سقوط رموز “الماضي المجيد”: زياد الرحباني نموذجاً

من تحرّك الاعتراض على مواقف زياد رحباني في الجامعة الأميركية

من تحرّك الاعتراض على مواقف زياد رحباني في الجامعة الأميركية

*

طوني صغبيني

*

لعلّ صورة الطلاب في الجامعة الأميركيّة مع يافتة “شي فاشي” المرفوعة بوجه زيّاد الرحباني تختزل كثافة المشهد والكثير من التغيّرات التي حصلت في عالمنا العربي بعد الانتفاضات الأخيرة. أهميّة هذه الصورة أنها أخرجت إلى الضوء ما كان يُحكى همساً لفترة طويلة في صفوف الكثير من الشباب الذين خابت آمالهم من مواقف رمز فنّي وسياسيّ كان له بصمته الواضحة على وعي جيل بأكمله. الصورة التي اعتبرها البعض جزء من حملة تخوين شرّيرة مستمرّة منذ أعوام بحقّ شخص تقدّسه الأوساط اليساريّة والعلمانيّة، هي بكل بساطة الحلقة الأخيرة من عمليّة سقوط الرموز التي هيمنت لعقود على المشهد الفكري والثقافي والسياسي في لبنان والعالم العربي. والرموز في عالمنا العربي، لا تسقط من دون جوقات حداد وتخوين، وزياد الرحباني ليس استثناءً.

في عالمنا العربي نحن معتادون على وضع رموزنا في مصاف الآلهة، نقدّسها ونطبع كلماتها على الجدران ونحفظ آياتها ونتطلّع إليها، لا فقط لتعطينا موسيقى جميلة مثلاً، بل لتخبرنا الموقف السياسي الصحيح أيضاً. لذلك نادراً ما نتحدّث عن رموزنا بصراحة، فما هو مقدّس لا يمكن مناقشته من دون استدعاء الكثير من العواطف والكلمات الكبيرة. هكذا يصبح تناول رئيس جمهورية مصر في برنامج كوميدي هو نيل من الإسلام وهيبة الدولة، ويصبح رفع يافطة بوجه فنّان موسيقي ومسرحي في محاضرة جامعيّة هو حملة تخوين منهجيّة واستهداف للخطّ “الوطني” بأكمله.

لكن الرموز اليوم تسقط، شئنا أم أبينا، وهنالك رابحين وخاسرين من ذلك. الرابحين من عمليّة سقوط الرموز كثر، أولهم الشعوب التي تحرّرت من سطوة الزعيم ومن جزء من الطبقة السياسيّة والثقافية التي كانت تبرّر للأنظمة طغيانها. أما الخاسرون، فهنالك نوعان: أولئك الذين خسارتهم واضحة، وأولئك الذين لم يستوعبوا بعد أن الخسارة تشملهم أيضاً. من بين الخاسرين الواضحين هنالك الأنظمة الاستبداديّة السابقة من تونس حتى سوريا التي شهدت تحطيم تماثيل الرؤساء والدوس عليها بالأحذية – أو كما في حالة ليبيا، قتل الطاغية بوحشية تحاكي الأساليب التي اتبعها في حكمه. أما الخاسرين غير الواضحين، فيمكننا أن نقول أنهم يتألفون من الليبراليين التقليديّين واليساريين والإسلاميين.

الإسلاميون لم يستوعبوا بعد أنهم ينتمون لمتاحف التاريخ، وأنهم إن حاولوا الوصول إلى الله على جبل من الجثث فسترفضهم الناس وقد ترفض الله معهم. لم يستوعبوا بعد أنه لا يمكنكهم أن يكونوا نسخة ملتحية عن النظام السابق من دون أن يتوقّعوا نفس المقاومة. الليبراليون لم يستوعبوا بعد أن ترك الأمور على حالها سواء في الاقتصاد أم في الثقافة أم في السياسة لن يزيد الجميع سوى فقراً وموتاً، وأنه لا يمكن مواجهة الظلمة الرابضة على قلب عالمنا بالحديث حصراً عن حريّات التعبير وبعض الحقوق الجزئيّة المتفرّقة هنا وهناك. واليسار التقليدي لم يستوعب بعد أن عمليّة تجاوز المرحلة السابقة بكلّ ما فيها التي تجري الآن، تشملهم هم أيضاً.

صحيح أن اليساريين والليبراليين والتيارات الأكثر راديكالية هم حلفاء موضوعيّون في مواجهة الأنظمة والأصولية، لكن على اليساريّين تحديداً أن يتفهّموا أنهم لم يعودوا الخيار البديل الوحيد، ولا الخيار الأكثر تقدّمية اليوم. اليسار الذي لا يزال يخوض معركته بخطاب الخمسينيّات وأحزاب الستينيّات وذهنيّة السبعينيّات، كان طوال المرحلة الماضية يحاول اللحاق بالناس التي سبقته في الشوارع وفي مواجهة دبابات الأنظمة، لا العكس. الأزمات والتحوّلات غير المسبوقة التي يعيشها العالم اليوم وخاصة العالم العربي، سواء أكانت سياسيّة، اقتصاديّة، اجتماعيّة، طاقويّة، أم بيئيّة، تخلط الأوراق لدرجة لم تعد نافعة معها قراءتنا للعالم ضمن الثنائيّات السياسيّة القديمة لليمين واليسار. وكما ناقشنا في مقال سابق، نحن نرى أنه من الأجدى على الراديكاليين والراغبين بتحقيق تغيير سياسي-اجتماعي جذري في العالم أن يتجاوزوا اليسار نحو رؤى جديدة غير متمركزة حول الدولة والرأسمالية الصناعية وحتميّة النمو الاقتصادي.

وها هي عمليّة سقوط الرموز في العالم العربي لا تميّز بين يمين ويسار، والحادثة الأخيرة مع زياد الرحباني هي خير نموذج. وقوف بعض اليسار العربي ومعظم اليسار اللبناني وكلّ اليسار الغربي إلى جانب نظام الأسد في دمشق عرّى اليسار لما هو عليه اليوم: تيار قوميّ هرم ومتعب ومنفصل عن الناس لدرجة أنه يتبنّى خطاب الأنظمة. في أفضل الأحوال، خطاب اليسار متقاعد فكرياً منذ عقود، خجول تجاه الأنظمة، لا يتحرّك سوى بردّات الفعل، مناوىء كلامي للأصوليّة التي لا يرى منها سوى وجه مذهبي واحد (وهو عادة معجب بحزب الله ومتغافل عن أصوليته الشيعيّة)، مرتبك وحائر وغير متناسق تجاه قضايا الديمقراطية والحرّية وحقوق الإنسان وفي بعض الأحيان صامت مريب تجاهها أو معارض صريح لها، وبشكل عام فاقد للرؤية والاتجاه وخطّة العمل.

من كان يقرأ مقالات زيّاد الرحباني في جريدة الأخبار يمكنه ملاحظة هذه العناصر بوضوح. ماذا يبقى من مضمون مقالاته مثلاً إن وضعنا السخرية من رموز اليمين اللبناني جانباً؟

وفي الواقع هذه هي المشكلة: الرحباني يتحدّث كأننا لا نزال نعيش في الحرب الأهلية اللبنانية أو كأن اليمين اللبناني هو الشيطان الأكبر الذي يخطط ليل نهار مع كل جنرالات الدول الغربية لإنشاء دولة مارونيّة تمتدّ من باريس إلى طهران. لكن الحقيقة هي أن معظم أبناء جيلنا لا يعيشون لا في السبعينيّات ولا في ظلّ حربها الأهلية، ولديهم خصوم أكثر تنوّعاً وحنكة وضراوة بكثير من يمين السبعينات، وبعض هؤلاء الخصوم هم من الذين يدعمهم الرحباني ويعبّر عن إعجابه بتجربتهم. اليمين اللبناني سلّم سلاحه منذ أكثر من عقدين، وهنري كيسينجر لم يعد وزيراً لخارجية أميركا منذ ثلاثون عام، لكن الأنظمة العربية ومنها النظام السوري تبيد وتقمع شعوبها الآن، والأصوليتان السنّية والشيعية تخوضان حرب داحس والغبراء الآن أيضاً، لكن الرحباني لا يزال يريد أن يتحدّث عن السبعينيّات. الصديق خضر سلامة كتب مقالاً يوضح فيه أن زيّاد لم يتغيّر، وربّما هذا صحيح، لكن توقّعات أبناء جيلنا ومشاكلهم هي التي تغيّرت. نحن لا نريد خوض حرب أهلية في السبعينيّات، نحن منشغلون بحروبنا الحالية ونريد مواجهة مشاكلنا هنا والآن.

لذلك ليس من الغريب أن يشعر العديد من الشباب، الذين ترعرعوا على مسرحيّات زياد الرحباني واستلهموا منها لسنوات، بالانفصال عن خطابه الحالي وعن خطاب ما يسمّى في لبنان بـ”الخطّ الوطني” بشكل عام. الرموز تسقط، هذا ما يحصل حين تفشل النخب السياسيّة والثقافيّة عن تقديم طروحات تعبّر عن حال الناس أو تفتح لهم أفق لتغيير واقعهم. هذه الهالة التي تمتّعت بها رموزنا السياسية والثقافيّة والفنيّة طوال العقود الماضية أعطتهم حصانة تجاه النقد وسبّبت بالتالي جموداً وعقماً فكرياً وتنظيمياً شديدان في وجه هيمنة هذه الرموز على المشهد. لذلك، فضلاً عن كسر هالة الطغاة الذين حكموا حياتنا بالحديد والنار لعقود، لا بدّ أيضاً من كسر هالة الأحزاب والمعارضات والشخصيات التي أسرتنا لعقود في خطاب بديل مكرّر لم يقرّبنا خطوة نحو العدالة السياسيّة والاجتماعيّة المنشودة.

حين ننظر جيداً، سنستنتنج أن بدائل الأنظمة خلال العقود الماضية، رغم تضحيات صادقة لبعض منها، تحوّلت في الواقع إلى جزء من الأنظمة، هي مرآتها، تحمل نفس فكرها وخطابها ومنهجها ولو استعملت مفردات معكوسة. لذلك من الطبيعي أن نراها تسقط مع الأنظمة، فهي كما الأنظمة، تنتمي للماضي وواقع الماضي، وعليها أن تذهب لكي يكون بإمكاننا أن نتطلّع أمامنا. ورغم كل الظلمة التي تحطينا الآن، الأفق أمامنا جميل…

7 comments

  1. Abeer Khshiboon · أبريل 14, 2013

    رائعة المقالة طنطون.. وأكيد الأفق أمامنا جميل! 🙂

  2. السيد · أبريل 14, 2013

    مقالة مميزة …بالتوفيق

  3. Karem Mahmoud · أبريل 14, 2013

    مقالة رائعة طوني
    شي فاشي، شي غاشي وماشي

  4. Tony Saghbiny · أبريل 15, 2013

    عبير، السيد، وكارم شكراً على تعليقاتكم المشجعة : )
    NOW There and Here thanks for reblogging!

  5. ayhkas · أبريل 15, 2013

    شكراً مقالة مميزة..

  6. الدُب · أبريل 20, 2013

    اذا رأيت البوذا يمشي في الطريق، اقتله.

التعليقات مغلقة.