...

لماذا يجب تجاوز اليسار

...

*

طوني صغبيني

*

السقوط البطيء للرأسماليّة الصناعيّة الذي يجري اليوم على قدم وساق يغيّر كل المعادلات الاقتصاديّة والسياسية ويرمي العديد من الإجابات الأيدولوجيّة الجاهزة التي كنّا نملكها في السابق في مهبّ الريح. طبيعة الأزمة الوجوديّة التي يعيشها عالمنا تتطلّب أسئلة وإجابات لم نألفها سابقاً. رغم ذلك، معظم حركاتنا السياسيّة وفلاسفتنا وسياسيّونا ومثقّفونا لا يزالون يكرّرون على مسامعنا الأجوبة نفسها التي لم تعد تفيدنا بشيء، ويعيدون تدوير نفس طرق التفكير التي أدّت إلى هذه الأزمات من الأساس. ولعلّ أبرز هذه الإجابات المكرّرة هي اليوم “الإجابة اليساريّة”.

صحيح أن اليسار هو تيّار فلسفي وسياسي متنوّع جداً، لكنّه، باستثناء بعض التيارات الأنركيّة والإيكولوجيّة المحدودة، يشترك بكافة أطيافه بالتركيز على محورين أساسيّن هما الدولة والعدالة في توزيع الثروات، ولا يزال حتى اليوم على المنوال نفسه رغم أن طبيعة أزمتنا المعاصرة تتخطّى هاتين المسألتين بأشواط هائلة.

 *

طبيعة الأزمة

المشكلة الأولى في الإجابة اليساريّة هي أنها تفشل في تشخيص الأزمة وجذورها؛ بالنسبة لليسار الأزمة هي ببساطة أزمة توزيع ثروات وسلطة بين الطبقات الحاكمة والطبقات المهمّشة، إلا أن الواقع هو أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.

المعضلة الوجوديّة التي نعيشها في وقتنا الحالي ناتجة عن طبيعة حضارتنا الرأسماليّة الصناعيّة نفسها، لا عن شكل أو لون السلطات فيها ولا تقتصر على مشكلة في توزيع الثروات. السيستيم الذي نعيش جميعاً في ظلّه ونشارك كلّنا في صناعته بطريقة أو بأخرى هو سيستيم استعبادي يرتكز على السعي خلف الربح والسلطة على حساب الحياة والعافية البشرية والإيكولوجيّة. هذا السيستيم نعيشه على المستوى الفردي كنمط حياة كامل: هنالك أجهزة ومؤسسات تحتكر أساسيّات الحياة وخاصة الغذاء والمسكن والأمان، وبالتالي يجب علينا أن نضع عقولنا وأجسادنا وكل حياتنا وكل ما فينا تحت تصرّف أشخاص آخرين (العمل) مقابل حفنة من الأوراق تتيح لنا الحصول على أساسيّات الحياة. هذه قصّته باختصار. السيستيم مركّب بطريقة تجعل من شبه المستحيل على أيّ فرد الهرب من هذه الدوّامة.

ما يحرّك هذا السيستيم في العمق ليس هدفاً مادياً فحسب، بل هو رؤية أيدولوجية شاملة تعتبر أن كل الحياة على الأرض مسخّرة لخدمة الإنسان، أو بالأحرى مسخّرة لخدمة لمجموعة محدودة جداً من البشر المتربّعين على قمّة الهرم. هذا السيستيم الشامل هو موزاييك من الأفكار والمؤسسات السياسية والعسكرية والمالية والأيدولوجية والدينية والإعلامية، والسلطات السياسيّة لا تشكّل بالتالي سوى جزءاً واحداً من أجزاء كثيرة تغذّي بعضها بعضاً.

الأزمات التي تلقي بظلالها علينا هي بدورها ليست نابعة مباشرة السلطات السياسية، بل لها جذور إيكولوجيّة (حضارتنا قائمة حرفياً على تحويل الحياة إلى موت من أجل القليل من الدولارات)، وجيولوجيّة فيزيائيّة (الطاقة التي أتاحت بناء حضارتنا الصناعيّة تتقلّص ببطىء)، وروحيّة (هنالك أزمة في نظرتنا للعالم ولأنفسنا)، واقتصاديّة (النظام الاقتصادي الذي يحكمنا مجنون بكل ما للكلمة من معنى). الأزمات السياسيّة في معظمها هي نتائج لتلك الجذور لا العكس.

الأزمة إذاً عميقة وتتجاوز النظريات التقليديّة في الاقتصاد والسياسة؛ نحن نعيش عصر نهاية النموّ، نهاية حقبة كاملة من التاريخ البشري وانحدار حضارة بأكملها على وقع الأزمات الطاقويّة والإيكولوجيّة والاقتصاديّة. لكن للأسف، الإجابة اليسارية لم تستوعب بعد عصر الانهيار الإيكولوجي والسقوط الحضاري الشامل بل لا تزال في القرنين التاسع عشر والعشرين حينما كان الجدل يدور حول توزيع الثروات وشكل الحكم. التركيز اليساري لا يزال دائراً حول السلطات والتقديمات الاجتماعية وحقوق المهاجرين والأقليّات ووضع الجامعات والتعليم والخدمات الصحّية والطبقة السياسيّة وما شابه ذلك من قضايا يوميّة، في ظلّ إهمال شبه كامل لجذور الأزمة الإيكولوجية، الطاقويّة، الاقتصاديّة والروحيّة. الإجابة اليسارية التي كان من المفترض أن تكون إحدى أكثر الإجابات شموليّة ومنهجيّة حول أزماتنا الإنسانيّة تتخبّط اليوم في قضايا سياسيّة واجتماعيّة جزئية بدل مواجهة السيستيم ككل.

بالنسبة لمعظم القوى اليساريّة، كل الأزمات يمكن حلّها حين تصل الطليعة العمّالية إلى الحكم لتعيد توزيع الثروات وتقضي على الرأسماليّة. وهنا لبّ المشكلة في اليسار: الأزمات التي نتحدّث عنها لا يوجد لها حلول يمكن أن تتيح استمرار نفس نمط الحياة كأن شيئاً لم يكن، سواء كانت الطبقة الحاكمة هي من العمّال أم من غيرهم. لن نستيقظ غداً لنجد أن الآبار النفطية امتلأت بأعجوبة، ولن نستيقظ لنجد أن كل السهول والغابات والأنظمة الإيكولوجيّة التي حوّلناها إلى موت وصحارى عادت إلى مكانها، ولن نستيقظ لنرى بلداننا تنتج ما يكفي من الغذاء لجميع المواطنين، نحن نعيش في زمن انهيار الامبراطوريّة، ولسنا الحضارة الأولى في التاريخ التي تنهار بهذا الشكل. الرأسماليّة الصناعيّة لن تستمرّ طويلاً، لكن اليسار لا يزال يتعاطى معها كأنها ستبقى قائمة إلى الأبد.

 *

البديل المركزي لا يحلّ المشكلة

المشكلة الثانية في الإجابة اليسارية اليوم هي أنها لا تزال تقترح النوع نفسه من الحلول المركزيّة التي أثبتت أنها لا تجدي نفعاً. الدولة تشكّل العامود الفقري لمعظم الفلسفات السياسيّة اليساريّة من أقصى الماركسيّة وصولاً لليسار الليبرالي. معظم الأسئلة والأجوبة اليساريّة لا تزال تتمحور حول “ما هي أفضل طريقة للحكم؟”، “كيف نتخلص من الطبقة الحاكمة”، “ما هو دور الدولة تجاه المواطنين وما هي حقوق المواطنين تجاه الدولة؟”، “أي طبقة يحق لها حكم الدولة؟”، “ما هو دور الدولة في تنظيم الاقتصاد وتوزيع الثروات؟”…ألخ. لهذا السبب، معظم الطروحات اليسارية مرتبطة بالدولة بطريقة أو بأخرى، أو على الأقل بأنظمة مركزيّة جماهيريّة شبيهة بها، ونادراً ما يتمّ التشكيك بوجود الدولة والأنظمة المركزية التي تحتكر الغذاء والمسكن والأمن والدواء والروحانيّة والمعرفة…ألخ.

ما تقترحه “الإجابة اليسارية” هو نسخة مختلفة عن الأمر نفسه: نظام مركزي فيه سلطات “حمراء” تحتكر انتاج وتوزيع الغذاء والمسكن والحقوق والأمان. هي تقترح نظام يبقى فيه الإنسان مضطراً للعمل من أجل الحصول على احتياجاته الأساسية، ونظام يتمحور حول وجود سلطة مركزيّة قهريّة تنظّم حياة الأفراد. لكن التاريخ يقول أنه لا يمكن وجود نظام مركزي واسع من دون أجهزة ردعيّة؛ ولا يمكن وجود نظام مركزي واسع من دون تراتبيّة سياسيّة واقتصاديّة ومعنويّة تضع أناساً فوق أناس آخرين. الاختلاف الوحيد بين النموذج اليساري التقليدي هو في أسلوب توزيع الثروة وظروف العمل، لا في جوهر السيستيم أو طبيعة الحياة.

الفلسفة الجوهرية التي تقوم على إخضاع الكوكب والإنسان هي ذاتها على اليمين واليسار: الهدف بالنسبة للإثنين هو إنتاج الثروة المادّية إلى ما لانهاية وتحقيق الرفاه المادّي للإنسان على حساب الحياة وعلى حساب الجوهر الإنساني نفسه. اليمين يؤمن بتوزيع الثروة عبر السوق الحرّ، واليسار يؤمن بتوزيع الثروة عبر الدولة أو عبر تعاونيّات العمّال. اليسار من هذه الناحية لا يسائل أو يعترض للحظة على هدف النموّ الاقتصادي الذي يأكل الكوكب وروح الإنسان، ولو كانت بعض الحركات تدعو لأن يكون النموّ أكثر إنسانيّة وبيئية (وهو أمر غير ممكن).

 *

السلطات لن تحلّ المشكلة

المشكلة الثالثة في الإجابة اليساريّة اليوم تكمن في تركيزها الشديد على السلطات السياسيّة في زمن لم تعد السلطات السياسيّة فيه صاحبة القرار. محوريّة الدولة في الفكر اليساري أنتجت مع الوقت نمطاً معيّنا في التفكير السياسي يتمثّل في إلقاء اللوم في أي أزمة، مهما كانت طبيعتها، على الدولة أو الطبقة الحاكمة من جهة، والتطلّع إلى الدولة والطبقة الحاكمة على أنهما مصدر الحقوق والحلول لكلّ الأزمات من جهة أخرى.

معظم اليسار في العالم ينظّم عمله على أساس مطالبة السلطات بفعل ما، سواء كان هذا الفعل قانون أو سياسة أو قرار معيّن. عمل معظم الناشطين اليساريين، حتى أولئك الذين يعتبرون أنفسهم خارجين عن الأطر، يتمحور حول الاحتجاج أمام السلطات والضغط عليها وتوجيه المطالب إلى مؤسساتها، أي التعامل مع السلطات على أنها مصدر الحقوق والحلول.

اليسار هو أحد أكثر التيارات المؤهلّة لإدراك واقع أن السلطة الحقيقيّة لم تعد في يد الحكومات بل هي في يد الشركات والمؤسسات الماليّة والدينية، وأن الاحتجاج أمام الحكومات والضغط عليها ومطالبتها بأي شيء هو مثل مطالبة بائع البوظة في الشارع بتقديم طبخة تقليديّة تطعم مئة شخص. رغم ذلك، تصرّ معظم تيّارات اليسار على توسّل المطالب من الحكومات فيما تترك الشركات العالميّة والمؤسسات المالية والأجهزة التي تمتلك السلطة الحقّة بالاستمرار بتدمير الكوكب والإنسان. وهنا يقع اليسار في تناقض، فهو يعيش جنباً إلى جنب مع الشركات الكبرى التي تحتكر الغذاء والخدمات والحقوق فيما يوجّه غضبه على جسم ميّت هو الحكومة.

من ناحية أخرى، يفوت الحركات اليساريّة أن سلطات العالم مجتمعة غير قادرة على حلّ الأزمات التي نتحدّث عنها. يجب بدأ العمل على مواجهة أزماتنا بأنفسنا بشكل مباشر بدل تضييع الوقت بمطالبة الحكومات والشركات بتنظيف الفوضى التي خلقوها بأنفسهم. طيبعة الأزمات الموجودة لا يمكن حلّها عبر حكومات تحكمها مصالح انتخابيّة تتبدّل كل أربع سنوات، هذا مع العلم أن الغالبية الساحقة من الحكومات والسياسيين والأحزاب حول العالم يجهلون طبيعة المشكلة من الأساس وفات الأوان لهم لاستيعابها.

المشكلة الأكبر في هذه الحالة، أن تركيز القوى اليساريّة على الدولة كضمانة ومصدر الحقوق يعيقها عن إدراك أهميّة الشروع في بناء مجتمعات صحّية تكون هي الضمانة لكلّ الحقوق. السقوط البطيء للرأسماليّة الصناعيّة يؤدي حالياً إلى التداعي التدريجي للمؤسسات التي كانت تضمن في الماضي القليل من حقوق الإنسان، كالإعلام والقوانين والرأي العام وما شابه ذلك. من هنا تتعاظم أهميّة بناء مجتمعات تمتلك مناعة كافية تنقذها من الإنزلاق إلى عصور مظلمة حين تنقطع الكهرباء. في ظلّ انهيار المؤسسات التقليديّة، سيعود الناس إلى كنف المؤسسات “الطبيعيّة” مثل العائلات والعشائر والطوائف الدينيّة والأصوليّات، مثلما يحصل منذ الآن في بلدان عديدة، وهذه القوى هذ منذ الآن تعمل على إعادة تشكيل المجتمع على صورتها فيما القوى التقدّمية والمدنيّة غارقة في معارك سياسيّة جانبيّة. القوى المتنوّرة في معظم أنحاء العالم، ومنها قوى اليسار، تخسر المعركة منذ الآن لمصلحة القوى التقليدية التي تعمل على قدم وساق في قلب المجتمع (مثال: عمليّة الأسلمة)، هذا مع العلم أن القوى التقليديّة متفوّقة علينا أساساً لأنها مؤهلّة بشكل فطري للتعامل مع العالم الآتي من دون كهرباء وانترنت.

 *

لا يمكن الحؤول دون انهيار الرأسمالية الصناعية

المشكلة الأخيرة والأهمّ في رأينا التي تعاني منها الإجابة اليساريّة هي جهلها التام بأن الرأسماليّة الصناعيّة دخلت في مرحلة السقوط البطيء منذ عدّة عقود على وقع انكماش الطاقة التي أتاحت لها أن تتوسّع في الأساس. وهذا الجهل يترافق مع جهل تام آخر بما يعنيه السقوط البطيء للرأسماليّة الصناعيّة. رغم أن اليسار يتحدّث كثيراً عن انهيار الرأسمالية الصناعيّة إلا أن معظم تيّاراته لا تدرك أن هذا الانهيار ليس مجرّد سقوط نظام سياسي بل هو انهيار لأسلوب الحياة الذي نعيشه حالياً. الأزمات التي نتحدّث عنها تعني أنه لا يوجد أي خيار سياسي قادر على عكس مسار السقوط البطيء للحضارة. صحيح أنه هنالك سلطات وأشكال من الحكم قادرة على التعامل مع الأزمة بشكل أفضل من نظيراتها، لكن لا يوجد أي سلطة أو أي خيار سياسي في العالم قادر على تحدّي قوانين الطبيعة وإعادة عقارب الساعة للوراء.

الرأسمالية الصناعية دخلت في مرحلة الانكماش والتقلّص. صحيح أننا لا نستطيع التنبّؤ بشكل المستقبل لكننا نستطيع أن نقول بثقة أنه سيشبه الماضي أكثر. حضارتنا تتحوّل يوماً بعد يوم إلى ما يشبه أفلام الخيال العلمي التي نرى فيها مدن مسيّجة لا تزال تتمتّع بالتكنولوجيا والكهرباء تنتشر حولها مجتمعات زراعية تعيش في القرون الوسطى. هذه الصورة نراها منذ الآن في البرازيل والصين والولايات المتحدة وأوروبا وأفريقيا وحتى في لبنان حيث تتمتّع العاصمة بالكهرباء فيما تغرق بقيّة المناطق في الظلمة.

الأمور لن تعود أبداً إلى سابق عهدها وتضييع الوقت في مطالبة السلطات بتحسين مستوى المعيشة وتقديم خدمات أفضل للفئات الضعيفة لن يكون له من نتيجة سوى إضعاف مناعة هذه الفئات على التعامل مع الواقع حين تتوقّف الآلات عن العمل وتعجز الدولة عن الاستمرار بتقديم الخدمات. حصول العمّال على المزيد من الحقوق هو بالتأكيد أمر جيّد، وإعادة تنشيط النقابات وما شابه هو أيضاً جيّد، لكن كل المكاسب التي سيربحها العمّال في الوقت الحالي ستكون مؤقتة لأن الرأسماليّة الصناعية بأكملها تتراجع. المصنع الذي قد ينجح فيه العمّال بالحصول على حقوق أفضل اليوم قد لا يكون موجوداً بعد عشر سنوات؛ وبالتالي إن صرف المجهود على تحسين وضع العمّال بدل صرفه على بناء البديل الحياتي الشامل لهم هو مثل المطالبة بالحصول على راديو ومكيّف هوائي في سيّارة متجّهة إلى الهاوية.

صحيح أن الصراعات العمّالية والسياسيّة ستتضاعف خلال الفترة المقبلة وستبدو أكثر أهميّة من أي وقت مضى؛ لكن الانخراط فيها لن يغيّر من مجريات الأمور في معظم الأحيان. نحن مقبلون على حفلة جنون مطوّلة للجنس البشري سنرى فيها القوى السياسية تلوم بعضها بعضاً على تردّي الأوضاع، الدول الكبرى والصغرى ستخوض المزيد من الحروب على الموارد من أجل الحفاظ على مستوى معيشة شعوبها، الشركات ستدوس أكثر على حقوق الإنسان للمحافظة على هامش ربح يتقلّص باستمرار، والكثير من الزعماء سيعدون شعوبهم بالخلاص على حساب التخلّص من سلطة ما أو من فئة مشاغبة في المجتمع (كالأجانب، الملوّنين، أقليّة دينية أو فكريّة ما…ألخ). نحن في العالم العربي نعيش في ظلّ حفلة الجنون هذه منذ الآن، لكن قليلون جدّاً منّا يستطيعون التوقّف للحظة للتفكير بالصورة الكبرى. مجرى بعض هذه الصراعات قد يؤثّر على مستقبلنا، لكن الطريق من هنا لا تمرّ عبر الانخراط العشوائي والمرهق في كل هذه الصراعات الجانبيّة، بل يجب التوجّه لمعالجة جذر المشكلة وبناء مجتمعات وحركات اجتماعيّة-سياسيّة-بيئية-روحيّة شاملة تستطيع أن تكون حركة مقاومة صلبة وصمّام أمان للمستقبل في الوقت نفسه.

 *

هدم السجن بدل المطالبة بحقوق للسجناء

السيستيم الذي نعيش في ظلّه هو سجن كبير بكل ما للكلمة من معنى؛ جميعنا جزء منه بدرجات متفاوتة، وهو مقبل على عواصف كثيرة ستترك معظم الحركات السياسية مرتبكة وعاجزة. مشكلة الإجابة اليسارية في ظلّ كل هذه التغيّرات أنها تطالب بتحسين ظروف السجن بدل المطالبة بهدمه وهي عاجزة عن رؤية الغيوم التي تتجمّع فوق سمائه. القوى اليساريّة تطالب بأن يسمح لنا السجّان بالعمل لساعات أقلّ والخروج إلى الباحة لوقت أطول في النهار، أو تطالب في أقصى الأحوال بأن يتولّى السجناء أنفسهم إدارة سجنهم، لكنها لا تتوقّف لحظة لتشكّك بهذا السجن الكبير من أساسه ولا تستطيع تخيّل الحياة خارجه، فالسجن بالنسبة لها ليس سجناً، بل هو الواقع الذي لا يمكن تخيّل بديل عنه. لكن البدائل موجودة دائماً… ولإيجادها، علينا أن نتجاوز أمور كثيرة، وأوّلها اليسار.

9 comments

  1. قنديل · يناير 7, 2013

    سؤالين من فضلك.. ماذا تعني بـ “الحركة الروحية” ؟؟
    الثاني: هل فعلت شيئًا لتخرج من هذا السجن الكبير، وما هو؟؟
    “نولد أحرار.. ولكننا رغم هذا نظل في الأغلال طول عمرنا” روسو
    تقبل مروري صديقي.. ت

    • Tony Saghbiny · يناير 8, 2013

      مرحبا قنديل،
      كل حركة تحمل في طيّاتها نظرة معيّنة حول دورنا في العالم كبشر وعلاقتنا بالأرض وببعضنا البعض وبالسماء هي حركة روحيّة ولو لم تستعمل هذه التسمية. وهذا ما أعنيه حين اكتب عن أهمية الجانب الروحي، لأنه يحدّد نظرتنا لأنفسنا والعالم وعلاقتنا معه.
      بالنسبة للسؤال الثاني، قدرتنا على الخروج من السجن كأفراد هي محدودة جداً لأن البنية التي نتحدّث عنها هي منظومة جماعيّة شاملة لا يمكن الخروج منها سوى عبر بديل جماعي شامل بدوره، يعني لا استطيع مثلاً أن اترك عملي وأسكن في قريتي لأعيش من الأرض لأنني لا امتلك أرض أساساً، وهذه حالة مليارات الناس حول الكوكب الذين لا يمتلكون شيئاً في المدن غير قوّة عملهم (وجود المدن المليونية هو عامود أساسيي للسيستم).
      طبعاً هذا لا يعني أنه لا يوجد شيء نستطيع فعله على الصعيد الفردي، إذ يمكننا العمل على المهارات اليدوية التي تسمح لنا بعدم الاتكال على السيستيم في حياتنا مثل زرع بعض الخضروات وتصليح الأمور المنزلية ومهارات تخصصية أخرى مثل العمل مع الخشب أو القدرة على عزل المنازل او صناعة الأثاث…، يمكننا العمل على تخفيف اعتمادنا على السيستيم في حاجاتنا الأساسية (غذاء وطاقة ومسكن) ويمكننا العمل على تخفيف تعلّقنا بالأمور الثانوية فيه التي تلهينا عن الأمور المهمّة في الحياة مثل التلفزيون وما شابه. في هذه الحالة نحرّر أنفسنا قليلاً على الصعيد الذهني والعملي في الوقت نفسه
      لكن الحل الأساسي يبقى طبعاً في إنشاء محاولات جماعيّة لبناء بديل حياتي متكامل
      سلامي صديقي

      • قنديل · يناير 11, 2013

        شكرًا لك صديقي.. أفكارك مبدعة بكل معنى الكلمة.. إن شاء الله يكون لنا دور في نشرها في المجتمع وتعزيز فكرة تحرير أنفسنا من النظام العالمي.. ت

  2. وائـــــــــل · يناير 8, 2013

    ربما اليسار هو صنيعة هذا النظام منذ البداية ؟!!

    بالفعل ما أجمل أن يعود الإنسان إلى الحقيقة
    إلى ما صنع الله له …. الطبيعة !!

    الله يعطيك العافية

  3. تنبيه: عن الانهيار الذي حصل | نينار
  4. غير معروف · فبراير 25, 2013

    جميل وممتع.
    لكن لم أفهم ما هو البديل المطروح. هل هو يسار جديد يهتم بكل تلك الأمور أم الغاء اليسار؟
    هل نترك النشاط السياسي مع العلم أن الأزمات السياسية لها تأثيرها المباشر واليومي علينا؟
    أليست هنالك تيارات أناركية طرحت ولا زالت تطرح هذه الأمور؟
    وسؤال شخصي. هل لك علاقة بمشروع فينوس و”روح العصر” (زايتجست)؟
    أود فعلا أن أفهم ما هي الصورة المرسومة في ذهنك عن البديل، وخصوصا البديل عن اليسار الموجود وانا الذي اتفق معك تماما بخصوص أساليب اليسار التي أصبحت مبتذلة وأن جميع مراحل التطور التاريخي أصبحت بالية لكثرة عودتها على نفسها وعودة التاريخ على نفسه.
    مشكور استاذ طوني آمل أن ألقى منك أجوبة.

    • Tony Saghbiny · فبراير 26, 2013

      مرحبا صديقي،
      برأيي المتواضع هنالك ضرورة لتجاوز اليسار واليمين لأن ما هو على المحكّ اليوم يتجاوز السياسة التقليدية. صحيح، هنالك تيارات لاسلطوية تطرح ذلك أيضاً، كما هنالك العديد من التيارات التي تصعد في الوقت الحالي تعتبر نفسها تيارات “ما بعد اليسار” إن كان التعبير صحيحاً، وهي خاصة تلك المتأثرة بكتابات الباحثين الناقدين للحضارة مثل دانييل كوين وجارد ديموند وديريك جنسن وجون زرزان.
      على الصعيد الشخصي لا علاقة لي بمشروع فينوس وروح العصر، ورغم التقاءنا على رفض السيستيم القائم ككل، إلا انني ارى خللاً كبيراً في توصيفهم للمشكلة وفي الحلول التي يطرحونها.
      نحن نعمل في بيروت مع بعض الأصدقاء منذ فترة على بلورة بديل متكامل ورؤيا يمكن لأي كان في العالم أن يعمل بها من دون أن يدين بالولاء لأي شخص أو مؤسسة، لأننا نحاول أن تكون الفكرة هيي المحرّك الرئيسي ولذلك اخترنا الشكل اللامركزي. وهذا البديل حتى الآن نطلق عليه اسم الجذور، إن كان لديك وقت للإطلاع عليه، هذا الرابط، ونحن في الوقت الحالي بصدد رؤية ما اذا كان من الممكن بناء هذه الحركة، بانتظار رأيك!

      https://saghbini.wordpress.com/2012/11/19/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B0%D9%88%D8%B1/

    • Tony Saghbiny · فبراير 26, 2013

      كما أرجوك أن تناديني مجرّد طوني صديقي من دون استاذ! : )
      سلامي

التعليقات مغلقة.