتنوع وتشجع التناغم والتفاهم. التسامح الحقيقي يأتي من إدراك وحدة الوجود، ويمكن تعزيزه عبر الممارسات الروحيّة المرتكزة على التجربة المباشرة بدلاً من العقائد المتصلّبة، ومن خلال تعميق الفهم الفكري عبر دراسة مقارنة للأديان والمعتقدات الروحيّة على سبيل المثال لا الحصر.

– الأساس الروحي لدور جديد للإنسانيّة: من خلال فهم وحدة الوجود، والقدرة على العيش اليقظ والواعي التي يتحلّى بها البشر، نستطيع أن نفهم بشكل أفضل دورنا في شجرة الحياة، والذي هو حماية وتعزيز التوازن الطبيعي. نحن نؤمن بأنّ للإنسان دوراً إيجابياً في عمليّة الخلق المستمرّ للتوازن الطبيعي بدل استغلاله وتدميره.

5 comments

  1. تنبيه: مشروع حركة “البذور” « نينار
  2. غير معروف · ديسمبر 26, 2012

    انا معكم انا معك وانتظر جديدك

    • Tony Saghbiny · ديسمبر 27, 2012

      مرحبا صديقي، يلا رح نستأنف السلسلة خلال أسبوع تقريباً
      سلامي

  3. مهدي · يناير 12, 2013

    المقاله عباره عن عنوان جيد وإستفسارات جميله دون ذكر أي آليه لذلك.
    الوعي الأنساني هو ما يسبب كل شئ وإمتداده الأحتقان النفسي هو المؤثر السلبي فينا نحن البشر. وآثاره البسيطه هي الحروب والإقتتال والمعقده هي الكوارث. والنهج اللازم لتفادي الأضرار جميعاً يقتضي سياسات وقرارات لدول عظمى تكون مهمتها الأساسيه في الوقت الراهن هو ذلك وبقناعه تامه.

    • Tony Saghbiny · يناير 12, 2013

      مرحبا مهدي،
      لم افهم تعليقك بشكل كامل صديقي، المقال برأيك لم يذكر آلية لأي أمر تحديداً؟ والوعي الإنساني يسبب ماذا، وما هو دور قرارات الدول العظمى في الموضوع؟
      سلامي

التعليقات مغلقة.