ما لا نريد أن نسمعه عن النحافة والحمية الغذائية

fat_kid

* * *

طوني صغبيني

*

حسناً، هذه ليست من المواضيع المعتادة لنا على مدوّنة نينار، لكن لم نكن لنتناولها لولا أن معظم الأشخاص الذين نعرفهم في الحياة اليومية، وخاصة الجنس اللطيف، يتّبعون منذ الأزل حمية غذائية ما لتنحيف أجسادهم. هذا لا يعني أن كل أصدقائي هم من الوزن الثقيل بقدر ما يعني أن التنحيف هو هوس شامل (وخاصة مع اقتراب الصيف)، حتى بالنسبة للذين أجسادهم مثالية. وبما أنني ممارس دائم للرياضة ومطّلع بشكل جيّد على مختلف الحميات والأمور المرتبطة بصحّة الجسد، غالباً ما أواجه من أصدقائي وعالئتي بأسئلة من نوع “ماذا يمكن فعله لتخفيض الوزن أو السيطرة عليه”.

لذلك سنتحدّث قليلاً عن الطريقة الخاطئة التي تنطلق منها معظم الحميات الغذائية والحقائق التي قد لا يحبّ معظم متّبعو الحميات الغذائية سماعها، على أن نتحدّث غداً عن بعض النصائح التي يمكن اتباعها من أجل حمية صحّية ومتوازنة. المعرفة التي سنتحدّث عنها في السطور التالية هي في الواقع معرفة عامة وحتى بديهية، ومن المستغرب صراحة كيف أن معظم أبناء جيلنا يجهلون هذه البديهيات الغذائية.

*

Crash Diet

فلنبدأ مثلاً بما يُعرف بـ Crash Diet التي تتمثّل بأن يقوم الشخص بالامتناع القاسي عن تناول الطعام خلال فترة تتراوح بين أسبوع وثلاثة من أجل تخفيض الوزن بسرعة. هذه الحمية في الواقع تحقّق عكس الهدف منها وتؤدّي فيما بعد إلى زيادة الوزن. ما يحصل في هذا النوع من الحمية هو أن الجسد يقوم بردّة فعل على الجوع تتمثّل بتخفيض عملية حرق الدهون إلى أقصى قدر ممكن وبتخزين السكّر وكل المواد الضرورية الأخرى لعمل الأعضاء الداخليّة، ما يوقف عملية حرق الدهون بشكل شبه كامل ويعطّل عمليات الهضم المعتادة. وحين يخسر الجسد دهونه، تبدأ الخسارة في العضلات وتضعف كافة الأعضاء الداخليّة، فيما الجسد مستمرّ في إيقاف حرق الدهون لأنه يعتقد أنه مهدد بالموت جوعاً. ما يخسره الشخص في الأسابيع الأولى في هذه الحمية ينتج عن الجوع لا عن الحرق الطبيعي للدهون، ما يعني أن الشخص نفسه سيعيد اكتساب كل الوزن الذي خسره وربّما أكثر حين يعود إلى حميته الطبيعية لأن الجسد سيقوم حينها بردّة فعل معاكسة ويقوم بتخزين كل الدهون والسكر والبروتيين بدل أن يحرقها خوفاً من تكرار عمليّة الجوع. وبما أنه تمت خسارة وزن العضلات خلال العمليّة، ستكون هذه المرة نسبة الدهون في الجسد أكبر من نسبتها قبل البدء في الحمية، ما يعني أن الوزن سيصبح أكبر بعد الحمية بعكس النتيجة المرجوّة منها. قم بهذه الحمية مرتين أو ثلاث وسترى أنك في كل مرة تكتسب وزناً إضافياً بعد أشهر قصيرة.

*

حمية البروتيين Protein Diet

نوع آخر من الحميات هو تلك المرتكزة على البروتيين: خلال هذه الحمية يقوم الشخص في الأسابيع الأولى بتناول الأطعمة الغنيّة بالبروتيين مثل اللحوم والدجاج والسمك  والامتناع عن كل شيء آخر، بهدف حرمان الجسد من الكربوهيدرات والدهون والسكّر التي تتواجد في الأطعمة الأخرى ودفعه بالتالي إلى حرق الفائض من الدهون في الجسد. هذه الحمية تنجح في كثير من الأحيان بتخفيض الوزن ضمن حدود معيّنة لكنها نادراً ما تنجح في تحقيق الوزن المناسب. مشاكل هذه الحمية هي في الواقع كثيرة؛ فالكربوهيدرات والسكّر وحتى الدهون ضرورية للجسد لأنه يحوّلها إلى طاقة تتيح لنا تحريك عضلاتنا واستعمال عقولنا، وحرمان الجسد منها يعني حرمانه من طاقة ضرورية للقيام بوظائفه الكاملة.

مشكلة أخرى هي أن النسبة الزائدة من البروتيين في الطعام تؤدي إلى مشاكل عديدة مثل تراجع أداء القلب (وتعظيم خطر الذبحات القلبيّة) وإرهاق الجهاز الهضمي ونشوء حصى في الكلى. أما المشكلة الأهم فهي أنها حمية غير متنوّعة ولا تؤمّن للجسد كل الفيتامينات والأغذية التي يحتاج لها، خاصة تلك التي نجدها في الفواكه “الممنوعة” مثل البرتقال والتفاح والموز والأفوكادو. بالإضافة إلى ذلك، بعض الأجساد أيضاً ستقوم بإيقاف عمليّة حرق الدهون حين نحرمها من الدهون اليوميّة، وبالتالي سيعود الجسد ليكتسب المزيد من الوزن حين تنتهي الحمية. وإلى كلّ ذلك، لا يمكن الاستمرار بهذا النوع من الحميات الغذائية سوى لأسابيع عدّة على الأكثر لأنه لا يمكن ببساطة الاستمرار بتناول الأطعمة نفسها كلّ الوقت.

*

حميات شعبيّة أخرى: الامتناع عن العشاء، أو تناول السلطة حصراً

هنالك حميات شعبيّة أخرى منتشرة لها أيضاً أضرار على الجسد. منها مثلاً الامتناع عن تناول وجبة في اليوم، كالامتناع عن تناول الإفطار، أو الامتناع عن تناول وجبة العشاء. هذا النوع من الحمية يؤدي في الواقع إلى عكس المرجو منه، إذ أن الامتناع عن تناول أي وجبة يؤدي إلى ردّة فعل معاكسة في الجسد تدفعه لتخزين الدهون بدل حرقها خوفاً من الجوع.كما أن الإفطار والعشاء هما وجبتان شديدتا الأهميّة، والامتناع عن أيّ واحدة منهما يعني أن الجسد سيقضي أكثر من 12 ساعة من دون غذاء، وهذا مضرّ جداً بالصحة وبقدرة الجسد على حرق الدهون. القيام بهذا النوع من الحمية لفترة طويلة (كالامتناع عن تناول وجبة العشاء) يؤدّي إلى إضعاف عملية الحرق metabolism في الجسد ويؤدّي بالتالي إلى تغيير في طبيعة الجسد بشكل تجعله يكتسب الوزن بشكل أسرع من العادة لأن مستوى حرق الدهون في الجسد بات ما دون المستوى الطبيعي. النتيجة النهائية للامتناع عن إحدى الوجبات هي في الواقع زيادة الوزن لا تخفيضه، خاصة أن الجسد سيعتاد على تخزين كل وجبة بدل حرقها خوفاً من الجوع الذي سيليها.

من الحميات الشعبية الأخرى الاستمرار بتناول السلطات المرتكزة على الخضار من دون تناول اللحوم والأطعمة الغنيّة بالبروتيين والدهون، وهذا يؤدي إلى مشاكل عديدة ونقص في عدّة فيتامينات، وخاصة فيتامين الـ ب12 والزنك والماغنيزيوم التي تشكّل اللحوم مصدراً أساسياً لها والتي تؤثر على العمليّات العقلية والذاكرة والأعصاب والنوم والقدرة الجسدية بشكل عام. اتباع هذه الحمية كذلك لا يقود إلى تخفيض الوزن، لأنها تؤدي بدورها إلى خمول عمليّة حرق الدهون وبقاء الجسد في حالة جوع دائمة.

*

لماذا لا يمكن تخفيض الوزن عبر حمية غذائية فقط

فلنبدأ أولاً بالخبر السيء: الحقيقة هي أنه لا يوجد شيء اسمه حمية سريعة لتخفيض الوزن، لا يوجد حلّ سحري يمكن أن نتّبعه لثلاثة أسابيع لتغيير أجسادنا ولنعود من بعدها إلى حياتنا القديمة. علينا أن ننسى ما يقول لنا اخصائيو التنحيف Dieticians، معظم ما يأتي من اختصاص التنحيف هو بيزنيس وتجارة أعمال يرتكز على الصورة المثالية المغلوطة للجسد وليس علوم غذائيّة.

وهنا نصل إلى الخبر الجيّد: امتلاك جسد صحّي ومستوى وزن مقبول هو أمر في متناولنا من دون حميات قاسية ومن دون صرف أموال على برامج تنحيفيّة غريبة عجيبة. الحلّ بكل بساطة يرتكز على اتباع النمط الصحّي في العيش والطعام. بطبيعة الحال، الانتقال من نمط غير صحّي وخمول إلى نمط صحّي ونشيط يتطلّب أحياناً تغيير كامل نمط حياتنا، ويأخذ الكثير من الجهد والتعب والتركيز والوقت، لكن نتائجه نهائية وحقيقيّة.

غداً سنتحدث قليلاً عن بعض عناصر النمط الصحّي في تناول الطعام، لكن علينا أن نلفت النظر أولاً إلى أن الوزن وطبيعة الجسد وصحّته لا يرتبطون فقط بما نتناوله من طعام، بل بأسلوب حياتنا ككل. وبالتالي، تغيير حميتنا الغذائية لا ينفع إن كان نمط حياتنا لا يزال نفسه. وبأسلوب الحياة نحن نعني تحديداً نوعية الطعام الذي نأكله (هل نأكل طعاماً صحياً أم وجبات سريعة؟)، توقيت الوجبات، مستوى التعب والإرهاق الجسدي والنفسي والذهني الذي نتعرّض له يومياً، ومستوى الحركة الفيزيائية التي نقوم بها في أيّامنا.
نحن كفصيل حيّ مثلاً لم نتطوّر لكي نجلس في المكاتب خلال النهار وأمام التلفاز أو الحاسوب في الليل، أجسادنا صُنعت لكي تركض وترقص وتقاتل وتزرع وتصطاد وتغامر وتسبح وتتسلّق وتبني وتمارس الحب، لا لكي تجلس خمولة ومسجونة كلّ يوم من دون حركة. وبما أننا لا نقوم بكلّ ذلك كثيراً في حياتنا المعاصرة، علينا أن نغيّر أسلوب حياتنا بطريقة تعوّض جلوسنا في المكاتب والمنازل لساعات طويلة. المدخل إذاً هو نمط الحياة ككل، لا ما نأكله من طعام فحسب.

* * *

للمزيد من المقالات عن الرياضة والفنون القتالية يمكن زيارة مدوّنتي المتخصّصة “مدوّنة المحارب