النشاط المدني في بيروت: نضال أصحاب الامتياز

من اعتصام لجمعيّة "شمل" في بيروت دعماً لقانون مدني للأحوال الشخصية

من اعتصام لجمعيّة “شمل” في بيروت دعماً لقانون مدني للأحوال الشخصية

* * *

تحليل للبنية الاجتماعيّة والطبقية للنشاط المدني في بيروت

*

طوني صغبيني

*

من داخل بيروت، وخاصة في أعين الكثير من المنخرطين في النشاط التغييري في المجتمع المدني خارج الأحزاب والسياسة التقليدية والنقابات، يبدو المشهد متنوّعاً وحياً في ظلّ عشرات المبادرات والحملات الجارية يومياً على قدم وساق في هذه المدينة الصغيرة. لكن من خارج العاصمة، وفي أعين الكثير من المهمّشين – المنخرطين على طريقتهم في عمليّة التغيير، يبدو المشهد جامداً، مغلقاً، وغير متّصل بهمومهم، هذا إن لاحظوه أصلاً. فهل هنالك مشكلة بنيوية اليوم في المشهد التغييري البيروتي؟

 *

هنالك العديد من الجهود الصادقة والتضحيات الكبيرة التي يقوم بها عدد كبير من الشابات والشبّان على امتداد مشهد النشاط التغييري في بيروت، وهنالك حتى الآن بضعة انتصارات ملموسة تم تحقيقها. لكن هذا لا ينفي أنه هنالك خلل كبير في هذا المشهد لا يتم التحدّث عنه أبداً. نحن لا نقصد هنا الاستراتيجيات والأدوات والخطاب السائد التي يوجد فيها ثغرات كبيرة والتي يمكن الحديث عنها في مقالات أخرى، بل نعني البنية الاجتماعية والاقتصاديّة (نعم الطبقيّة) للناشطين في بيروت. فلنقلها صراحة: النشاط التغييري في بيروت اليوم هو المساحة الحصرية لأصحاب الامتياز من ذوي الطبقة الوسطى والميسورة، وليس نشاطاً يقوم به المهمّشون والمقموعون لمواجهة ظالميهم. فلنتحدّث قليلاً عن ذلك وما يعنيه بالنسبة لمستقبل القضايا التغييرية في لبنان.

ليس نادراً في التاريخ أن يتحوّل النشاط التغييري إلى اختصاص محصور بطبقة محدودة من الناس، هذا ما حصل مثلاً حين فرضت الأحزاب الشيوعيّة نفسها “طليعة” العمّال والمجتمع الجديد، وهذا ما حصل أيضاً مع العديد من الأحزاب العربيّة الحاكمة. المشكلة في هذا الاتجاه هو أن هذه الطبقة تبدأ عادة بالتحدّث مع الناس ومن أجلهم، لكنها لا تلبث أن تنتقل فيما بعد إلى التحدّث باسمهم من دون الاستماع إليهم، لتتفرّغ في فترات لاحقة لتحقيق أجندتها الشخصيّة والسياسيّة على حساب الجميع، وخاصة على حساب الناس الذين صادرت صوتهم. طبعاً، المشهد ليس بهذه الدراماتيكيّة في بيروت، لكننها نجادل بأن مشهد النشاط التغييري حالياً يقترب كثيراً من بنية الطبقة الطليعيّة المغلقة. فلنعاين عناصر هذه الطبقة سوية:

– خلفية اقتصاديّة واجتماعيّة متقاربة: معظم الناشطين الاجتماعيين والسياسيّين والمدنيين والنسويين والبيئيين ضمن إطار العاصمة يأتون من الطبقتان الوسطى والعليا. الغالبية هم من طلّاب أو خرّيجي الجامعات الأجنبيّة أو الجامعات الخاصة كالجامعة الأميركية التي تبلغ أقساطها أرقام تتجاوز دخل أسر بأكملها لأعوام. هنالك أقليّة من طلّاب وخرّيجي الجامعة اللبنانية لكنهم متحدّرين بمعظمهم من عائلات ميسورة مادياً. الحفنة القليلة التي تأتي من خارج هذه الطبقة عليها بطريقة أو بأخرى أن تصبح منها، إذ عليها أن تمتلك مقدرة مادّية ووقت فراغ كافٍ لاتّباع أسلوب حياة يقوم على الالتقاء بالمقاهي يومياً أو أسبوعياً (في شارع الحمرا على وجه الخصوص) والتفرّغ للمسيرات وستاتوسات الفايسبوك وتغريدات تويتر. من هم من خارج هذه الطبقة الميسورة قد يستطيعون التسكّع لفترة في هذا الجوّ قبل أن يضطروا إلى الانسحاب بسبب عدم القدرة على مجاراة هكذا وضع أو لأسباب أخرى (مثل عدم فعاليّة النشاط، أو لأن المشهد بأكمله مكوّن من مجموعات مغلقة ومتنافسة من الأصدقاء).

– وجود مفهوم يحدّد من هم خارج الطبقة ومن هم داخلها: مفهوم “الناشط(ة)” اليوم يشبه إلى حدّ كبير مفهوم الطليعة الحزبيّة التي تؤمن أن مهمّتها المقدّسة هي ترفع وعي “الجماهير” وقيادة الثورة في ما بعد. كلمة ناشط بحد ذاتها تضع حدوداً بين فئة تنشط وتحقّق التغيير الاجتماعي المنشود وفئة يُفترض أنها لا تفعل شيئاً. والكلمة نفسها تعني أيضاً أن التغيير الاجتماعي والسياسي هو اختصاص مجموعة محدّدة من الناس، وتشير أحياناً إلى هوية قائمة بحد ذاتها. هذا لا يعني أن طبقة الناشطين مغلقة على الوافدين الجدد، لكن هنالك تشديد ضمني في صفوف الطبقة المذكورة على هويّتها التي تعطيها تمايزاً عن الناس العاديين. لذلك نرى مناوشات الكترونيّة مستمرّة لنزع صفة “الناشط” عن العديد ممن هم خارج حلقة الأصدقاء أو الطبقة المتخصّصة ككل، أو لفرض مستويات هرميّة من الناشط “الحقيقي”، يتربّع على قمّة هرمها “الناشط الأسمى”: الشخص الذي يتواجد في كلّ تظاهرة وتحرّك ويجمع آلاف الأصدقاء على فايسبوك ويتحدّث باسم الجميع ويضع نفسه مقيّماً لأداء الآخرين، وخاصة أولئك الذين يتجرّأون على انتقاد مشهد النشاط التغييري.

– وجود طريقة محددة لدخول الطبقة وإظهار الانتماء لها: لكي تكون جزءًا من طبقة الناشطين البيروتيين، عليك أن تكون متواجد أولاً في العاصمة، ثم أن تمتلك الكثير من وقت الفراغ لكي تظهر في كلّ التظاهرات والمسيرات التي يقيمها الجميع لتتسكّع من بعدها في مقاهي ممتدّة على شارع واحد في بيروت. على الناشط أن يكون أيضاً فرداً مستقلاً عن كل شيء، ويتصرّف بطريقة فرديّة لأنه أسمى من كل المجموعات والتنظيمات والأحزاب. معظم الحزبيين والعاملين في منظّمات راديكالية أو غير راديكالية لا يتواجدون على خارطة طبقة الناشطين، وكذلك كلّ الذين يقومون بنشاطهم خارج العاصمة، وكلّ الذين يقومون بأنشطة لا يمكن وضع صورها على الفايسبوك (كالعمل المباشر مع العمّال الأجانب والمعنّفات مثلاً، أو العمل على تطوير تقنيّات الزراعة مع الفلّاحين، أو العمل على تشجير القرى، أو العمل على بناء حركة تغييرية طويلة الأمد). باختصار، هنالك طريقة محدّدة لدخول الطبقة: التواجد في بيروت، وقت فراغ كبير، هوية فردانيّة تعلن انتمائها لكلّ القضايا (أي غير ملتزمة بأي قضيّة بعينها)، إثبات الحضور في التظاهرات في العاصمة (تماماً كما أن المؤمن عليه إثبات إيمانه للآخرين بحضور صلاة الجمعة أو قدّاس الأحد).

– التركيز هو على قضايا أصحاب الامتياز: بما أن معظم الناشطين يأتون من خلفية اجتماعية مرتاحة مادياً نسبياً ولا يأتون من الفئات المهمّشة والمقموعة إلا بالمعنى العريض جداً للكلمة (كالتحدر من قرية بقاعيّة أو جنوبيّة عانت من الحرمان الاقتصادي – أو المعاناة الشخصية مع القمع الجندري)، فهم يحملون بطريقة غير مباشرة ذهنيّة وقضايا وأسلوب عمل أصحاب الامتياز. المسألة هنا ليست فقط عبر ملاحظة القضايا المحكيّ عنها – وجزء كبير منها هو أساساً قضايا الطبقة الوسطى والعليا مثل الزواج المدني، منع التدخين، الفساد في البرلمان…ألخ – بل بملاحظة القضايا المسكوت عنها وخاصة الفقر والحرمان والمشاكل في مناطق الأطراف مثل تحوّل الغالبية العظمى من مزارعي البقاع إلى طبقة مسحوقة من دون أرض بعدما خسروا أراضيهم وأموالهم للبنوك والمقرضين، ومثل قيام الدولة اللبنانية بإصدار قانون يمنع الناس في البقاع وعكار والجنوب والجبل من تربية المواشي في القرى من دون رخصة زراعيّة تجاريّة (أي حرمانهم عملياً من قدرتهم على انتاج غذائهم بنفسهم وفتح الباب للمستثمرين الكبار لاحتكار الغذاء)، ومثل قيام الدولة اللبنانية بالتعاون مع شركات دولية وبمساعدة بعض الجامعات الخاصة بفرض بذور معدّلة جينياً على الفلّاحين لحرمانهم من بذورهم وإجبارهم على شراءها باستمرار من شركة خاصة، ومثل موجة التصحّر التي تأكل أراضي البقاع الشمالي بالتزواج مع البطالة العالية التي تأكل من إمعاء الناس، ومثل التمييز والحرمان الذي يتعرّض له أبناء الشمال والبقاع في مؤسّسات الدولة وفي عمليّات التوظيف، ومثل الغياب التام للخدمات الصحّية والاجتماعية والحياتية عن مناطق الأطراف….ألخ. كم من مرّة رأينا مثلاً ناشط(ة) يتحدّث عن هذه القضايا مقارنة مع القضايا الأخرى؟ وحتى حين يتم الحديث عنها، يتم تناولها بطريقة فوقيّة وعامة لا تختلف كثيراً عن خطابات السياسيين حين يتحدّثون عن “الإنماء المتوازن”.

– أسلوب العمل ملائم لأصحاب الامتياز: التكتيكات المستخدمة في التحركات هي أيضاً تكتيكات أصحاب الامتياز. أسلوب العمل الذي يقتصر على تظاهرات ومسيرات في بيروت هو أسلوب عمل أصحاب الامتياز لأنه لا يسمح سوى لأصحاب الامتياز الذين يسكنون في بيروت ويمتلكون الكثير من وقت الفراغ بالمشاركة فيه (نحن لا نتحدّث عن التحرّكات النقابية بل تحرّكات المجتمع المدني)، وهو مهندس بطريقة لا تهدّد سلامة وأمن الذين يقومون به ولا تؤثّر كذلك على راحتهم الشخصيّة أو تعطّل برنامج عملهم المهني، بل العكس، إذا تعطيهم زخماً إعلامياً ومهنياً وشخصياً. تركّز شكل النشاط على المسيرات البيروتيّة يخرج تلقائياً الطبقة العاملة وسكّان الضواحي والأطراف من المعادلة. لذلك نرى الوجوه نفسها في التظاهرات كلّ مرّة، ومعظم هذه الوجوه هي إمّا طلّاب في العاصمة أو موظّفي جمعيّات مدنيّة أو ميسورين مرتاحين في دوامات عملهم وقدرتهم على التحرّك. المشكلة هي أن هذا الأسلوب (التظاهر) أثبت عقمه وعدم قدرته على تحقيق نتائج (إلا نادراً)، ومعظم المشاكل الحقيقية لا يمكن معالجتها بهذه الطريقة. معالجة المشاكل الزراعية في البقاع مثلاً تستوجب وضع أرجلنا في الوحل والتراب والعمل مباشرة مع الفلاحين والحصّادين وأصحاب الاختصاص لمعالجة المسائل على الأرض، ولا يمكن حلّها عبر مسيرة لساعة واحدة في بيروت. إيقاف خطّ التوتر العالي المزمع إنشاءه من قبل وزارة الطاقة في منطقة المنصورية استوجب من السكّان الوقوف كدرع بشري أمام الأمن وجرّافات الوزارة لمنعها من العمل، ولم يكن بالامكان حلّه عبر تظاهرة في بيروت (رغم ذلك، لم نرى ناشطي بيروت يقترحون مدّ يد المساعدة).

 المقاربة الأيدولوجية هي مقاربة أصحاب الامتياز لا مقاربة الناس المعنيين بالموضوع: قد يعتقد البعض أن النشاط التغييري المعاصر لا يمتلك مقاربة أيدولوجيّة للأمور لكن العكس صحيح، وهذه المقاربة اسمها بكل بساطة “أين الدولة؟”. الاتكال على الدولة والتطلّع إلى أجهزتها على أنها المآل الأوّل والأخير للحلّ هي مقاربة أيدولوجيّة يسارية-ليبراليّة تحجب المقاربات الأخرى، وخاصة اللاسلطوية منها. ولهذا السبب لا يمكن التمييز بين الليبرالي واليساري في مشهد النشاط، فالجميع يحمل نفس الفكرة ويعمل بنفس الأسلوب ويتّبع نفس الخطاب، ولو اختلفت المصطلحات قليلاً. الدولة هي أداة بيد الطبقة الاقتصادية-الدينية-السياسيّة الحاكمة؛ المهمّشون والمسحوقون يعلمون ذلك، والناشطون يعلمونه أيضاً، لكن الفقراء في معظم الأحيان توقّفوا عن توقّع أي شيء من الدولة وأجهزتها ويريدونها فقط أن تدعهم وشأنهم. يريدونها أن تسمح لهم بزراعة الأراضي المشاع وبناء منازلهم وإدارة أعمالهم بأنفسهم من دون حضور دوريات الأمن. يريدونها أن ترفع عن كاهلهم الضرائب المرهقة وديكتاتورية المقرضين وبنوك الإقراض وأن تتوقّف عن إفقارهم وملاحقتهم وتهجيرهم من قراهم. يريدون من طبقتها الحاكمة أن تتوقّف عن المتاجرة بدمائهم وعنفوانهم للوصول إلى كراسي الحكم. مقاربة توسّل الحكومة والدولة لوضع حلول لا تنفع المهمّشين بشيء سوى أنها تزيد من اتكّاليتهم وتوقّعاتهم وتبدّد جهودهم وآمالهم على الفراغ. كان يمكن لنا في هذا الوقت أن ننشأ آلاف الجمعيات التعاونيّة التي يديرها الناس بأنفسهم والتي تحرّرهم بشكل مباشر من دون واسطة من أحد. الجمعيات التعاونية اللاسلطويّة تسمح للعمّال والفلاحين والطلاب والعاطلين عن العمل والجميع بمساندة بعضهم البعض في بناء قدراتهم وتبادل خبراتهم وإحقاق حقوقهم وتحسين معيشتهم من دون العودة إلى الدولة أو توسّل الطبقات الحاكمة. بدل تبديد الجهود لسنوات على تظاهرات تطالب بالرعاية الصحيّة من الدولة اللبنانية، كان يمكن إنشاء عشرات المتسوصفات الصحيّة والمراكز الاستشفائيّة المحليّة بإدارة ذاتيّة. بدل مطالبة الدولة بتنمية الأطراف الريفيّة كان يمكن إنعاش وتنشيط الجمعيات التعاونيّة الزراعيّة التي تحرّر المزارع مباشرة من سطوة البنوك والحكومة. وبدل مطالبة الدولة بتحسين الخدمة الكهربائية كان يمكن إنشاء عشرات اللجان المحلّية لتطوير الأساليب المحلّية لتوفير وانتاج الطاقة النظيفة والمتجدّدة. عشرون عام من أيدولوجية الاتكال على الدولة لم تنفع المهمّشين والفقراء بشيء، بل زادت من اتكّاليتهم على الدولة وأضعفت من ثقتهم بأنفسهم وبقدرتهم على تحقيق مطالبهم بأياديهم.

– الإصرار على التحدّث باسم الجميع: نادراً ما تنبع مقاربة أي طرح في المشهد النضالي البيروتي من الناس المعنيين بالموضوع؛ الناشط(ة)، كل ناشط، يريد أن يتحدّث باسم الفلّاحين والعاملين والنقابيّين والأجانب واللاجئين والنسوة المعنّفات وسكّان الاطراف وسكّان الضواحي وسكّان العاصمة وكل الطوائف والطبقات، لكنه لا يريد أن يستمع لأيّ منهم يتحدّث عن قضيّته. فهو كطليعة متخصّصة يعتقد أنه يعرف عن قضيّة الفلّاح أكثر من الفلّاح، ويعرف عن قضيّة العامل أكثر من العامل، ويعرف عن قضايا النساء أكثر من النساء، ويعرف عن كل القضايا أكثر مما يعرف عنها أصحابها مجتمعين.

 * * *

لعلّ أكثر ما يبوح بالهويّة الطبقيّة لمشهد النشاط البيروتي هو ذهنيّة الذنب التي تحرّك استراتيجيّات النشاط، أي ذهنيّة “يجب أن نفعل شيئاً الآن!” (وهذا الشيء عادة يكون الأمر نفسه: تظاهرة أو مسيرة). ذهنيّة الذنب تنبع عادة من الامتياز الذي يتمتّع به من يشعر بالذنب، وهي تلغي القدرة على التفكير الاستراتيجي وتحوّل النشاط إلى ردّة فعل دائمة على أمر ما، كما أنها تدفع الناشطين لتأييد كل قضيّة مطروحة على الساحة. هنالك مصطلح يصف الناشط الذي يدعم كل القضايا في الوقت نفسه: الناشط المحترف.

الناشط المحترف يدعم كل شيء، فهو مناضل لتحرير فلسطين وإرساء العلمانيّة وقيادة الثورة العمّالية والدفاع عن الأجانب وتحقيق العدالة الاجتماعية وإنقاذ غابات لبنان ومنع هدم الأبنية التراثية وحلّ أزمة السير ومنع التدخين وإقرار الزواج المدني وقوانين الجنسيّة والإفراج عن الأسير جورج عبدالله ودعم الانتفاضة السورية، كلّه في الوقت نفسه. علينا أن ننتبه هنا إلى أن الناشط المحترف لا يمكن أن يوزّع تأييده لكلّ هذه القضايا في الوقت نفسه لولا أنه غير مرتبط فعلياً بأي واحدة منها. المزارع الذي خسر أرضه للبنك لا يمتلك غالباً رفاهيّة النضال من أجل إقرار الزواج المدني، بل عليه التركيز على قضيّته أولاً، والعامل المصروف من عمله تعسفاً لا يمتلك رفاهيّة الحديث عن أهمّية الأبنية التراثيّة، بل عليه توجيه جهوده على قضيته أولاً. وهنا نعود إلى ما تحدّثنا عنه في البدء حول أن معظم الناشطين يأتون من الطبقات المرتاحة وليس من الفئات المهمّشة أو المقموعة، لأنه لو أتوا من هذه الفئات لما كانت لديهم رفاهيّة اعلان الانتماء والظهور في مسيرات حول كلّ القضايا. صحيح أن كلّ القضايا مرتبطة ولها جذر مشترك، لكن هذا لا يعني أن توزيع الجهود هو أمر جيّد، فالجهود المصروفة في كلّ مكان في الوقت نفسه تعني أنها لم تصرف في أيّ مكان منهم.

الأمر نفسه يتكرّر مع كيفيّة تعامل الناشطين مع هوياتهم السياسيّة؛ العديد منهم يهوون تجميع الهويّات السياسية والأيدولوجيّة، فهم نسويّون ويساريون ستالينيون وليبراليون ومدافعون عن الحرّية وأنركيّون وبيئيّون ولاعنفيّون وعنفيّون في الوقت نفسه. لا يهمّ إن قالوا أنهم أنركيّون ثم توسّلوا الدولة صبحاً ومساءً لتحقيق إصلاحات اقتصاديّة، أو إن وصفوا أنفسهم بأنهم ثوريون راديكاليون ثم انخرطوا في حملة انتخابيّة ببرنامج ليبرالي، أو إن قالوا أنهم نسويون ثم عملوا على إسكات أصوات النساء في مساحتهم التنظيمية، المهم أنهم يتعاملون مع الهويّات السياسيّة كما يتعاملون مع مقتنيات أخرى: يتم استعراضها، كما هي عادة أصحاب الامتياز.

لكن ذلك كلّه سهل مقارنة مع الخطاب الإقصائي الذي يطفو من حين لآخر والذي يقوم على الإقصاء المنهجي لكلّ من يشكّك أو يفكّر بطريقة مختلفة عن الطبقة الناشطة المتخصّصة المهيمنة على المشهد. لقد رأينا ذلك في حملة إسقاط النظام الطائفي، في مساحات نسويّة، في مساحات يساريّة، وعانينا منه حين أطلقنا مبادرة “راديكال بيروت” رغم أنها لا تزال حتى الآن مجرّد مساحة الكترونية لانتاج رؤى جذرية بديلة. هنالك خطاب يركّز على تصوير كل من هو خارج الطبقة المهيمنة على أنه خارج الفعل السياسي ككلّ، ففي نهاية المطاف السياسة التغييرية هي الاختصاص الحصري للطليعة المتنوّرة، ولا يمكن التسامح مع الدخلاء عليها. ردّة الفعل الأولى للعديد من الناشطين على هذا المقال نفسه ستكون بشخصنة القضيّة والتساؤل كيف يمكن لشخص من خارج الطبقة المتخصّصة هذه أن ينتقدها.

الواقع هو أننا نادراً ما نجد الناشطين في حقول البقاع وسهول عكار وجرود الهرمل أو في هضبات المنصورية أو حتى في الضواحي الجنوبيّة والشرقيّة لبيروت، أو في أيّ من المعارك العديدة التي يخوضها أهل الضواحي والأطراف بصمت ضدّ السلطة والطبقة الحاكمة. رغم ذلك، الأطراف وما يحصل فيها ليست أكثر من مادة لستاتوسات الفايسبوك والمدوّنات بالنسبة للناشطين، وهي غير متواجدة أبداً على خارطة فعلهم السياسيّ. النشاط السياسي البيروتي، حتى في رفضه لبنية الهيمنة والتهميش المركزية للضواحي والأطراف أعاد إنشاء نسخة أخرى من الهيمنة والتهميش نفسهما.

صحيح أنه هنالك جهود صادقة، وهذا المقال لا يهدف لصرف هذه الجهود، لكن فلنقلها بشكل مباشر: أصحاب الامتياز لا يتأثرون بنتائج فعلهم السياسي، فهم ليسوا فلّاحين، ليسوا نسوة معنّفات، ليسوا عاطلين عن العمل، وسواء حققوا انتصارات سياسيّة أم لا ستبقى حياتهم مستقرّة مادياً ومعيشياً. وهذا هو السبب الحقيقي لماذا مشهد النشاط في المجتمع المدني لا يعبأ بفعاليّة استراتيجيّاته وليس لديه مشكلة في القيام بنفس النوع من النشاط كلّ مرّة رغم أنه أثبت عقمه. هنالك تعبير في الأوساط الإيكولوجيّة واللاسلطوية في الغرب يصف هذا النوع من النشاط وهو “نشاط من أجل الشعور بطريقة جيّدة” Feel good activism؛ أي أن الناشطين يقومون به للإحساس بشكل جيّد على الصعيد الشخصي، بغضّ النظر عن الفعاليّة. الأهم أن هذا المشهد لن يعمل أبداً على إنشاء مبادرات جماعيّة ومنظّمات وحركات دائمة هي الطريقة الوحيدة لتحقيق التغيير الاجتماعي، بل سيحارب كل محاولة من هذا النوع. فالتنظيم الدائم يعني إفساح المجال لجميع الناس للانخراط في عمليّة التغيير، وهذا يعني أن أصحاب الامتياز فقدوا إحدى امتيازاتهم ولم يعودوا تلك الطبقة المميّزة من المتنوّرين.

القارىء الذي كان له صبراً كافياً للوصول إلى هذه الفقرة قد يسأل ما الحل؟ ونجيب أن الهدف من المقال ليس تقديم حلّ لمشهد النشاط المذكور، لأن معظم أبناء الضواحي والمهمّشين والعمّال والذين لا يكون لديهم أحياناً ثمن الذهاب إلى بيروت لحضور مسيرة مثل كاتب هذه السطور، لا يكترثون ماذا يحصل لهذا المشهد، فهم خارجه ولا نيّة لهم بأن يكونوا جزءًا منه. لا يوجد مشكلة بأن يتحدّر المرء من خلفيّة امتيازيّة (مثل الرجال مقارنة مع النساء، الأغنياء مقارنة مع الفقراء، سكّان العاصمة مقارنة مع الأطراف…ألخ)، لكن على الصادقين في نشاطهم أن يستمعوا لأصحاب القضايا وأن يتواضعوا قليلاً في القضايا التي يعملون بها، وأن يكون لديهم نظرة نقديّة لامتيازهم والانتباه إن كان يؤثّر بطريقة غير مباشرة على طرحهم وطريقة تفاعلهم مع الآخرين. إلى ذلك، هنالك العديد من المبادرات التي تظهر من وقت لآخر من البقاع حتى ضواحي بيروت والتي تستحقّ الدعم والعمل، منها مبادرات لاسلطويّة، وراديكاليّة، ونسويّة، وفنّية، وبيئية واجتماعيّة وغيرها. ما يجمعها هو أنها تعمل بصمت، لكنّها تعمل بصدق، والهدف منها ليس تكريس امتياز أصحاب الامتياز بل تفكيكه وتحقيق نتائج فعليّة على أرض الواقع، وهذا الأهم.

5 comments

  1. محمد الشعراوى · أبريل 28, 2013

    1- وجدتنى أصرخ مع كل جملة أقرؤها فى كتيبك الرائع ( العيش كصورة) : انه يكتبنى..انه يكتبنى.. وشكرت الأقدار الرحيمة أن وضعت هذا الكتيب صغير الحجم عظيم القيمة فى طريقى بالصدفة وقد ساعدنى الكتاب على اتخاذ قرارى المؤجل باغلاق حسابى على فيس بوك منذ خمسة أشهر تقريبا. ولى عودة للنقاش حول هذا الأمروحول ظاهرة (جود ريدز) التى حولت الثقافة الى وجبة سريعة التحضير ووسيلة للمباهاة باضافة كم مهول من الكتب الى حسابنا حتى لو لم نكن قرأناها أو استوعبناها وأعرف أصدقاء يسعون لصداقة الكثيرين وكل مبررهم أن (فلان هذا) له ألف كتاب على جود ريدزوبالتالى يكفى هذا لتنصيبه كمثقف موسوعى يجب أن نجلس أمامه صاغرين.ما يثير أعصابى هنا هو تعطل الملكة النقدية لدينا نحن العرب تجاه ما يرد الينا وقد حاولت البحث عن كتابات أخرى (عربية) حول الموضوع فلم أجد الا مداخلتك القيمة والملاحظ فيها أن كل الشهادات والانتقادات التى تم ايرادها لكتاب وصحفيين غربيين .المداخلة الوحيدة لكاتب عربى هى لواحد عاش عشر سنين فى لندن حولته من السلفية الجهادية الى السلفية التنويرية /الليبرالية يبشرنا فيها بالنقلة النوعية التى صنعها فيس بوك فى عقل وضمير البشرية ووجوب التعويل عليه فى صنع مستقبل العرب!! . شهادتى عن فيس بوك طويلة وسأعود اليها لاحقا لكن المهم هنا أننى صرت أطارد كتاباتك مع العلم أننى ممن (لا يحبون الا مع المطاولة) بتعبير مولانا ابن حزم فى “طوق الحمامة” لكنه فيما يبدو “الحب من أول كتيب ” ومن أول مقال . وصرت من زبائن نينار الدائمين وليس العابرين.
    2- لم أقرأ بتوسع حتى اللحظة عن مشروع الجذور (أم البذور؟) لكنى ممن ضجوا من تسليع الانسان وامتهانه وتشيؤه بسبب هذا النظام الجائر المفروض علينا وممن اتفقعوا من مراهقة اليسار وطفولته المتأخرة. فلعل فى مشروعكم بديل عن الهاوية التى نسير اليها بخطى ثابتة وعيون مفتوحة كالزومبى فاقدى الارادة.
    3- بخصوص موضوع التدوينة أوافقك تماما فى طرحك . يمكن استبدال أسماء الشوارع والشخصيات وبعض التفاصيل القليلة الأخرى كى تبدو وأنك تصف حال النشطاء القاهريين . يكفى زيارة شوارع ومقاهى وسط البلد كى ترى جوا مصطنعا يتصدره مجموعة من البورجوازيين يتدربون على أن يكونوا يساريين.هذه من علامات ( التنميط) احدى خصائص الرأسمالية التى تنتج ملايين النسخ من سلعة واحدة يتم تعميمها فى كل البلدان بغض النظر عن الهوية أو الخصوصية. هكذا ترى مجموعة من القوالب والأنماط الجاهزة التى يجب أن (ينحشر) فيها الفرد اذا أراد أن يكون ناشطا.طبعا ثمة أسئلة عن التمويل لا يجيب عنها أحد( بعض النشطاء ليسوا ميسورى الحال ومع ذلك لا ندرى لهم عملا ولا نعرف من أين يتعيشون ؟) وأسئلة أهم عن الوعى السياسى لهؤلاء الذين هم من المفترض أن يقودوا المشهد الثورى. الوضع فى مصر كالتالى: تستيقظ البلد يوميا وقد قرر أحدهم أن الموقف العلانى (ثورى) وأن الموقف الآخر خيانة للثورة والجحيم لمن يجادل فى ذلك. كام شهر وتتبدل الأوضاع فتتخذ الطليعة الثورية موقفا معاكسا تماما للسابق وبرضه الجحيم لمن يناقش أو يعترض. أؤكد معك أن هناك بعض التضحيات المقدرة لكن الغالب على المشهد فى تقديرى هو الاستعراض.
    4- ما أود قوله اختصارا وما دفعنى للتعليق أصلا: انت رائع يا صديقى ..استمر

  2. محمد الشعراوى · أبريل 28, 2013

    أنا

  3. محمد الشعراوى- القاهرة · أبريل 28, 2013

    كنت هقول أنا آسف نسيت أعرف بنفسى. أنا محمد عبد المجيد الشعراوى. طالب بنهائى طب- القاهرة-مصر

    • Tony Saghbiny · أبريل 28, 2013

      العزيز محمّد،
      شكراً لك صديقي ، كلماتك تشجّعني كثيراً ، خاصة أننا في العالم العربي كما تفضلت وقلت لا نقرأ كثيراً ولا نكتب ونركّز على الاستعراض بدل المضمون، أحياناً الكتابة هي كالصراخ في البرّية : D
      أقول صديقي لأنني شاب مثلي مثلك، ولا اعتبر نفسي اكتب لقراء أو لجمهور بل اتحاور مع عقول أخرى لها أيضاً نظرتها ورأيها الخاص.
      إن كان حول الفايسبوك أو حول أمور أخرى، ما أحاول ان اكتبه على نينار هنا الهدف منه أن يكون حقيقي وأن يستفزّ عقولنا النائمة، وقد أخطىء وقد أصيب في كتابتي، كما لا أتوقع من الجميع أن يوافقني على كلّ الأفكار وهذا ما يسمح لي بصراحة أن اكتب ما افكّر به!

      بالنسبة لمشروع الجذور (أو البذور، الأمر نفسه، كنا محتارون باختيار الاسم :D) فهو لا يزال فكرة في طور التكوّن، لقد بدأنا محاولة في بيروت وشجّعنا أصدقاء في تونس والعراق وسورية أن يقوموا بدورهم بمشاريعهم المرتبطة بالموضوع لكن اتضح ان الأمر يحتاج بعد للقليل من الوقت، لكن أبقيت المشروع منشور أونلاين لكي يكون بامكان أي انسان باحث عن مشروع مشابه أن يستوحي منه وأن يبدأ المشروع الذي يراه مناسباً في المكان الذي هو متواجد فيه (والمشروع الناجح برأيي ليس المشروع الذي له قيادة مركزية تملي على الجميع كيفية التصرف، بل هو الذي ينشأه الناس بإرادتهم وقراراتهم الخاصة من دون وجود حتى قيادة مركزية، نستطيع أن نقود أنفسنا بأنفسنا)، وبتقديري أن هذا الطرح كونه بطور النشوء سيحتاج لوقت للنضوج والتمدد والتحوّل فيما بعد إلى حركات فاعلة.

      وإلى ذلك، أهلاً وسهلاً بك دائماً!

التعليقات مغلقة.