ثقافة السجن

prison

*

طوني صغبيني

*

ثقافتنا السائدة هي ثقافة سجن؛ نحن سجناء مدارسنا ووظائفنا وشققنا الصغيرة، سجناء جوازات سفرنا والخطوط السوداء على خرائط الجغرافيا، سجناء أنبيائنا وكلماتهم المنثورة في الهواء منذ ألف عام، سجناء 140 حرف على توتير وصورة فايسبوك وشاشة صامتة.

نحن سجناء عشرة آلاف رغبة لا قعر لها، تضيف عليها الإعلانات كلّ يوم رغبة.

نحن سجناء الوحدة في عالم مزدحم، سجناء الانفصال في عالم متّصل كما لم يسبق لعالم أن اتّصل! سجناء اللامعنى في عالم يبثّ مليارات الكلمات في كلّ لحظة. نحن سجناء البرودة في عالم يبيعنا الدفء مقابل المال. نحن سجناء اللامبالاة في عالم يُغتصب حتى الموت…

نحن سجناء لغتنا، وسجناء كلمات كبيرة نعتقدها كلماتنا. سجناء أهداف بعيدة بعيدة، يحدّدها الطغاة والعمائم والبذلات الأنيقة، ونتبعها نحن حتّى التلاشي في الغياب. نعيش يومنا سجناء غدنا، سجناء شهادة نريدها غداً، وسجناء وظيفة نريدها ما بعد غد، وسجناء زواج وعائلة نريدها ما بعد بعد الغد، وكلّ يوم نعيشه سجناء الوعد بغد مشرق في ظلّ القائد أو جنّة وراء السماء في ظلّ الإله. نحن سجناء الوهم، نطيع السجّان معتقدين أن الطاعة قد تفتح لنا يوماً أبواب الزنازين. ثقافتنا توهمنا أننا نعيش سجن اليوم من أجل فردوس الغد، فنقضي حياتنا في سجن والغد لا يلوح في الأفق يوماً.

لكن ماذا لو كانت الحرية تبدأ حين نقرّر أنه لا يوجد ماض أو مستقبل يستحقّ أن نكون عبيد؟ ماذا لو كنّا في هذا العالم، لا لندرس ونجادل ونعمل ونسجن أنفسنا في علب ضيّقة ووجود بائس؟ ماذا لو كنا هنا فقط لكي نكون، ولكي نختبر كم هو جميل أن نكون في هذا العالم؟ ماذا لو كنا هنا لنعشق العالم فحسب؟ أم هو تمرّدي الصوفيّ يهذي في لحظة حرّية؟!

6 comments

  1. Abeer Khshiboon · مايو 12, 2013

    ليس تمرّدك الصوفي، بل طبيعتك الأصليّة التي لا تنافق أحدًا ولا تكذب على نفسها.
    نحن هنا من أجل أن نكتشف كم هو جميل أن نحيا في هذا العالم، وكي نختبر معاني وجودنا هنا، ومن أجل أن نُحِب وأن نُحَب. لكنّه السجن الكبير جاثم على ثقافتنا، كلّما تعقّدت ممرّاته وغرفه وسجّانيه، فقدنا قدرتنا الفطرية على الدهشة وعلى الاكتشاف.

    وربّما نسيت أن تضيف، لكنّني أنا سأضيف، كإنسانة فلسطينيّة تتلاشى من قلبها كلّ معاني وطن كامل التراب، سأضيف أننا نحيا سجناء الكراهية التي يرضعوننا إياها كحليب مسموم، يترك أثره على علاقتنا مع كلّ مخلوق يختلف عنا، ولو كان الاختلاف مجرّد فكرة تزيد هنا وتنقص هناك.
    في السجون لا مكان للاختلافات، فاختلافاتنا تخلق في أرواحنا مساحات جديدة للاكتشاف وللتجدد، أما السجانين فيخافون الاختلافات التي قد تجذبنا لبعضنا، لذا قرّروا أنهم يريدوننا صورًا منسوخة، فصاروا يقسّموننا إلى مجتمعات وشعوب وأجناس، يملؤون مساحاتنا بالكراهية، يسجنوننا داخلها، ويوهموننا أنهم هكذا يحموننا.. ممّن؟ من وهم أن لنا أعداء، يكرهوننا. لا يهمّ إلى أين تذهب في هذا العالم، حين تسأل إنسانًا سيقول لك أن هنالك في حياته قضيّة لم تُحلّ (ولن تُحلّ) اسمها: “نحن” و “هم”. هكذا تعمل السجون.

    مقالة واقعية، وحزينة…

  2. سحر القاسمي · مايو 12, 2013

    جميل هذا الغضب والعشق الذي يشعرنا بقوة الاحساس، مدونتك تضيف جرعة حياة على ايامي كلما ضاقت المساحة.
    كن بخير أدون

  3. كنان القرحالي · مايو 13, 2013

    ربما ننظر إلى كل ما حولنا إلى أنّه سجن لأننا كلنا خريجون “حبوس” وأول حبس هو بطن الأم، شو رأيك بهالتحليل🙂
    أحلى طوني

  4. سليم اللوزي · مايو 13, 2013

    الماضي يصنع الوجود .. وبالتأكيد، هذا الماضي يسجننا في علبٍ مكعّبة لأجلٍ غير مسمّى ..
    ع راسي يا طنطون !

  5. وائـــــــــل · مايو 14, 2013

    أرواح تتوق للحرية التي قيدتها نفوسنا …..

  6. Tony Saghbiny · مايو 19, 2013

    عبير وفرح وكنان وسليم ووائل شكراً على تعليقاتكم : )
    وكنان مشتاقين صديقي بتمنى تكون بخير
    وسليم كمان😀
    والكل طيّب😀

التعليقات مغلقة.