ضدّ السيستيم

...

*

طوني صغبيني

*

الفتاة الصغيرة لم تعبأ كثيراً بزحمة المارّة حولها فيما كانت تنقر بخفّة على شاشة هاتفها الذكي وتتحدّث في الوقت نفسه مع والدتها أمام إحدى الواجهات الفخمة على الشارع الرئيسي للحمرا. الحقيبة الجلديّة الصغيرة التي تعرض بفخر علامة “لويس فويتون” والنظارات الشمسية التي يتجاوز سعرها ما أجنيه خلال ثلاثة أشهر لم تخفِ أن الفتاة تنحدر من عائلة ميسورة، بالإضافة طبعاً إلى الهاتف “الذكي جداً” الذي يستحوذ على انتباهها. كانت تخبر والدتها عن رداءة الخدمة في أحد المسابح المغلقة، حيث أنها اضطرت لتذكير “الخادم” أكثر من مرّتين (يا للرعب!) بأنه لم يجلب لها فوراً كوباً ممتلئاً من الثلج مع مشروبها الغازي، وكيف أن صديقتها اضطرّت للصراخ عليه حين نسي أنها تريد البيتزا من دون “فطر”. Incroyable” ” تقول لوالدتها.

على بعد بضعة خطوات فقط، كان هنالك صوت عذب آخر يوقظني من شرودي فيما أمشي على مهل في  الشارع البيروتي الصاخب. “الله يخليك”، تقول لي. نظرت إليها، ثم نظرت إلى الفتاة الميسورة على الجهة الأخرى من الشارع، وأردت أن أحرق العالم. وجهها المتسخ وشعرها الفوضوي لم يحجبا كثيراً ملامحها الطفوليّة. بعكس الفتاة الأولى، الفتاة السمراء الصغيرة تضع كل انتباهها على المارّة. تحمل علبة علكة يتيمة في يدها اليسرى بدل هاتف ذكي، وترفعها قليلاً مع القليل من الأدعية التي يبدو فيها اسم الله ألطف بكثير من الجرائم التي ترتكب باسمه. بائعة العلكة لا تعرف على الأرجح ماذا يعني أن تأمر أحداً بجلب كوب من الثلج لمشروبها الغازي، وبالتأكيد لا تصرخ على أحد إن نسي إحدى مكوّنات الطعام الذي تراه من دون أن تعرف مذاقه.

أردت للحظة أن أحضنها واطمئنها وأقول لها أننا سندمّر كل المنظومة التي جعلتها تولد في عالم شرّدها على ناصية الطريق وهي لم تر منه شيئاً بعد. لكن العالم مجنون لدرجة أن أي فعل عاطفي من هذا النوع سيعتبره جنون؛ السلامة العقليّة في عالمنا هي أن نترك الأطفال يتضوّرون جوعاً على الأرصفة فيما أطفال آخرين يلهون بهواتفهم الذكيّة.

فيما مشيت بتعب بعيداً عنها، كنت أفكّر وحيداً: لماذا فشلت حركاتنا التحرّرية لقرنين من الزمن في شرح أبسط الحقائق حول المنظومة التي تحكمنا؟

لقد كتبنا آلاف الكتب وتحدّثنا في ملايين المحاضرات، وبالكاد لدينا اليوم جملة واحدة يمكن أن نقولها لإمرأة أو رجل في الشارع من دون أن نضيع في بهلوانات فكريّة وتعابير أيدولوجيّة لن يفهموا منها شيئاً. جوهر السيستيم بسيط جداً: احرم الناس من الأرض بشكل لا يستطيعون معه أن يأمّنوا غذائهم ومسكنهم وسلامتهم الشخصية بمفردهم، وسيصبحون عبيداً للأبد لكل من يستطيع إعطائهم هذه الأمور مقابل العبوديّة (العمل). لذلك الرأسمالية الصناعية هي منظومة مرتكزة على المدن وليس الأرياف، لأن الناس في المدن لا خيار لها سوى تأجير قوّة عملها لتحصيل قوتها، بعكس الناس في الأرياف التي تستطيع أن تعيش من الأرض من دون حكّام وأرباب عمل.

بنية السيستيم أيضاً بسيطة: هنالك ناس فوق وناس تحت. الناس التي فوق تأخذ الثروات والقوّة من الناس التي هي تحت، وتمارس عليها العنف عبر القوانين ومؤسسات الدولة والملكية الخاصة، لكن هذا العنف لا يسمّى عنفاً في الثقافة السائدة: إستيلاء البنك على منزل ورمي قاطنيه في الشارع لا يسمّى عنفاً، بل اسمه “تطبيق القانون”.

لكي تضيف المنظومة ضمانة أخرى على استقرار بنيتها هذه، هي تحتاج لأيدولوجية تخدع العبيد بطريقة لا يعرفون فيها أنهم عبيد: المدرسة ضرورة والعمل فضيلة، والأكثر انصياعاً للثقافة السائدة يكافأ بالنجاح المهني والمالي والشخصي. أما الوافدين الجدد إلى المنظومة، الأجيال الشابة والأطفال، فهم يتعلّمون لسنوات ماذا يعني الانصياع للسلطة في المدارس، التي تغرقهم أيضاً بالوعود البرّاقة حول مستقبلهم. يقول لنا السيستيم أننا سنخرج غداً من مدارسنا وجامعاتنا وسنعمل في وظائف آمنة ونحقق أحلامنا الشابة ورخاءً مادياً مريحاً ونأسس عائلات ونعيش براحة كما فعل أهلنا من قبل (أو كما لم يفعلوا من قبل، جوهر الوعد هو نفسه).

لكن المنظومة، وخاصة بالنسبة لجيلنا، لا تعمل. كل الوعود التي زرعتها فينا المنظومة عبر المدرسة والتلفاز والسياسيين تفشل في التحقّق ونحن من يعاني. لقد وعدتنا المنظومة أننا سنصبح جميعاً برجوازيين وميسورين ومرتاحين، فسكتت الطبقة العاملة وقالت لهم حسناً أصدقكم، لكن الوعد لم يتحقّق يوماً. نحن الجيل الأول في الرأسمالية الصناعيّة الذي بدأ يفشل في تحقيق ما حقّقه جيل والديه في شبابهم؛ نخرج من مدارسنا وجامعاتنا بعد سنوات من الدراسة فنكتشف أنه لا يوجد وظائف لنا؛ ثم نعمل بدوامات طويلة في أعمال نكرهها ونكره أنفسنا فيها لكي نستطيع بالكاد تأمين مصاريفنا الشخصيّة. فيما استطاع معظم أهلنا إنشاء عائلات وتأمين سكنهم وحياتهم عبر دخل واحد (عادة الأب) في عمر شاب، يصل العديدون منا إلى عمر الثلاثين والأربعين وهم لا يزالون يكافحون لتأمين أساسيّات الحياة. السيستيم يلوّث مياهنا ويدمّر طعامنا ويصحّر أرضنا ويضعنا في علب ضيّقة في مدن أشبه بالمقابر، ثم يبيعنا المياه والطعام والمساحة مقابل المال. يستعبدنا ثم يقول أنه علينا أن نشتري حرّيتنا بثلاثون من الفضّة.

وحين نخرج لنتمرّد على وضعنا، تقوم حكوماتنا بقتلنا وسجننا فيما تخدعنا أحزابنا وتشجّعنا على كراهية بعضنا البعض ولوم بعضنا البعض لكي يكون بامكانها التسلّق إلى كراسي الحكم على جثثنا. يعدوننا أن هذا القانون أو ذاك المرشّح أو ذاك الحلّ البسيط كفيل بحلّ أزماتنا، أن المشكلة هي في غريب ما، هنالك دائماً غريب يمنعنا من تحقيق الوعود: لاجئ فلسطيني، مسيحي قبطي، يساري تخريبي، وإسرائيل وأميركا والإمبريالية والمخلوقات الفضائية المتربّصة بنا عند هذا المفترق التاريخي الذي يحكمنا منذ قرن. لكنهم لا يقولون لنا أبداً أن المنظومة بكاملها لا تعمل.

والمنظومة لا تعمل، هي تعمل بالنسبة للذين هم فوق فقط، بالنسبة للذين ينقرون على شاشات حساباتهم البنكيّة فيما نحن نتوسّل الطعام على أرصفة الشوارع أو نرمي حياتنا في وظائف الاستعباد. هي تعمل للذين يستولون على الأرض وعلى أجساد الفقراء، ويدمّرون جسد الأرض وجسد الفقراء لكي يملؤوا جيوبهم بالمال. لكن الوقت حان لنقول أن المشكلة هي في المنظومة ككل، وأننا نريد تدميرها قبل أن تأخذنا والكوكب إلى الهلاك. نريد أن نحطّم هذا العالم. نريد أن يولد العالم من جديد، لا أن يموت تحت أقدام الأقوياء والأغنياء. الشمس تلوح في الأفق، وهي تحتاج لقبضاتنا ومعاولنا وقلوبنا…

2 comments

  1. غير معروف · مايو 20, 2013

    رومانسي جدا توني,
    صاحبك غلبة اليأس و يود لو ان يرى العالم يحترق.

  2. وائـــــــــل · يونيو 17, 2013

    رائع أخ طوني
    بالعامية : ما في شي بيضل على حالو

التعليقات مغلقة.