...

عن الانهيار الذي حصل

كيف يبدو الانهيار؟

كيف يبدو الانهيار؟

طوني صغبيني

*

“أنظر حولك، أيها القارىء العزيز، فيما الاقتصاد يتعثّر بجولة جديدة من الانكماش الذي تغطّيه بهلوانات ماليّة يائسة، والنظام السياسي لبلدك يتحوّل إلى نظام عقيم أكثر فأكثر، الوظائف ومستويات المعيشة تختفي للأبد، وشبكات الأمان الاجتماعي التي اعتدت عليها تتفكّك، البلدات والأحياء التي دمّرتها الكوارث تُهجر بدل أن يتم إعادة بناؤها، والخدمات الأساسيّة التي كانت تشير مرّة ماذا يعني المجتمع المعاصر تصبح غير متوافرة لجزء أكبر وأكبر من الناس. هكذا يحصل الانهيار.

أولئك الذين هم داخل الأحداث، تبدو لهم هذه العمليّة بطيئة، لكن الأجيال المستقبليّة التي ستستفيد من قدرتها على رؤية الأمور عن بعد ستحتار وتتساءل كيف أن الحضارة الصناعيّة انهارت بهذه السرعة”.

جون مايكل غرير، مؤلف كتاب “الهبوط الطويل: دليل نهاية العصر الصناعي”.

حين تحدّثنا في مقال سابق عن ضرورة تجاوز اليسار لأسباب عديدة أهمّها أن اليسار لم يستوعب بعد أبعاد السقوط البطيء للحضارة الصناعيّة، علّق البعض على تويتر بأنه من الضروري فعلاً تجاوز اليسار لكن المقال مبني على فرضيّة خاطئة هي انهيار الحضارة. الحقيقة المؤسفة هي أن الانهيار الذي نتحدّث عنه ليس فرضيّة عن مستقبل غامض ما، فهو سبق وحصل وهو يستمرّ بالحصول الآن هنا وفي كل أنحاء العالم فيما يقوم القارىء بتصفّح الانترنت بهدوء.

في كتاب “الأزمة الأخيرة” الذي نُشر قبيل حدوث الانتفاضات العربيّة، تحدّثنا في فصل بعنوان “لمحة من المستقبل” عن الظواهر السياسيّة والاجتماعيّة والبيئية التي ستتعاظم خلال السنوات المقبلة على وقع أزمة الطاقة. في هذا الفصل ذكرنا بأن العديد من الدول ستودّع الاستقرار السياسي إلى غير رجعة بسبب توقّف عمليّة التنمية وتقلّص الدخل القومي وتبخّر الأموال المخصّصة للخدمات الاجتماعية من خزائن الحكومات، ما سيشجّع الأخيرة على وقف برامج العدالة الاجتماعيّة كالتعليم والاستشفاء والإسكان والأجور وتعويضات العمل. كل ذلك سيغذّي الاضطرابات السياسيّة بشكل غير مسبوق لأنه سيزيد مستويات الفقر والجوع بشكل قياسي والناس ستعتقد بأن تغيير حكومة أو رئيس ما قد يعيد الأمور إلى سابق عهدها.

هل يتناسب المشهد العالمي اليوم مع ما طرحناه في “الأزمة الأخيرة” منذ عامين؟

للأسف نعم. حين ننظر حولنا نرى أن معظم دول العالم الثالث ومنها العالم العربي، تنتقل من اضطراب إلى اضطراب وتعيش أزمات لا حلول سياسيّة لها. الحكومات عاجزة عن إعادة تشغيل عجلة التنمية الاقتصاديّة ورفع مستوى المعيشة فيما أعداد متزايدة منّا يكافحون من أجل تحصيل لقمة عيشهم. هذا المزيج يعني أن أيّ سلطة سياسيّة تستلم الحكم، يساريّة أم إسلاميّة أم ليبراليّة كانت، سوف تفشل في تحقيق وعودها وستواجه ثورة اجتماعيّة أو سياسيّة خلال أشهر أو سنوات على الأكثر. تزايد الفقر والبطالة يعني أنه سيكون هنالك عدد متزايد من الناس مستعدّين للانخراط في الصراعات السياسيّة بشكل أعنف، وهذا ليس بالضرورة أمراً إيجابياً حيث أنه في عالمنا العربي سيغذّي على الأرجح ميليشيات الحروب الأهلية لا الثورات الطبقيّة المثاليّة التي نقرأ عنها في كتب التاريخ. خلال هذا الوقت، أسعار الغذاء لا تزال ترتفع، وأسعار الطاقة لا تزال ترتفع، والاقتصاد الرأسمالي الصناعي ينهار إلى غير رجعة، والعالم ينزلق ببطء إلى عصور مظلمة فيما لا أحد ينتبه للصورة الكبرى أو يعمل على معالجة جذور المشكلة.

لكن لماذا نقيّد تحليلنا بالوضع السياسي العام، فلننظر إلى حيواتنا الفرديّة ونحكم بأنفسنا ما إذا كان هنالك انهيار أم لا في الرأسمالية الصناعية. معظمنا اليوم يتعلّمون في اختصاصات جامعيّة لن يعملوا فيها بحياتهم، ويتخرّجون نحو بطالة شبه دائمة أو نحو أعمال أخرى لا تستوجب حيازتهم على شهادات جامعيّة – هذا إن كنا محظوظين كفاية لدخول الجامعة والصمود فيها لسنوات من دون الحاجة للعمل. معظمنا ربّما لديهم بعض الأمور البسيطة كحاسوب وتلفون ذكي وربّما سيّارة، لكن غالبيتنا الساحقة لن يكون لديهم منزلاً في حياتهم، وبعضنا لن يستطيعون حتى أن يتزوجوا أو أن ينشأوا عائلة بسبب وضعهم المادّي. المحظوظون منّا الذين سيحاولون شراء منزل، سينفقون كل مدّخرات حياتهم ليأخذوا قرضاً من البنك يقيّدهم في ديون تستمرّ ما بين عشرون وثلاثون عام. معظمنا يعملون بأجور بالكاد تكفينا، ولا نمتلك أية ضمانات أو حقوق في عملنا، لا الآن، ولا حين نصبح مسنّين. معظمنا لا يمتلكون ضمانات صحّية ولا يستطيعون تحمل تكاليف المرض، وكثيرون منّا لا يستطيعون حتّى تحمّل تكاليف الموت. ومعظمنا سيكتشفون عاجلاً أم آجلاً بأنهم لن يستطيعوا تحقيق أي من الأحلام التي وعدتنا فيها الأفلام والثقافة السائدة.

حين ننظر حولنا أيضاً نرى مجتمعاً مسحوقاً يتداول أخبار انتحار عائلات بأكملها بسبب الضيق المعيشي على أنها أخبار روتينيّة. نسبة الجرائم والاعتداءات والسرقات والاغتصابات التي تقوم بها الحكومات والأجهزة الأمنيّة والشركات والعصابات هي أعلى من أي وقت مضى. نسب الإحباط والاكتئاب والوحدة والمشاكل النفسيّة في صفوفنا غير قابلة للتصوّر؛ من لا يعالج نفسه بالمخدّرات الطبّية والعشبيّة يعالج نفسه بالمخدّرات الدينيّة محاولاً جرّ كل المجتمع معه إلى الجحيم الذي يبنيه – بحجّة أنه الجنّة. إن لم يكن هذا انهيار، فماذا اسمه؟

نحن ننتمي لجيل يجب عليه أن يعيش كلّ حياته في استعباد العمل بدوامات طويلة مقابل أجور زهيدة لكي يأمّن فقط حقوقه الأساسية من مسكن وغذاء وملبس. وهذا الوضع للمفارقة، يشبه وضع العبيد في العديد من الحضارات القديمة الذين كان بامكانهم شراء حرّيتهم بعد قضاء سنوات طويلة في الاستعباد. الفارق الوحيد هو أننا نعتقد بأنّنا أحرار. بالمقارنة بين جيلنا والأجيال السابقة، هنالك بالتأكيد انهيار سبق وحصل ومعالمه واضحة جداً. صحيح أننا لم نسمع عنه شيئاً في نشرات الأخبار، لكنّه حصل.

الحضارة الصناعيّة عاشت المرحلة الأولى من الانهيار خلال العقدين الماضيين حيث كانت النتيجة هي خروج الملايين ممّا كان يسمّى بالطبقة الوسطى وانضمامهم للطبقات المسحوقة. والحضارة الصناعيّة نفسها تعيش اليوم المرحلة الثانية من الانهيار المتمثّلة بأزمات اقتصاديّة وبيئيّة وغذائيّة وسياسيّة تجتاح الكوكب من شماله إلى جنوبه. رغم ذلك، يستمرّ العالم في تجاهل جذور الأزمة بطريقة مثيرة للدهشة.

كيف يتصرّف السياسيّون أمام هذا الواقع؟ هم يجهلون الأزمة بشكل كامل بل يرونها كفرصة لزيادة متاجرتهم بكافة أنواع المشاعر للوصول إلى الكراسي، مثل المشاعر الطائفيّة (تحميل الطائفة الأخرى مسؤولية تردّي الأوضاع) والثقافيّة (رمي المسؤولية على العلمانيّين، اليساريين، الليبراليين، اللاجئين، الأجانب…ألخ)، والطبقيّة (وعد الطبقات المسحوقة بأن تغيير الوجوه في الحكومات سيفتح الباب أمامهم لتحسين أوضاعهم المعيشيّة).

كيف تتصرّف مراكز الأبحاث والجامعات أمام هذا الواقع؟ لقد تحوّلت إلى نسخة غريبة عن رواية جورج أورويل “1984”، حيث تصدر يومياً دراسات عن زيادة الوعي الشعبي وتراجع معدّلات الفقر وتعافي الاقتصاد وارتفاع المداخيل فيما الجميع يعرف أن الواقع هو عكس ذلك.

أما الإعلام؟ الإعلام غارق بتغطية التفاصيل السطحيّة للأزمة مثل التظاهرات وبيانات رؤساء الدول، أو يلهينا بآخر أخبار الانفصالات والزيجات والحمل والمناوشات بين المطربين والممثّلين.

أما نحن، الناس العاديين، فماذا نفعل أمام هذا الواقع؟

بعضنا غارق في المشهد السياسي اليومي لدرجة تمنعه من رؤية الأفق الآتي.

أما البقية، فمنهمكون بتحديث حساباتهم الشخصيّة على الفايسبوك.

2 comments

  1. ثائر · فبراير 21, 2013

    اشكرك على اضاءاتك الثاقبه ومحاولاتك استباق الازمه وتحذير الانسانيه منها ، انا من المتابعين لك ولتحليلاتك العميقه لجذور الازمات التي تمر بها الدول والشعوب .. ومقالاتك كانت سبب في تغيير كثير من انماط حياتي الاستهلاكيه التي كنت امارسها بلا وعي معتمدا ان مصادر الطاقة البتروليه ستبقى كما هي ووضعت بعض التصورات لنمط حياه بسيط استطيع الاستمرار به في حال بلغت الازمه ذروتها .. شكرا لك

    • Tony Saghbiny · فبراير 21, 2013

      الشكر لك ثائر، القبول بالواقع الإنساني الحالي يتطلّب شجاعة كبيرة ومهم جداً انك تجاوزت ذلك إلى اتخاذ خطوات عمليّة أيضاً : )
      نحنا جميعاً نحاول ما في وسعنا للاستعداد لأن واقع الأزمة حولنا يصبح أكثر وضوحاً يوماً بعد يوم، فلنأمل خيراً!
      سلامي

التعليقات مغلقة.