التخريب: تصريح سياسي-ثقافي أم تعطيل استراتيجي؟

هذا المقال هو جزء من كتاب: “لعنة الألفيّة: لماذا يفشل النشاط التغييري”. يمكن قراءة السلسلة الكاملة على هذا الرابط: لعنة الألفية

* * *

خلال عمليات التخريب السياسي في أوكلاند في الولايات المتحدة خلال اعتصام لحركة احتلوا وول ستريت

خلال عمليات التخريب السياسي في أوكلاند في الولايات المتحدة خلال اعتصام لحركة احتلوا وول ستريت

كلمتا Vandalism و Sabotage يُترجمان في العربية بكلمة واحد هي “التخريب” رغم اختلافهما في المعنى. الأولى تشير غالباً إلى التخريب العشوائي أو الهمجي غير الممنهج، فيما الثانية تشير عادة إلى التعطيل الاستراتيجي للبنى التحتية الذي تقوم به الجيوش وحركات المقاومة خلال الحروب والصراعات السياسيّة. وبهذا المقطع، نحن نناقش التخريب العشوائي Vandalism الذي تقدّسه معظم الحركات الأنركية والإيكولوجية العميقة بنفس الطريقة التي تقدّس بها المجموعات اللاعنفيّة تكتيك الاحتجاج.

التخريب هو فعل تدمير الممتلكات والبنى التحتيّة كوسيلة للتعبير عن موقف سياسيّ أو كتكتيك في الصراع. الممتلكات المُستهدفة في معظم عمليات التخريب السياسي حول العالم تعود عادة للحكومة أو الشركات الكبرى، لكن التخريب السياسي يكون أيضاً أكثر عشوائية من ذلك في الكثير من الأحيان.

بالنسبة للعديد من المنظّمات الراديكالية، التخريب هو الكأس المقدّسة للنشاط السياسي، خاصة أنه يتضمّن مخاطر أعلى على السلامة الشخصيّة للناشطين الذين يقومون به. التخريب هو لمعظم الذين يقومون به اليوم هدف بحدّ ذاته، وغالباً ما يتم بطرق عشوائية ومرتجلة خلال أعمال الشغب والتظاهرات، ونادراً ما يتم اختيار الأهداف بحسب وزنها الاستراتيجي. لهذا السبب، لم تؤدّي عقود من التخريب في أوروبا وأميركا الشمالية إلى أي نتيجة سياسيّة على الإطلاق.

تخريب المقاهي وسلاسل مطاعم الوجبات السريعة وواجهات المحال الفخمة قد يكون تصريحاً سياسياً نوعاً ما، لكنّه بالتأكيد ليس تحرّكاً فعالاً يمكن أن يقود إلى تغيير حقيقي. التخريب قد يكون فعّال جداً، لكن في ظلّ سياق محدّد جداً ومع أهداف محدّدة جداً. كما مع الاحتجاج، الإصرار على التخريب كهدف من دون أخذ السياق بعين الاعتبار يلهي الحركة عن القيام بعمل حقيقي طويل الأمد على الأرض ويغذّي نفس نوع التفكير اللاستراتيجي المنتشر في صفوف حركات الألفيّة.

في نقد لتكتيكات البلاك بلوك (الكتلة السوداء) التي يتم فيها استخدام الكثير من التخريب اللاستراتيجي، يشير المؤلف دريك جنسن إلى أن

“تفكيرهم ليس غير استراتيجي فحسب، بل هو يعارض بنشاط الاستراتيجيّة. هم لا يريدون التفكير بشكل نقدي حول ما إذا كانوا يتصرّفون بشكل مفيد في اللحظة. ليس لدي مشكلة مع أي شخص يريد خرق حدود العنف حين يكون هذا الخرق الردّ الذكي والمناسب للظروف، لكن لدي مشكلة هائلة مع الذين يخرقون حدود العنف حباً بتجاوز الحدود. من الأسهل لدرجة كبيرة التقاط حجر عن الارض ورميه على النافذة الأقرب مقارنة مع بناء التنظيم، أو على الأقل مقارنة مع التفكير إلى أي نافذة تحديداً نريد أن نرمي الحجر قبل رميه. الكثير من هذا التفكير يعود إلى الكسل”[1].

ثيودور كازينسكي، المعروف بـ Unabomber (قام بحملة تفجيرات في الولايات المتحدة في الثمانينات والتسعينات لإسقاط النظام الصناعي-التكنولوجي)، أيضاً يتحدّث عن هذه القضية:

“تدمير ماكدونالدز أو ستاربكس لا جدوى منه. ليس الأمر أنني اكترث لماكدونالدز أو ستاربكس، لا أكترث إذا ما قام أحدهم بتحطيم هذه المطاعم والمقاهي أم لا. لكن هذا الفعل ليس نشاطاً ثورياً. حتى ولو تمّت إزالة كل مطاعم الوجبات السريعة في العالم، لن يعاني النظام الصناعي-التكنولوجي سوى القليل من الأذى كنتيجة لذلك، بما أنه يستطيع الاستمرار بسهولة من دون سلاسل مطاعم الوجبات السريعة. حين تهاجم ماكدونالدز او ستارباكس، أنت لا تضرب السيستيم في المكان الذي يؤلم”[2].

يتابع كازينسكي بالقول: “للعمل بشكل فعّال على إزالة النظام الصناعي-التكنولوجي، على الثوريين أن يهاجموا السيستيم في نقاط لا يستطيع التراجع عنها. عليهم أن يهاجموا الأعضاء الحيويّة في جسم السيستيم”. ويعدّد صناعة الطاقة والكهرباء، صناعة الاتصالات، صناعة الكمبيوتر، صناعة البروباغاندا (التعليم والإعلام)، وصناعة التكنولوجيا البيولوجية والتعديل الجيني كأهداف حيوية تستطيع تغيير مجرى المعركة مع السيستيم.

لكن رغم ذلك، هذه الانتقادات لا يبدو أنها تصل إلى العديد من الحركات الراديكالية التي لا تزال تعتبر أن التخريب بأسلوبه العشوائي هو الطريق الوحيدة للخلاص.