القرصنة الالكترونية: هل تستطيع المعارك الالكترونية رسم معالم الواقع؟

هذا المقال هو جزء من كتاب: “لعنة الألفيّة: لماذا يفشل النشاط التغييري”. يمكن قراءة السلسلة الكاملة على هذا الرابط: لعنة الألفية

* * *

ما هي القرصنة السياسية

ما هي القرصنة السياسية

المشكلة نفسها التي شخّصناها في تكتيكات الاحتجاج والتخريب العشوائي نجدها أيضاً في الأشكال الأخرى غير التقليديّة من النشاط السياسي مثل القرصنة الالكترونيّة لأهداف سياسيّة المعروفة بالانكليزية باسم Hacktivism.

القرصنة كفعل سياسي هي بالنسبة لكثيرين شكل راديكالي من النشاط على الانترنت. بروز مجموعات القرصنة الناشطة والمنظّمة مثل أنونيموص Anonymous قد غيّر بالتأكيد ملامح النشاط المرتكز على الانترنت. مجموعات أنونيموص خاضت الكثير من المعارك التي شملت أمور من كارتيلات المخدرات والمواقع الإباحية التي تحتوي على صور قاصرين وصولاً إلى إغلاق مواقع الشركات المالية الكبرى والأجهزة والمؤسسات الحكوميّة.

وفقاً لتقرير من شركة التعاقد الأمني رادوير[1]، عمليّة أنونيموص المعروفة باسم “الانتقام” خلال مواجهة WikiLeaks مع الحكومة الأميركية في العام 2010 كانت نقطّة تحوّل رئيسيّة في المشهد الأمني في عام 2011. وفي العام 2012، وضعت مجلّة التايم الأميركية مجموعات أنونيموص على لائحة أكثر المجموعات تأثيراً في العالم[2].

وفي تقرير حول تصاعد التحدّيات الأمنيّة في عصر المعلومات، سمّى حلف الناتو مجموعات أنونيموص كفاعل جديد ومهم على المسرح الدولي وخاصة أنه قد يطوّر القدرة قريباً على الدخول إلى شبكات الحكومة وسرقة ملفات حسّاسة[3].

المفارقة هي أن التقارير نفسها تذكر أن النتيجة الأكثر بروزاً لهجمات أنونيمص هي أن المواقع الالكترونية للحكومات والمؤسسات المالية التي تعرّضت للقرصنة أصبحت أكثر أمناً ومناعة تجاه الهجمات الالكترونية بعد موجات عامي 2011 و2012. هجمات أنونيموص ومعظم هجمات القرصنة من المجموعات الاخرى لم تؤدي ولا مرة إلى تعطيل استراتيجي للنشاط الحكومي أو نشاط الشركات والأجهزة على أرض الواقع.

على سبيل المثال، خلال المواجهة بين WikiLeaks والحكومة الأميركية، أوقفت شركات باي بال، ماستر كارد، وفيزا، خدماتها لموقع WikiLeaks، ووعدت أنونيموص بالتصعيد رداً على القرار. الهجمات التي تلت من أنونيمص حجبت المواقع العامّة لهذه الشركات لكنها لم تعطّل شبكات التحويل المالي لها للحظة واحدة.

على الجهة الأخرى، من المثير للاهتمام أن نرى أن مجموعات القرصنة ومجموعات النشاط على الأرض لا تزال منفصلة عن بعضها البعض لحدّ كبير. كنتيجة، مجموعات القرصنة تخسر حليفاً استراتيجياً مهماً يستطيع جعل ضرباتها أكثر فعاليّة، فيما مجموعات النشاط تخسر سلاحاً مهماً في معركتها مع السلطات والشركات. كنتيجة لهذا الانفصال، نادراً ما نفّذت مجموعات القرصنة ضربة غيّرت مجرى الأمور في الصراعات السياسيّة.

هذه المجموعات استطاعت بالتأكيد توجيه ضربات مؤلمة هنا وهناك وإحراج بعض الحكومات والشركات، لكن ذرباتهم لم تستطع تغيير قواعد اللعبة، وهذا لأن قواعد اللعبة لا يمكن تغييرها عبر الانترنت وحده.

معضلة تدنّي فعاليّة القرصنة – خصوصاً حين تكون يتيمة وغير مرتبطة بنشاط أوسع على أرض الواقع – ترتبط أيضاً بالطبيعة المؤقّتة والمتحرّكة للمشهد الالكتروني. فماذا يبقى مثلاً من الرسالة إن عاد الموقع الالكتروني المستهدف كما كان بعد 24 ساعة من القرصنة؟ وما هو التأثير الذي يتركه هكذا هجوم الكتروني على أرض الواقع؟

النقد حول فعاليّة الأشكال الثلاثة من الاحتجاج، التخريب، والقرصنة الالكترونية، سواء كان مذكوراً في هذا النصّ أو على لسان المؤلفين والناشطين الذين استشهدنا بكلامهم، يرتكز على فكرة أن الحركات التي تقوم بهذه النشاطات مهتّمة بشكل رئيسي بتحقيق نتائج سياسيّة استراتيجيّة. لكن المشكلة هي أن الاعتماد على هذه الأشكال الثلاثة من النشاط هو في جوهره لا يهدف لتحقيق نتائج حقيقيّة على أرض الواقع، بل هو تعبير عن مشكلة أعمق موجودة في قلب الحركات السياسيّة الألفيّة، سنتحدّث عنها الأسبوع المقبل.