إحياءً لذكرى يانا: شهيدة الظلاميّة في سوريا

وحين نعبر من هذا العالم، نعود إلى حضنها.

وحين نعبر من هذا العالم، نعود إلى حضنها.

*

هذه هي من المرّات القليلة التي اكتب فيها ولا أجد كلمات للكتابة. كأنه على الربيع أن يكون دائماً معمّداً بالدم في بلادنا، وكأنه على كل ربيع أن يقاتل في وجه الظلمة والظلاميين لكي يكون هنالك نور، فمن اغتيال العالمة الوثنية هيباتيا في الاسكندرية في القرن الخامس، إلى اعدام  العالم الصوفي الحسين بن منصور الحلّاج في آذار في بغداد القرن العاشر، إلى زمننا الحاضر. كأنه قدر المدافعين عن النور والحياة أن يرووا الأرض بدمائهم ليحيوها.   يانا، الفتاة السورية المتمرّدة، الذكية، الجميلة، تم اغتيالها بأبشع الطرق على يد الظلاميين الإسلاميين في شمال سوريا، لأنها وثنيّة الإيمان من الناحية الروحيّة وحرّة في عقلها ونفسها، كأنها هيباتيا تكرّر المأساة من جديد.

يانا صديقة لا اعرف سوى اسمها الأوّل، مثقفة، متعلّمة، وحادّة الذكاء، لم يقنعها الدين الإسلامي فخرجت منه. حين استكشفت الأديان القديمة وجدتها الأقرب لقلبها، وابتدأت بإحياء وممارسة الدين القديم في حياتها الشخصية، من دون أن تأذي أحداً، من دون أن تعتدي على أحد، من دون أن تكفّر وتقتل وترتكب الجرائم باسم أحد. خطيئتها الوحيدة أنها أخبرت عائلتها وشقيقها وأصدقائها عن مغامراتها الروحية الجديدة، وذلك كان قبل أن تغرق سوريا في أتون العبث الدموي. تواصلنا مرّة واحدة فقط عن طريق صديق يقيم في الولايات المتّحدة، وكانت تبحث عن طريقة للخروج من سوريا بعدما التهم الظلام المكان الذي تقيم فيه.

لكن الظلام التهم أيضاً قلب شقيقها، الذي قرّر في الأسابيع الماضية أن شقيقته يجب أن يقام عليها حدّ الردّة، فسلّمها للأصوليين، الذين قاموا بتعذيبها لأيام، ثم جرّوها في الشارع، واغتصبوها، وقتلوها. وشقيقها، الذي لا يستحقّ الحياة، يشاهد موافقاً.

أحد الأصدقاء الذين نقلوا الخبر السيء لإعلاميّة غربيّة، وصف يانا بأنها “كانت دائماً تمزح وتضحك. أضافت فرحاً على كل شيء فعلته، من التحدّث عن الآلهة التي تكرّمها إلى التباهي بتصفيفة شعرها. كان لديها أمشاط أكثر من أي أحد أعرفه، وأرادت أن تأتي إلى الولايات المتحدة… كانت متوتّرة حول احتمال تزويجها، قام أبوها بالضغط عليها وكانت تخشى الحصول على زوج لا يكون متسامحاً أو ودوداً تجاه روحها الحرّة… كان من الصعب رؤيتها أقل سعادة حين بدأ القتال، واقترب. رأيت الخوف يتملّكها وأصبحت نادراً ما اسمع منها. كان من المحزن أنها لم تعد تغادر منزلها بسبب خوفها على نفسها”… .

العزيزة يانا، شهيدة الروح الحرّة والنور المقدّس، لا يوجد كلمات لتعبّر عن حزني فيما تنضمّين إلى مئة ألف امرأة ورجل وطفل سوري غادرونا قبل أوانهم بسبب ملك مجنون وعصابات أكثر جنوناً. قد نكون تحدّثنا لمرّة واحدة فقط، لكن ما تشاركناه كان أكثر بكثير من رسالة.

كوني بخير يا صديقتي واطمئني، فإنت الآن في مكان يمكنك فيه أن تضحكي وترقصي وتفرحي وتتمرّدي وأن تقاتيلهم، من دون أن يكون بامكانهم الوصول إليكِ.

اعبري من الضوء إلى الضوء من دون خوف، فيما تستقبلك الأمّ الكبرى بحضنها وتواسي ألمك قليلاً. يانا يا عزيزتي، فيما ترقصين في حقول إيل وترقدين في بيت الحرّية، اطمئنّي بأن الشعلة المقدّسة التي تدفّقت في فرحك وتمرّدك ونورك ستبقى معنا، نحن الصامتين في الظلمات في كلّ مكان، نحن الغريبين في بلادنا وبين ناسنا، نحن الخارجين من أديانهم ومنطقهم وظلامهم، نحن أصحاب الأرواح الحرّة، المقاتلين المتنسّكين، العشّاق الصوفيين، الباحثين عن الحقيقة، ستبقى الشعلة متوقّدة وسنستمرّ بالقتال، لكي يكون هنالك في العالم القليل من النور والدفء، القليل من النور والدفء، اطمئنّي.

2 comments

  1. zakiah · مارس 31, 2013

    طوني… رجعتني سنين لورا ع الضيعة الشمالية المحاذية للواء اسكندون ! ع الاحلام والتأملات بعشتار واحلام اعادة إحياء ديانتها الامومية.

  2. Tony Saghbiny · أبريل 1, 2013

    واضح انها ذكريات دافية صديقتي، المهم تكون هالاحلام بعدها معك : )

التعليقات مغلقة.