ملك من دون مملكة التكتيكات العقيمة للنشاط السياسي

خلال السنوات الأخيرة، تحوّلت أشكال محدّدة من النشاط السياسي إلى عقيدة وهدف بحد ذاتها، ونحن نقصد تحديداً: تكتيك الاحتجاج، تكتيك التخريب العشوائي، وتكتيك القرصنة الالكترونيّة. هذه التكتيكات تختصر وتعبّر عن ثلاثة أنواع مختلفة من النشاط، أحدها لاعنفي بشكل مطلق، وثانيها محصور بالنشاط الالكتروني، وثالثها يوصف على أنه “عنيف” (رغم واقع أن معظم التخريب العشوائي تستهدف الممتلكات لا الناس).

تقليص أشكال النشاط السياسي إلى هذه الأنواع الثلاثة من التحرّكات لا تقزّم فعاليّة النشاط السياسي فحسب، بل تشير أيضاً إلى مشكلة بنيوية في ذهنيّة النشاط “الألفي” كما سنظهر في الفقرات التالية.

من اعتصام لجمعيّة "شمل" في بيروت دعماً لقانون مدني للأحوال الشخصية

من اعتصام في بيروت لجمعيّة “شمل”

* * *

الاحتجاج: لماذا اليافطات والمسيرات وحدها لا تغيّر العالم

بالنسبة للعديد من الحركات حول العالم، الاحتجاج بأشكاله المختلفة – سواء كان بشكله التقليدي كتظاهرة أو مسيرة أو بشكله المعاصر كاعتصام أو مشهد ممسرح في الشارع – أصبح ملك النشاط السياسي من دون منازع.

سمّي أي حركة ناشطة اليوم حول العالم وستجد أن أعلى نقطة في مسيرتها السياسية هي احتجاج ما.

الانتفاضات العربيّة والتظاهرات العارمة التي ابتدأت في العام 2011 جعلت هذا الأمر أسوأ: الجميع يعتقد الآن أن الاحتجاج هو الاداة التي لا تقهر لتحقيق التغيير السياسي. الاحتجاج كان التكتيك الرئيسي الذي اختارته حركة احتلّوا وول ستريت، كما كان الأمر نفسه لحركة إقرار سياسات لمكافحة التغيّر المناخي في العام 2009 (بشكله الممسرح). معظم المنظّمات السياسيّة، الاجتماعيّة والبيئية في أوروبا ومنطقة المتوسّط، ومنها المنظّمات الأكثر راديكاليّة، تعتمد أيضاً الاحتجاج كأداتها السياسيّة المفضّلة.

من نافل القول أن مفهوم الاحتجاج بذاته لا يشير إلى نشاط سياسي إيجابي أو سلبي، فهو وسيلة تعتمد في نجاحها على السياق. وهنا لبّ المشكلة: الاحتجاج كتكتيك سياسي يُستعمل من دون أخذ السياق الاجتماعي والسياسي بعين الاعتبار. الظروف التي نتحدّث عنها والتي تؤثر مباشرة على أي نشاط سياسي هي متعدّدة، منها:

  • طبيعة القضية.
  • الهدف التكتيكي للحركة التي تقوم بالاحتجاج
  • عدد الناس الذين يمكن تعبئتهم وتحريكهم لهكذا نشاط.
  • طبيعة القوى المنخرطة في الصراع.
  • طبيعة وفعاليّة العمل السياسي مع الناس والسلطات في الأيام العادية قبل مرحلة الاحتجاج.
  • وأخيراً، النتائج السياسية المحتملة لمختلف أطراف الصراع (السلطة والحركة المعترضة على السواء) التي يمكن تنتج عن هكذا نشاط (مثلاً: هل لدى الحكومة في البلد المعني سجّل يظهر استماعها للاحتجاجات، قمعها لها، أم تجاهلها بشكل عام؟).
بعض احتجاجات مصر تصلح كمثال لنجاح تكتيك الاحتجاج في تحقيق أهدافه السياسية

بعض احتجاجات مصر تصلح كمثال لنجاح تكتيك الاحتجاج في تحقيق أهدافه السياسية

العامل الأهم هو قدرة منظّمي الاحتجاج على متابعة قضيّتهم والتصعيد إلى أشكال أخرى من النشاط إن كان ذلك ضرورياً، سواء كنا نتحدّث عن القدرة على تحويل القضيّة إلى مادة انتخابيّة أو القيام بتحرّكات أكثر جذريّة وخطورة. في الحالتان، هنالك حاجة واضحة لوجود مجموعات منظّمة أو حركة اجتماعية واسع تستطيع متابعة القضيّة على المدى الطويل بعد فعل الاحتجاج. في ظلّ غياب هكذا منظّمات قادرة على الاستمرار بالتحرّكات بما هو أبعد من حمل يافطة صغيرة في الشارع، لن يكون الاحتجاج سوى ضجّة من دون نتيجة سياسيّة.

المؤلف الأميركي جون مايكل غرير يلاحظ نقطة الضعف هذه في المشهد السياسي الأميركي الشمالي ويقول:

“الأشكال الأكثر شعبية لمحاولة الضغط على النظام السياسي الأميركي تفترض أن السياسيّين سيستمعون إن قام الناس، أو الناشطين الذين يزعمون التحدّث باسمهم، بخلق جلبة كافية. الصعوبة هي أن الناشطين، أو الناس، لا يعطون السياسيين أي سبب لينتبهوا لهم، فهم بكل بساطة يقومون بالضجيج، والسياسيّون اصبحوا واثقين بشكل متزايد أنه يمكن لهم تجاهل الضجيج بحصانة كاملة”[1].

يضيف غرير:

“هذه الأشكال التقليدية من النشاط (الاحتجاجات، المسيرات، حملات التواقيع والرسائل…ألخ) تعمل فقط إن كان صنّاع القرار في السلطة لديهم سبب للاعتقاد بأن الناشطين يمكنهم متابعة حملتهم عبر تحرّكات أكثر فعاليّة، كتحدّي السلطة في الانتخابات المقبلة إن تم تجاهل مطالبهم”.

الاحتجاج قد يكون قادراً على إلقاء الضوء على قضايا مهمّة، لكنّه لا يستطيع التأثير على السياسات العامّة من دون القدرة على المتابعة والتصعيد. بكلمات الباحث الهندي أجاي شاه: “المحتجّ يقول أنه غاضب لأن السيارة لا تعمل، لكن الأمر يستوجب مهندس ماهر لفهم المشكلة في السيارة وإصلاحها”[2].

شاه يعطي أمثلة كثيرة من المشهد السياسي الهندي حيث فشل تكتيك الاحتجاج بتحقيق نتائج مهمّة بسبب غياب المتابعة والتصعيد. من هذه الأمثلة حركة الدكتور كيسان هزاري الذي استفاد من السخط الشعبي على الفساد ووعد بالقضاء على الفساد لكن حركته لم تستطع تحقيق أي نتيجة. “لقد تمّ صرف الكثير من الطاقة، وولّد ذلك الكثير من التغطية التلفزيونيّة، لكنه لم يحقّق شيئاً”، يشرح شاه عن التحرّك.

مثال آخر حصل في العام 2012 حين كان هنالك احتجاج عام في الهند بسبب تردّي نوعيّة مياه الشرب بسبب استخدام مبيدات الحشرات بكثافة. رغم الاحتجاجات العديدة والحاشدة، تمّت إضاعة الفرصة مرّة أخرى، لأنه، وبحسب شاه، “لم يكن لدينا صانعو السياسات والسياسيّين الذين يستطيعون التفكير بإصلاح وضع المياه والصحّة والاستفادة من الغضب لفرض برنامج إصلاحي حقيقي. وبذلك، فشلنا في هذه المرحلة بإزالة مبيدات الحشرات من مياه الشرب في الهند”.

هنالك الكثير من الأمثلة الأخرى من بلدان أخرى؛ بحث صغير على الانترنت كافٍ للتعرّف على الآلاف من التظاهرات والاحتجاجات كلّ عام التي لا تحقّق شيئاً على الإطلاق. معظم حركات الألفية لا تشير للأسف سوى للاحتجاجات النادرة التي نجحت في تحقيق مطالبها وتعتبرها أمثلة على أن تكتيك الاحتجاج لا يقهر. بدل دراسة السياق الذي يؤدّي إلى نجاح بضعة احتجاجات فقط من بين آلاف واستخلاص الدروس منها، تقفز معظم حركات الألفية الى استخدام الاحتجاج متوقّعة نجاحاً فورياً من دون أي اعتبار للظروف المحيطة به.

مع الوقت، تحوّل الموضوع إلى مشكلة حقيقيّة في مشهد النشاط اللاعنفي وهي تسييل ذخر النشاط السياسي إلى شكل واحد وحصري من التحرّكات: الاحتجاج – واختيار هذا التكتيك مراراً وتكراراً بغضّ النظر عن فعاليّته في السياق الذي يُنفّذ به.

كما ذكرنا، مؤيّدوا الاحتجاج غالباً ما يختارون أمثلة تاريخية أو حديثة (كانتفاضات تونس ومصر في العام 2011) للإشارة إلى أن الاحتجاج هو الشكل الأكثر فعاليّة، وحين تفشل احتجاجاتهم بتحقيق أهدافها المنشودة، يعتقدون بأنّ الحلّ هو في القيام بالمزيد من الاحتجاجات. السؤال لا يتمحور ولا مرّة حول ما هو نوع التحرّك أو النشاط الأكثر فعاليّة أو السياق الذي يحصل فيه الاحتجاج، فالاحتجاج كملك للنشاط السياسي لا يتم التشكيك به أبداً. السؤال دائماً هو حول كمّية الاحتجاجات التي يجب القيام بها. وحين يقوم أحدهم – حتى ولو كان من صلب حركة الاحتجاج – بالسؤال حول فعاليّة القيام باحتجاج آخر، لا يُواجه سوى بالتشكيك والغضب، كأنّ تكتيك الاحتجاج هو شكل مقدّس من النشاط. “الشوارع تنادي” هو شعار يُستعمل عملياً لإسكات الأصوات المعترضة على هذا التكتيك المهيمن.

فلنأخذ حركة مكافحة التغيّر المناخي مثلاً. منذ بداية التسعينات، كانت هذه الحركة الواسعة والمتنوّعة تقوم بلا كلل ببناء الوعي، إنتاج الأفلام والوثائقيات ونشر الكتب العلميّة، دفع المشاهير لتبنّي القضية والدفاع عنها، الحصول على دعم معظم مؤسسات المجتمع العلمي في كافة أنحاء العالم، الضغط على مراكز القرار، التحالف مع العديد من الشركات العالميّة وبعض الحكومات، والقيام باحتجاج تلو الاحتجاج. حين تمّ توقيع بروتوكول كيوتو للحدّ من الاحتباس الحراري في العام 1997، كانت حركة مكافحة التغيّر المناخي لا تزال طفلاً صغيراً. معاهدة كيوتو انقضت مهلتها في العام 2012، ورغم النشاط المكثّف لحركة تغيّر المناخ التي نضجت كثيراً منذ العام 1997، لم تحقّق المفاوضات حول معاهدة جديدة أي نتيجة.

ابتداءً من العام 2007، بنت حركة مكافحة التغيّر المناخي تحالف واسع ضمّ مئات المنظّمات البيئية التي وضعت كل مواردها في خدمة قضيّة واحدة. ما التكتيك الذي اختارته هذه الحركة كنوعها المفضّل للنشاط السياسي؟ لقد حزرتم: الاحتجاج، وتحديداً الشكل الممسرح الدرامي من الاحتجاج – الـ Flash mob.

من نشاطات منظّمة 350.org البيئية، في هوليود

من نشاطات منظّمة 350.org البيئية، في هوليود

عشية مفاوضات كوبنهاغن الدولية لإقرار معاهدة جديدة حول التغيّر المناخي في العام 2009، قامت الحركة البيئية بتنظيم 5200 نشاط احتجاجي في وقت واحد في أكثر من 181 دولة في ما وُصف بأنه “أكبر يوم للنشاط السياسي المتزامن في تاريخ الكوكب”[3]. المشهد نفسه تكرّر في العام 2010 مع أكثر من 7000 احتجاج صغير في يوم واحد، ومجدداً في عامي 2011 و2012. خلال عمليّة كتابة هذا النصّ، كان تحالف 350.org يعلن تخطيطه للقيام بالأمر نفسه خلال عامي 2013 و2014 تحت عنوان “غلوبال باور شيفت” (التغيير العالمي للقدرة – السلطة). النشاطات المذكورة – الاحتجاج الممسرح، شملت رسم يافطات كبيرة يمكن قراءتها من الجوّ، رفع يافطات قرب معالم جغرافية وأثرية شهيرة، الغناء، توقيع العرائض، فتح اليافطات والسخرية من المندوبين الحكوميين في المؤتمرات الدوليّة حول تغيّر المناخ، الاجتماع بالمندوبين الحكوميين على هامش المؤتمرات الدوليّة، وتسليم رسائل مكتوبة للرؤساء والحكومات. ما الذي حقّقته كل هذه التحرّكات التي كلّفت ملايين الدولارات – والتي بالمناسبة يتم تنظيمها من موظّفون متفرّغون تصل رواتبهم إلى ثلاثون ألف دولار أميركي في الشهر؟

لا شيء.

التشبّث بالاحتجاج كمحور وحيد للنشاط السياسي لديه الكثير من النتائج السلبيّة على حركة التغيير على المدى البعيد. المنظّمات التي تركّز على الاحتجاج تهمل عادة العمل البنائي الطويل الأمد على الأرض مع الناس. نحن نعني هنا العمل الذي يتمحور حول التثقيف، التعبئة، التنظيم، والدعم وبناء الشبكات الاجتماعية والسياسية الضرورية في أي مواجهات سياسيّة مستقبليّة مع السلطات أو قوى الأمر الواقع. المدوّن اللاسلطوي كولين أو يشير إلى هذه الظاهرة وما يقوله ينطبق على العديد من المجموعات في كافة أنحاء العالم، لا فقط على الولايات المتحدة. يقول:

“الناشطون في الولايات المتحدة يرون الحركات الاحتجاجية في مصر، اضرابات الطلاب في كيبيك، واستيلاء العمّال على المصانع في الأرجنتين ويستنتجون بأنه علينا القيام فوراً بهذا النوع من التحرّكات. ويقفزون بذلك إلى تنظيم احتلال مساحة عامة لأن هذا هو الهدف بحد ذاته ولأن الأمر برمّته يبدو مثيراً. لكن، إن أخذنا خطوة إلى الوراء ونظرنا إلى الحركات التي تلهمنا، سندرك بسرعة بأنهم كانوا قادرين على القيام بتلك التحرّكات الجماهيرية بعد سنوات طويلة من العمل على تطوير المنظّمات ونشر الوعي”[4].

العمل الذي يصفه كولن هو أساس أي تغيير سياسي. رغم ذلك، تصرّ حركات الألفية وناشطوها على استبدال ذلك النوع من العمل بساعتين من الأدرينالين العالي في احتجاج يعطينا شعور بالنشوة من دون أن يحقّق شيئاً. المشكلة مع معتنقي أيدولوجية الاحتجاج أنهم يهملون هذا النوع من العمل المضني الضروري الذي تقوم به عادة حركات منظّمة لفترة طويلة قد تكون أشهر أو حتى سنوات قبل القيام باحتجاج مؤثر. الاحتجاجات الناجحة لا تكون أبداً نتيجة بروز مفاجىء لهاشتاغ # معيّن على تويتر.

حين استعملت حركة الحقوق المدنية في الستينيات في الولايات المتحدة تكتيك الاحتجاج لتغيير الأمر الواقع بنجاح، كان نجاحهم نتيجة سنوات طويلة من البناء والتنظيم والتحوّلات الثقافية والعمل السياسي اليومي. تحرّكاتهم كانت أبعد ما يكون عن المسيرات السلميّة الفولكلوريّة التي نرى الكثير منها اليوم، وقد واجهوا سلطة محرجة على الجبهة الداخلية ومنهكة على الجبهة الخارجية ومستعدّة للتفاوض على مطالبهم. الاحتجاجات حصلت في فترة كانت فيها العنصرية تحت إدانة متصاعدة من قبل الثقافة الأميركية الأوسع.

ثمن رفض مطالب الحركة المدنية آنذاك بقيادة مارتن لوثر كينغ كان يعني فتح الباب أمام تفتّت البلد وصعود المليشيات الشعبيّة المسلّحة في صفوف السود التي تعتمد أساليب أكثر راديكاليّة كحركة مالكوم أكس والفهود السود. قصّة نجاح الحركة المدنيّة في الولايات المتحدة ليس ببساطة أنهم “قاموا بمسيرة مرّة وحصلوا على حقوقهم في اليوم التالي”، بل هي مرتبطة بسياق اجتماعي سياسي معقّد أتاح لتكتيك الاحتجاج النجاح.

الأمر نفسه ينطبق على التحركات المصرية والتونسيّة في العام 2011 وما بعده. الانتفاضتان كانتا نتيجة عقود طويلة من الصراع السياسي والثقافي، وكلاهما استعملتا تكتيكات جريئة وأبعد بكثير من مجرّد الاحتجاج، وهذه التكتيكات شملت النشاطات المباشرة، إضرابات العمّال، المواجهات المباشرة والعنيفة مع السلطة ومرتزقتها في الشارع، احتلال المباني وإغلاق الشوارع والتعطيل الاقتصادي، ضرب البنية التحتية السياسيّة والأمنيّة للحزب الحاكم كإحراق سيارات الأمن ومقرّ الحزب الحاكم واحتلال مراكز أمن الدولة.

هذه النشاطات هي أبعد ما يكون عن المسيرة الفولكلوريّة السلميّة التي يتم تبجيلها اليوم في أوساط الكثير من الحركات السياسية. الثورتان شهدتا موت وجرح آلاف الناس، واعتقال وتعذيب عشرات الآلاف غيرهم قبل تحقيق أهدافها الأوّلية. تجدر الإشارة أيضاً إلى أن التظاهرات المناوئة للأنظمة لم تكن عفويّة، بل كانت تجري في مصر مثلاً لعقد على الأقلّ قبل إسقاط النظام في شباط 2011.

العديد من الحركات الشعبيّة مثل حركتا 6 أبريل وكفاية، نقابات العمّال، روابط الطلاب، ومبادرات الناشطين كانت تقوم لسنوات قبل الثورة بمواجهة السلطات وبناء الوعي ودفع الثمن لذلك بحياتهم وحرّيتهم. رغم ذلك، لم ينجح هدف إسقاط النظام إلا حين أصبحت الظروف السياسية، الاجتماعية والاقتصادية الكبرى مؤاتية لنجاح هكذا أمر. فعل الاحتجاج نفسه لم يكن ضمانة النجاح أو محرّكها.

نجاح الانتفاضة المصريّة لعام 2011 ارتبط بالعديد من العوامل المحلية والدولية وبطبيعة ردّة فعل الناس وتحرّكهم الذي قاد في نهاية المطاف إلى تجميد البلد بالكامل وإعطاء نظام حسني مبارك خيارين لا ثالث لهما: التنحّي، أو بدء حرب أهليّة.

ما يجب أن ننتبه له هنا هي أنه حين واجه الطغاة العرب الآخرين هذين الخيارين، اختار بعضهم قصف التظاهرات المدنيّة بالطائرات الحربيّة من دون أن يرفّ لهم جفن.

الانتفاضات العربيّة نفسها التي تم تمجيد تكتيك الاحتجاج على وقعها شهدت في الواقع فشل هذا التكيك في معظم البلدان العربية الأخرى وفي التظاهرات التي تلت الثورتان المصريّة والتونسيّة في هذين البلدين. الاحتجاجات فشلت في تحقيق نتائج مباشرة في ليبيا، اليمن، سوريا، لبنان، البحرين، الجزائر، والسعوديّة. معظم هذه الحالات انتهت بقمع وحشي فعّال من الحكومات في وجه حركة الاحتجاج (البحرين والسعودية)، بتحرّك عسكري حاسم (ليبيا)، بتراجع الحركة بمفردها (لبنان والجزائر)، أو بحرب أهليّة مفتوحة (سوريا). الاحتجاجات أيضاً فشلت في تحقيق نتائج تذكر لحركة احتلوا وال ستريت في الولايات المتحدة والحركات المشابهة لها في أوروبا.

من احتجاجات احتلوا وول ستريت في الولايات المتحدة

من احتجاجات احتلوا وول ستريت في الولايات المتحدة

على المدى الطويل، الاحتجاجات تبدّد طاقة الحركة من دون أن تعطيها شيئاً في المقابل. هذا الإصرار على جعل الاحتجاجات الشكل المفضّل للنشاط السياسي حوّلها أيضاً إلى النشاط الأكثر ملائمة لأصحاب الامتيازات، سواء كانوا في صفوف المحتجّين أم في صفوف السلطة. في الأحوال العاديّة، معظم الاحتجاجات تقتصر على عدد محدود من الناشطين المحترفين الذين يسكنون قرب مركز المدينة أو في العاصمة ويملكون الكثير من الوقت والموارد بحوزتهم. ظاهرة رؤية نفس الوجوه في الاحتجاجات المدنيّة هي ظاهرة تتكرّر في العديد من المدن في أنحاء العالم.

المشي في الشارع مع يافطات أو رفع يافطة جريئة حول التغيّر المناخي في مؤتمر لدول أوبك هي تحرّكات (وأحياناً بهلوانات) دعائيّة جيّدة، لكنها ليست نشاط سياسي فعّال. لا نستطيع تغيير سياسة دوليّة أساسيّة كسياسة الطاقة عبر إحراج بعض المندوبين لخمس دقائق في مؤتمر ما؛ القرارات السياسية لا تُصنع على هذا الأساس والقوى التي نواجهها اليوم لا يمكن إخراجها من سياساتها التدميرية بإحراجها. تمجيد تكتيك الاحتجاج يشير إلى أن التخطيط الاستراتيجي لحركات التغيير في ظلّ لعنة الألفية هو غير موجود، أو يقوم على رؤية طفوليّة جداً للسياسة.

أولئك الذين يديرون العالم لا يكترثون بيافطاتنا وشعاراتنا، لا يفهمون سوى لغة القوّة. وحين نقول قوّة، لا نعني بالضرورة استخدام العنف لأن القوّة تأتي بأشكال كثيرة ويمكن مواجهتها بأشكال كثيرة كذلك. لكن، حتى الحركات التي تزعم أنها تفهم واقع القوّة والسلطة وتسعى لمواجهة المنظومة الحاكمة عبر وسائل غير سلميّة هي عالقة أيضاً بنفس الدوّامة من العقم الاستراتيجي.

التخريب (العشوائي) هو مثلنا التالي.

* * *

هذا المقال هو جزء من كتاب: “لعنة الألفيّة: لماذا يفشل النشاط التغييري”. يمكن قراءة السلسلة الكاملة على هذا الرابط: لعنة الألفية

* * *