I: ما الذي حصل للنشاط التغييري؟

 

هنالك خلل في الطريقة التي نقود بها نشاطنا التغييري؛ جميعنا يعرف ذلك ضمنياً، سواء كنّا في بيروت، أثينا، أوكلاند، برشلونة، أوتار برادش، أو هونغ كونغ.

activism النضال التغييري

الجيل الشاب الذي انخرط في الصراعات السياسيّة منذ العام 2000 حتى اليوم أتى خلال حقبة من الفراغ السياسي الهائل. أحياناً يبدو كأن أبناء جيلي أتوا لإصلاح العالم في زمن تحوّلت فيه الأيدولوجيات، العمل السياسي، والأحلام والرؤى السياسيّة إلى شبح من الماضي. الثقافة السياسيّة لزماننا الحالي هي ثقافة النهايات: نهاية التاريخ، نهاية الفلسفة، نهاية الأيدولوجية، نهاية السياسة… إنها ثقافة الفراغ. فراغ الألفية يقف بتعارض واضح مع الحقبات الماضية؛ مع الحركات الثورة والطلابية والحقوق المدنية في الستينيات، مع الحركات النسوية والراديكالية والثورية في السبعينيات، مع جبهات التحرير الوطني في الثمانينيات، ومع حركات حقوق الإنسان ومناهضة العولمة والإيكولوجيا الجذرية في التسعينيات.

صحيح أن عالم الحراك التغييري شهد العديد من الحركات المهمّة خلال العقد الماضي كالانتفاضة الفلسطينية في العام 2000، حركة مناهضة الحرب الأميركية في العام 2003، حملة مكافحة التغيّر المناخي في العام 2009، والانتفاضات العربية وحركة احتلوا وال ستريت والحراك العالمي في العام 2011. الفارق هو أن معظم هذه الحراكات كانت تقوم على ردّات فعل، قصيرة العمر، وغالباً ما فشلت في تحقيق أهدافها. الحراكات السياسية والاجتماعية منذ العام 2000  نادراً ما امتلكت رؤى واضحة أو كانت منظّمة من قبل حركات سياسيّة واضحة، نادراً ما امتلكت خطط أو استراتيجيات عمل، ونادراً ما امتلكت الجرأة اللازمة في الصراع.

قد يبدو الحكم قاسياً، لكننا نعتقد أن العديد من حركات التغيير الاجتماعي حول العالم اليوم تفتقد للشجاعة، تطبّق نشاطات من دون استراتيجيات، تقدّم برامج من دون رؤى، وتخوض معاركها من دون روح. المواجهة استُبدلت بـ”التأييد والضغط”، النشاط المباشر استُبدل بـ”بناء الوعي”، الفعاليّة استُبدلت بالهوس بالاهتمام الإعلامي، والمناضلون والمتطوّعون استبدلوا بموظّفين وناشطين محترفين، والنشاط التغييري نفسه استبدل بالخمول الالكتروني.

 في العديد من الدول، الحركات والنشاطات التغيرية تبدو كأنها مسرحيّة ساخرة مما كان عليه هذا النشاط في العقود الماضية. ماذا حصل لنا؟ لماذا في عصر يستحوذ النشاط السياسي فيه على أكبر تغطية واهتمام إعلامي، معظم، أن لم يكن كل نشاطنا التغييري، يفشل؟

لا يوجد إجابة سهلة لهذا السؤال. نحن نحتاج للكثير من الدراسات والبحوث في علوم الاجتماع، التاريخ، الاقتصاد، والسياسة لكي نفهم كل العوامل التي كسرت الحركات التغييرية في أيامنا. لكن بما أنّ هذه الدراسات غير متوافرة في الوقت الحالي، نستطيع بدلاً عن ذلك أن نحاول تحديد مجموعة من الأفكار الخطيرة والضارّة المعتنقة بشكل كبير اليوم من قبل معظم الحركات والناشطين في أيامنا والتي تعطّل فعاليّتهم بشكل شبه تام.

هذه الأفكار المهيمنة تثقل حركة التغيير، تحرمها من فعاليّتها، وتؤثّر على كافة أوجه نشاطها: هي تؤثر على استراتيجياتنا، تكتيكاتنا، البنى التنظيمية في حركاتنا، ورؤيتنا. هذه الأفكار تهيمن بنسب متفاوتة على العديد من الحركات، وهي محطّ إجماع واسع في أوساط الناشطين، وخصوصاً في أوساط الحركات التي ظهرت في الألفية الجديدة. لذلك قرّرنا أن نطلق على هذه المجموعة من الأفكار اسم “لعنة الألفيّة”.

لعنة الألفيّة ليست تعويذة فرعونيّة قديمة أو عنوان فيلم تشويق، بل هي ثقافة سياسية، مجموعة من الأفكار والافتراضات والاستراتيجيات التي تقود وترسم شكل النشاط التغييري في العديد من الحركات، المنظّمات، والناشطين الأفراد. لعنة الألفيّة تشلّ الكثير من الحركات السائدة، وتلقي بظلالها على معظم الحركات التي تنشأ مؤخراً بكثرة.

على متن هذا الكتاب، سنسمّي الحركات التي تتبنّى هذه الأفكار بـ”حركات الألفيّة”، لتمييزها عن الحركات الاجتماعيّة الأخرى. هذا لا يعني أنه هنالك حدود واضحة بين حركات الألفيّة وغيرها بما أن الثقافة السياسيّة هي ظاهرة مرنة ومتداخلة، لكننا سنستعمل التعبير لأنه يسهّل علينا الإشارة إلى الحركات والناشطين الذين يمتلكون ثقافة سياسية متشابهة هي التي نتناولها في هذه الصفحات.

الحديث عن لعنة الألفيّة على أنها إحدى الأسباب الرئيسيّة لفشل النشاط التغييري لا يعني أنها السبب الوحيد. الدولة، الشركات، والعديد من قوى الأمر الواقع الماليّة، الاجتماعيّة، الدينية، والسياسيّة، تنتفع من الستاتوكو وتدافع عنه بشراسة كلما شعرت أنه مهدّد بالخطر. رغم ذلك، علينا أن ننظر أولاً إلى الثغرات في عملنا نحن. لا بأس للمقاتل أن يخسر جولة: لكن إن كان يخسر كل الجولات فهذا يعني أنه عليه النظر إلى مشاكله أولاً قبل وضع نفسه على الحلبة مجدداً في مواجهة خصم آخر.

هذا الكتاب هو محاولة لتشخيص وتفكيك لعنة الألفيّة وإلقاء نظرة نقديّة شجاعة على التكتيكات الهزيلة للنشاط السياسي بدءاً من أسلوب الاحتجاج مروراً بمشكلة الانترنت والنشاط المحترف وصولاً إلى أسئلة التنظيم وأسلوب العيش والمقاربات المنهجيّة والعنف واللاعنف ومكانة الروحانيّة في الروح التغييريّة.

قراءة قصيرة ومثيرة، لكن لا تضعوا عنها ستاتوسات على تويتر! حان وقت إيقاف الستاتوسات والبدأ بالمقاومة السياسيّة المنظّمة، هذه هي رسالة الكتاب.

* * *

هذا المقال هو جزء من كتاب: “لعنة الألفيّة: لماذا يفشل النشاط التغييري”. يمكن قراءة السلسلة الكاملة على هذا الرابط: لعنة الألفية

* * *

5 comments

  1. غير معروف · يوليو 6, 2013

    هل ما زلنا كمتابعين للمدونة لا نستطيع تحميل الكتاب؟! علي العموم، أشكرك و أحييك علي مجهودك و كتاباتك.

    • Tony Saghbiny · يوليو 7, 2013

      رفيقي الكتاب يتم وضعه هنا وسيتم جمعه بكتاب الكتروني مجاني حين انتهي من الترجمة : )
      سلامي لك

  2. وائـــــــــل · يوليو 7, 2013

    على أمل …….
    الحقيقة موضوع غاية بالأهمية.
    و لكن كيف لنا أن نسقط مشروع الألة, أو بالأحرى التكنولوجيا المتحكمة بالبشر,كثير من العقول تأثرت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة, و تأدلجت بفعل الإعلام الموجه, و غيرها من الوسائل.
    أصبح الفرد ينجرُ لفعل ما تريد هذه المنظومة.

    اللعنة🙂

    • Tony Saghbiny · يوليو 7, 2013

      برأيي المتواضع إنقاذ الجميع أو إقناع الجميع بضرورة انقاذ نفسه هو أمر مستحيل وعلينا قبول استحالته لكي يمكن للناس التي تعرف الصورة الكبرى أن تلتقي وتخلق مساحاتها الحية وتنتج واقع بديل بعيداً عن انتظار الناس التي ستقاوم استيقاظها بقدر ما هي مندمجة بالسيستيم
      فيه أمل😀
      تحياتي وائل

  3. تنبيه: لعنة الألفية: لماذا يفشل النشاط التغييري | نينار

التعليقات مغلقة.