التكتيكات العقيمة للنشاط السياسي: هل نريد القيام بضجّة أم تحقيق تغيير حقيقي؟

هذا المقال هو جزء من كتاب: “لعنة الألفيّة: لماذا يفشل النشاط التغييري”. يمكن قراءة السلسلة الكاملة على هذا الرابط: لعنة الألفية

* * *

من الاحتجاجات في مصر

من الاحتجاجات في مصر

حين تلاشت حركة احتلوا وول ستريت، معظم الحركات والناشطين والمعلّقين الألفيين أعلنوا أنها في الواقع حقّقت أمراً مهماً جداً: إدخال قضيّة العدالة الاجتماعيّة إلى قلب النقاش العام. هذا الميل للقول أن الانجاز الاكبر لحركة احتجاج هو وضع قضية ما تحت الضوء العام يُستعمل في كل مكان لتبرير فشل حركات الاحتجاج. المشكلة الحقيقيّة هي أن الحركات والناشطين الألفيين لا يصدّقون أن هكذا هدف متواضع هو انجاز عظيم فحسب، بل يعتقدون أن الاحتجاج نفسه هو مجرّد طريقة لإيصال الصوت والهواجس، لا لتحقيق نتائج سياسيّة استراتيجيّة.

الصحافي الانكليزي أديتيا شاكرابروتي يعطي مثالاً جيداً عن هذه الذهنية السائدة ويذهب خطوة أبعد إلى اعتبار أن مجرّد وجود حركة احتلّوا وول ستريت هو انجاز. في مقالة رأي بمناسبة الذكرى السنوية الأولى للحركة، عبّر شاكرابرواتي عن دهشته عن مقارنة الحركة المتلاشية بحزب الشاي (اليميني الأميركي) القوي:

“على الجهة الأولى لدينا مجموعة من العدميين اليمينيين الذين يقبضون أجور من المليونيرات الأخوان كوش والذين يمتلكون محطتهم التلفزيونية الخاصة فوكس نيوز؛ وعلى الجهة الثانية لديك مجموعة من الطلاب المتواضعين، العاطلون عن العمل، وبضعة شبان مع مدوّناتهم الخاصة. بالنظر إلى أحجامهم المختلفة، من الملفت أن حركة احتلوا استطاعت الوصول إلى ما وصلت إليه، محوّلة شعار ‘نحن الـ 99 %’ إلى أحد أكثر الشعارات المدوّية في تاريخ الحملات السياسيّة”[1].

شاكرابروتي لا يحدّد كيف أن شعار الـ “99 %” هو أكثر شعار مدوّي في التاريخ لكنه يتابع ويعدّد انجازات أخرى للحركة وهي “إطلاق النقاش” لبعض الناس: “صرف حركة احتلوا بهذه الطريقة يتجاهل ما حققته الحركة حتى الآن. حديقة زوكوتي (في نيو يورك) سمحت لمئات الغرباء بتطوير حجج سياسيّة وروابط قويّة على السواء”.

أعظم انجاز لحركة وعدت بتغير المشهد السياسي الأميركي برمّته هو إذاً مساعدة بضعة مئات من الناس على تطوير حجج سياسيّة جدية؟

ماريا سيترين، مؤلفة كتاب “الأفقيّة: أصوات السلطة الشعبيّة في الأرجنتين”، مدحت حركة احتلوا بنفس الكلمات تقريباً:

“العديد داخل حركة احتلوا، ومن بينهم المشاركين الذين تحدّثت معهم في اليونان واسبانيا، يؤمنون بأنهم نجحوا بطرق مهمّة: تغيير الخطاب السياسي الوطني والعالمي، تحقيق تغييرات صلبة في حياة الأفراد، إعادة القوّة للحركات الشعبيّة من الأسفل، بالإضافة إلى ما قد يكون النقطة الأهم: إعطاء الناس شعوراً بأن المجتمع والعالم يمكن أن يكون مختلفاً وبأن نشاطهم يمكن أن يحقّق ذلك. ومن هذا المنظور، وفيما لا يزال هنالك الكثير من التحدّيات أمامنا، حركة احتلوا ستكون وتبقى منتصرة”[2].

مرّة أخرى، تتمحور الانجازات التي عدّدتها سيترين حول كلمات مثل “تغيير الخطاب”، “تغيير حياة الأفراد”، “إعطاء الناس شعوراً”، وليس حول تحقيق تغيير حقيقي في السياسات العامة أو بنية المنظومة السوسيو-اقتصاديّة. سيترين تفترض حتى أن الهدف نفسه لحركات مثل حركة احتلوا ليس “خلق برنامج أو حزب سياسي سيضع خطّة للآخرين ليلتزموا بها. هدفهم ليس تحديد الطريق الذي يجب أن يأخذه بلد معيّن”. ما هو الهدف إذاً من القيام بتعبئة سياسيّة وإعلاميّة بهذا الحجم؟ تجيب سيترين: “خلق مساحة للحوار يستطيع الجميع المشاركة فيها ونستطيع فيها القيام سوياً بتحديد ما يجب أن يبدو عليه المستقبل”. حتى إن “الآلاف من المجالس والاعتصامات التي حصلت في الولايات المتحدة، اليونان، وإسبانيا، هددفها هو فتح المساحات للناس للحديث عن هواجسهم ورغباتهم”[3].

من احتجاج للحركة الأنركية في الولايات المتحدة

من احتجاج للحركة الأنركية في الولايات المتحدة

الارتباك حول هدف حركات الاحتجاج مثل حركة احتلوا لا يقف هنا. في مقالها الذي اعتبر تعبيراً عن جوهر حركة احتلوا، تشرح سيترين مثلاً أن “نقطة المرجع بالنسبة لهذه الحركات ليس الدولة أو السياسة التقليدية. لا يوجد هنالك رغبة بالاستيلاء على الدولة أو خلق حزب جديد. حركة احتلوا ترفض هذه الأشكال من السياسة التمثيليّة وتركّز بدلاً منها على الناس الذين يأخذون حياتهم بيدهم ويوسّعون المساحات الديمقراطية التي يعملون ويعيشون فيها”. نحن نوافق على هذا الاتجاه، لكن سيترين في المقطع التالي تقول أن هكذا حركات لديها مطالب مثل “احتواء سلطة الشركات، توسيع حقوق الوصول إلى المسكن والتعليم، وإنهاء برامج التقشّف والحروب”. السؤال هنا هو: كيف يمكن لحركة ترفض السياسة التمثيليّة أن يكون لديها في الوقت نفسها مطالب موجّهة إلى السلطة السياسيّة والدولة؟ سيترين لا تجيب عن ذلك.

المثالين من شاكرابروتي وسيترين يعبّران لحدّ كبير عن كيفية تعامل اليسار، الليبراليين، والتيارات الألفية الأخرى مع حركات الاحتجاج. هذين المثالين يظهران ميل أوسع في حركات الألفية في كل العالم يعتبر أن “إطلاق النقاشات العامة” هو أعظم انجاز لحركة، كأنه لا يوجد نقاشات لا تحصى تحصل كل يوم في الشارع والجامعات والحقول والمكاتب وعلى الانترنت والاعلام.

من المثير للاهتمام أن مؤيدي التخريب العشوائي لديهم المقاربة نفسها: هدف التخريب بنظرهم ليس تحقيق نتائج استراتيجيّة بل دفع النقاش العام قدماً. بالنسبة لمعظم الحركات الداعمة لنشاطات التخريب، هذا الفعل ليس تكتيكاً يُستعمل لقلب السيستيم، بل للتعبير عن الثقافة البديلة فقط.

في حديث للإعلام، تشرح مجموعة ACME الأنركية الأميركية، والتي كانت منخرطة بقوّة في أحداث الشغب الشهيرة في سياتل خلال مؤتمر منظمة التجارة العالمي عام 1999، عن مفهومها للتخريب الذي يشير بوضوح إلى أنه تعبير عن موقف وليس نشاط استراتيجي. تقول الحركة:

“حين نحطّم نافذة، نحن نهدف لتحطيم القشرة الرقيقة من الشرعيّة التي تحيط بحقوق الملكيّة الفرديّة… النوافذ المحطّمة يمكن إغلاقها ومن ثم إصلاحها، لكن تحطيم المفاهيم سيستمرّ لبعض الوقت”[4].

مثال آخر يمكن أخذه من قمّة دول G20 في تورونتو في كندا عام 2010 التي شهدت نشاطات تخريب واسعة قادت إلى اعتقال مئات الناشطين. قبل شهر من القمّة، أعلنت مجموعة أنركية تُدعى “تحالف المقاومة الأنركية في جنوب أونتاريو” SOAR، عن خطّتها لإقامة “احتجاجات عنيفة” وتوعّدت بأن “الحركة ستكون عنيفة ومجابهة”، إلا أن الهدف الذي حدّدته المجموعة من النشاط كان ثقافياً ونفسياً ولم يكن الهدف تحقيق نصر استراتيجي أو تكتيكي: “سوف نذلّ الجهاز الأمني ونجعل نخبة تورنتو تندم على السماح لعصبة الـ G20 بالقدوم غلى تورنتو”[5].

أحد المنظّمين، ألكس هوندرت، شرح وجهة النظر هذه بعد الأحداث معتبراً أن التخريب “يعمل كماكينة هدم تفتح الطريق أمام مجموعات احتجاج أخرى للتعبير عن قضاياهم المتنوّعة”. تحطيم نوافذ في شركة هودسون باي كو (التهمة التي اعتقل هوندرت على خلفيتها)، “فتح في الواقع مساحة للكنديين للتوقّف لحظة والتفكير بالتاريخ الاستعماري لهذه الشركة”، وفقاً لهوندرت[6].

“الصدم الثقافي” و”تحطيم المفاهيم” هي أيضاً الأهداف الرئيسيّة بالنسبة لجون زيرزان، أحد الفلاسفة الرئيسيين الذين أثروا على الحركة الأنركية-البدائية المعاصرة، والذي سُمّي بالأب الروحي لشغب سياتل في العام 1999. بالنسبة لزيرزان، النوافذ المحطمة “هي بمثابة جرس إنذار مصمّم للفت انتباهنا إلى الكارثة الاقتصادية، الاجتماعية، والبيئية المتسارعة. عندها يمكنك التوقّف لكي تشرح (للرأي العام) لماذا يقوم بعض الناس بذلك (التخريب). وعلى الإعلام أن يعطي مساحة لذلك لكي يعرف الناس ماذا يجري”[7].

رغم تواضع الهدف، فتح نقاش يبقى هدفاً أفضل بكثير من شعار إحدى مجموعات أنونيموص المعروفة باسم lulzec الذي يقول: “نحن نفعلها (القرصنة) من أجل الضحكات”. المشكلة هي أن القيام بالنشاط السياسي حباً بالضحك ليس كافياً أبداً لتغيير واقعنا البيئي، الاجتماعي، الاقتصادي والسياسي المتردّي، وكذلك لا ينفعنا تقزيم حركات احتجاج بأكملها وتكتيكات خطيرة كالتخريب إلى هدف فتح محادثات تحصل يومياً من دون هذه النشاطات أساساً.

...

لماذا تم اختزال أساليب النشاط السياسي بالهدف الخجول “إسماع صوتنا” أو “تغيير النقاش” بدل تحقيق تغيير حقيقي؟ ماذا حدث لحركات التغيير وجعل معاييرها متدنّية إلى هذه الدرجة؟

لا يوجد على الأرجح جواب شافٍ لهذا السؤال، لكن يمكننا تحليله قليلاً.

حين تحصر حركات بأكملها أهدافها بإسماع صوتها لمن هم في السلطة، هذا يعني ببساطة أنهم يتوقّعون من أولئك الذين في السلطة أن يسمعوهم وأن يقوموا بالتغيير المنشود بالنيابة عنهم، أو باسمهم. بكلمات أخرى، هم يؤمنون بأنهم يحتاجون للسلطات للقيام بالتغيير الذي لا يمكن أن يأتي بالنسبة لهم سوى من مكان آخر: من أولئك الذين يجلسون في المكاتب الحكوميّة الفخمة ويمشون في أروقة مؤسسات الدولة. الجوهر الثقافي للأشكال الحالي من الاحتجاج، التخريب، والقرصنة هو تعبير عن ثقافة سياسية بأكملها تقوم على فكرة المطالبة بالتغيير من السلطات بدل فرضه عليها فرضاً أو القيام به بأنفسنا.

الهدف النهائي للثقافة السياسية الألفية هو إطلاق موقف سياسي أو ثقافي، المطالبة بشيء ما من السلطات والشركات والرأي العام. الهدف هو توسّل هذه الأطراف، أو إغاظتها لدرجة كافية للاكتراث بقضية ما. في قلب النشاط الألفيّ هنالك ثقافة توسّل سياسي بين فريق لا حول ولا قوّة له وفريق يمتلك كل السلطة، وهذا النوع من الثقافة السياسيّة لا يمكن أن يحقّق شيئاً لأنه لا يستطيع أن يتجاوز ذهنيّة العبد والسيّد. وكما نحن على وشك أن نرى في أماكن أخرى من هذا الكتاب، نوع التغيير الذي نحتاجه لا يمكن لأي حكومة أو شركة أو طرف سياسي أو اقتصادي في العالم أن يعطيه أو يحقّقه لنا. كل حكومات العالم لا تستطيع أن تأخذ قراراً واعياً بإيقاف منظومة عبوديّة العمل والرأسمال أو بإيقاف الاقتصاد وتخفيض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون لمكافحة التغيّر المناخي مثلاً. رغم ذلك، لا تزال حركات سياسية واسعة كحركة مكافحة التغيّر المناخي تؤمن بأنه “إن كان هنالك حركة عالمية شعبية تضع قادتنا أمامنا وقائع العلم ومبادىء العدالة، نستطيع تحقيق حلول تضمن مستقبلاً أفضلاً للجميع”[8].

حقاً؟ أليس الإيمان بأمر من هذا النوع في الكثير من السذاجة؟

في مديحه لحركة “Idle No More” الاحتجاجية في كندا، كتب المؤلف والناشط يعقوب ديفاني، الذي هو أيضاً مؤسس ومدير مبادرة واسعة في كندا باسم Culture Collective، يتوقّع نشوء “سوبر حركة عالمية” تراهن على القادة السياسيين لتصحيح الأمور. يقول دافني: “سواء كنا نتحدّث عن أنونيموص وويكي ليكس تفضح فساد الحكومات، أو الهنود بطبولهم يرقصون ويغنّون في مركز تسوّق محلي، الناس في كلّ مكان تستيقظ، ترفع صوتها، وتنشط من أجل التغيير. حان الوقت للقادة السياسيين والدينيين أن يفهموا الرسالة في كل مكان”[9]. هذه الجملة تلخّص طبيعة المشكلة في الثقافة السياسيّة الألفية التي تتوسّل السلطة لتحقيق التغيير.

في هذه المرحلة من حياة الرأسمالية الصناعية، معظم الأنظمة السياسية في العالم هي عقيمة بالكامل، غير فعّالة، وفي بعض الأحيان هي مجرّد ديكور تزييني لبلد ما. حجم المعضلات وحالة الانهيار المتقدّمة في حضارتنا تعني أنه حتى حين تنجح المطالب السياسية في فرض سياسات عامة جديدة، فذلك لن يكون كافياً للتعامل مع المشكلة. الطريقة الوحيدة أمامنا لتحقيق تغيير إيجابي هي بناء مجتمعات منيعة متناغمة مع الأرض ومع نفسها من دون تبديد طاقتنا على الجسم الميت للدولة والسلطة، إلا حين يقف في وجه تحقيق أهدافنا.

لعلّ الجوهر غير المعروف للنشاط السياسي الألفي هو حقيقة أنه يعبّر عن ادمان ثقافتنا العصريّة على الحلول السريعة. نحن نعتقد أن كل ما نحتاجه لتغيير وضع سياسي أو اقتصادي أو بيئي ما هو بضعة أيّام من الاحتجاج، أو بضعة أفعال من التخريب، أو بضعة هجمات قرصنة على موقع شركة ما. لكن الحقيقة تقول أنه لا يوجد حلول سريعة لمعضلاتنا الإنسانيّة الحالية، لا الآن، ولا غداً. لا يوجد فعل أو نشاط واحد يمكنه أن يحلّ كل شيء بضربة واحدة. هنالك فقط حلول صعبة أمامنا، وأحياناً لن يكون هنالك حلول على الإطلاق. لا نستطيع المرور في كل التحولات المؤلمة التي تنتظرنا خلال السنوات القادمة ونحن نؤمن بأشكال عقيمة من النشاط السياسي لا تهدف سوى لتحقيق بعض الضجّة. نحن نحتاج لضجّة أقل، وعمل أكثر.