شجرة الحياة: ترابط كل الوجود

شجرة الحياة

شجرة الحياة

* * *

(هذا المقال هو جزء من مقالات تعليميّة حول المعتقدات القديمة ننشرها دورياً على مدوّنة نينار – النصّ الأساسي منشور في مجلّة ميستيرا بالإنكليزية)

* * *

بجذورهم الضاربة عميقاً في الأرض وأغصانهم المترامية للسماء، نظر الإنسان للأشجار دائماً على أنها الرابط بين الأرض والسماء. شجرة الحياة هي من دون منازع أحد أقدم وأكثر الرموز حضوراً في الوعي البشري عبر التاريخ. أساطير العديد من الأديان، الثقافات، والحضارات تصوّرها على أنها رمز للخلق، القوّة، الحكمة، الخصوبة، ووحدة الوجود. فلنذهب في رحلة قصيرة حول هذا الرمز.

قد تكون الأشجار الأشهر في العالم هي تلك المذكور في قصص الخلق الإبراهيميّة. القصّة تقول بأن الله زرع في جنّة عدن العديد من الأشجار الجميلة والقويّة، ومنها شجرتا المعرفة (معرفة الخير والشرّ)، والحياة، التي كانت ترمز للخلود. لكن مفهوم شجرة الحياة لم يبدأ مع الأديان الإبراهيمية ولا يقتصر عليها بل هو موجود في كلّ المعتقدات القديمة من مصر وكنعان وبابل وأشور مروراً بأفريقيا وآسيا ووصولاً للأميريكيتين.

في الأساطير النورديّة (الأوروبيّة الشماليّة)، شجرة الرماد العظمى، المعروفة بـ”يغدرسيل”، تُعتبر بمثابة عامود العالم، حيث تظلّل أغصانها السماوات والأرض. جذور يغدرسيل تحمل العالم السفلي لأرواح الأرض، فيما جذعها يحمل العالم الوسطي حيث يعيش الإنسان، وأغصانها هي عالم الآلهة.

الأشجار كانت أيضاً مبجّلة في لبنان وفلسطين؛ كان يُنظر للإلهة الأم أشيرة (أو عشيرا)، على أنها شريكة خلق العالم مع إيل ووالدة جميع المخلوقات، من ألقابها “أمّ كلّ شيء”، “شجرة الحياة” و”أمّ الحكمة”. أشجار الأرز كانت تُعتبر على أنها صاحبة قوى مقدّسة تساعد على الشفاء والتنبؤ بالمستقبل، وكل الأشجار بشكل عام كانت تُعتبر على أنها مقدّسة للإلهة الأم أو للآلهة الإناث الآخرين مثل عشتروت.

في تقاليد الكابالا العبريّة القديمة، والتي لا تزال تُمارس حتى اليوم، شجرة الحياة هي مفهوم أساسي يساعد صاحبه على الوصول لله. شجرة الحياة في الكابالا هي خريطة لكلّ العوالم الكونيّة والصلات بينها. هي مكوّنة من العناصر العشرة الأساسية التي يشكّل “عين الحكمة” أوّلها، وهي اللاشيء غير الموصوف التي انبثق منها كل شيء آخر.

كتاب الباغافاد فيدا المقدّس لدى الهندوس يتحدّث عن شجرة حياة وكينونة اسمها آسفاتا، وهي شجرة معكوسة جذورها في الأعلى وأغصانها في الأسفل. يقول الباغافاد فيدا بأن جذور شجرة الوجود آسفاتا تنمو عالياً في السماء مشكّلة الكائن الأسمى، السبب الأوّل للوجود، فيما أغصانها وأوراقها تتدلى إلى تحت مشكّلة البشر والأرض والعالم المادّي.

المجتمعات البشرية الأولى في الهند عاشت في الغابات وعلّقت أهمّية كبيرة على الأشجار مثل أشجار البانيان والبيبال، التي ترمز للخصوبة، الصبر، والتسامح. يُعتقد لدى الشعوب الهندية بأن البانيان أطعمت البشرية بحليبها قبل أن ندجّن القمح ونبدأ باكتشاف الأنواع الأخرى من الغذاء. هذا التبجيل للأشجار يقود علاقة مميّزة بين المجتمعات البشرية ومجتمعات الأشجار: علاقة تقوم على الاعتراف بأن الأشجار، الحيوانات، والنباتات، لها الحق في عيش حياتها الخاصة من دون الاستغلال والتدمير البشري لها.

 في الدين البوذي، شجرة البودي التي جلس تحتها سيدارتا غوتاما بوذا حين حقّق التنوّر، هي في الوقت نفسه جسد العالم وشجرة الحياة، وفي بعض التقاليد البوذية هي تمثّل البوذا – أي الذي حقّق التنوّر – نفسه.

رسم بوذي تقليدي يظهر سيدارتا غوتاما متأملاً في ظلّ شجرة البودي

رسم بوذي تقليدي يظهر سيدارتا غوتاما متأملاً في ظلّ شجرة البودي

في أفريقيا، العديد من الأساطير تقول بأن البشر وُلدوا من الأشجار، مثل أسطورة شعب هيريرو في جنوب أفريقيا الذي يؤمن بأن البشر الأوائل، كما المواشي، وُلدوا من شجرة هائلة اسمها أوموم بورومبونغا، وهي لا تزال موجود حتى اليوم في المراعي الخصبة جنوبي نهر كونينو.

في العلوم، “شجرة الحياة” هي مشروع علمي مستمرّ يقوده علماء البيولوجيا في مجال المنهجيّات systematics  بهدف تحديد الروابط الجينية البيولوجية بين كل أشكال الحياة على الأرض. التعبير نفسه يُستعمل أيضاً لوصف السياق التطوّري للحياة على الأرض. الأب العلمي لنظرية التطوّر تشارلز داروين اعتبر بأن التطوّر والمنظومات الإيكولوجيّة هما نهران متداخلان، مصوّرهما على شكل شجرة تربط كافة المخلوقات ببعضها بعضاً وبالأرض.

شجرة الحياة هي رمز كوني جامع يمثّل وحدة الحياة والوجود؛ تشاركه معظم شعوب العالم بطريقة تجعلنا ندرك ما يبدو للوهلة الأولى كأنه غير مترابط: البشرية، الطبيعة، والمقدّس، هي وحدة مترابطة يجمعها رمز واحد. سواء رأينا أنفسنا أوراق على هذه الشجرة، أم اعتبرنا أننا في مكان أقرب للجذور، نحن جميعاً، أينما كنّا، مهما كان لوننا وجنسنا ومعتقداتنا، وسواء كنا نمشي على رجلين أم على أربعة أم نطير أم نسبح، كل المخلوقات وكل نبتة وكل جبل وكلّ نهر هي أجزاء من شجرة الحياة ولها مكانها فيها.