النضال على كوكب آخر: مشكلة محوريّة الانترنت في النشاط السياسي

هذا المقال هو جزء من كتاب: “لعنة الألفيّة: لماذا يفشل النشاط التغييري”. يمكن قراءة السلسلة الكاملة على هذا الرابط: لعنة الألفية

* * *

...

*

طوني صغبيني

*

الانترنت هو اليوم جزء أساسي من النضال السياسي. بالنسبة لجيلنا الرقمي، من الصعب تخيّل كيف يمكن أن يبدو النشاط التغييري من دونه. الشبكة العنكبوتيّة أتاحت لآلاف الناشطين والمجموعات بالتواصل، تبادل الأفكار، جمع المعرفة، وبناء شبكات عملاقة ببضعة نقرات على الزرّ ومن دون كلفة تُذكر – انجازات كانت مستحيلة بالنسبة للحركات السياسية في العقود الماضية.

العديد من الحكومات تخاف من الانترنت وتحاول السيطرة عليه. الكثير من الكتب نُشرت حول كيف يقوم الانترنت بتمكين المواطنين العاديين، وحتى أجهزة الاستخبارات تعترف بتأثيره الهائل على الشبكات السياسيّة. الاستخبارات الكندية مثلاً لاحظت في تقرير لها كيف أن الانترنت

“يسمح بالتواصل والتنسيق من دون الحاجة لمصدر مركزي للقيادة، وهو يسهّل التحرّكات المنسّقة من دون بيروقراطية وبالحدّ الأدنى من الموارد”[1].

وفقاً للعالم السيوسيولوجي الاسباني مانويل كاستيلز، الانترنت هو محوري للناشطين الجدد لأنه “يؤمّن المنصّة الأساسية للنقاش، وللتأثير على أفكار الناس، ويخدم في نهاية المطاف كسلاحهم السياسي الأكثر فعاليّة”[2].

في تحليلها لاستخدام حركة احتلوا وول ستريت للانترنت، تشير الباحثة ميشيل أوبراين إلى أن “حركة احتلوا وول ستريت تستعمل الانترنت بطرق عديدة كأداة للوصول والتعبئة. ذلك يشمل إنتاج إطارات تحدّد مجال الحركة والنشاط عبر نشر البيانات، المبادىء والسياسات؛ ويشمل أيضاً بناء شبكات من خلال المجموعات الالكترونيّة البارزة ومن بينها مراكز الأبحاث، والمجموعات القانونية والإعلامية والتطوعيّة؛ ويشمل نشر موارد مهمة مثل الكتيبات الالكترونية بالإضافة إلى إظهار أهدافهم السياسية عبر التنظيم الالكتروني للتحركات التي تشمل الاعتصامات، التظاهرات، والمسيرات”[3].

أوبراين تخلص إلى القول أن الانترنت ساهم في ظهور نوع جديد من النضال:

“من خلال صعود حركات كاحتلوا وول ستريت، يمكن أن نقول منذ الآن أننا دخلنا عصر جديد من النضال، وُلد من، ويعبّر عن نفسه ويعمل من خلال منظومة مجتمعيّة متشابكة الكترونياً”[4].

أبرواين محقّة حين تقول أن الانترنت ساهم في ظهور نوع جديد من النشاط، لكن هل هذا النوع الجديد أفضل أم أسوأ من سابقه؟

بالنسبة لمعظم ناشطي وحركات الألفيّة، هنالك اجماع لا نقاش فيه أن هذا النوع الجديد هو أفضل. لكن المثير للسخرية، أن هذه الحركات نفسها – المستفيدة من أكثر التكنولوجيات تطوراً التي عرفها البشر في تاريخهم – تترنّح في مسيرها وتفشل في تحقيق أهدافها. في المقابل، هنالك عدد لا يحصى من الحركات الاجتماعية والسياسية والمقاومة والثورية التي كانت موجودة، عملت بفعاليّة، وحقّقت أهدافها قبل عقود وسنوات من ظهور الانترنت. في الواقع، يمكننا أن نجادل بأن معظم الخصائص التي اكتسبها النضال بتأثير من الانترنت هي سلبيّة، حتى تلك التي يتم عادة مدحها على أنها فتح عظيم.

صعود أهمّية الانترنت ودوره يمكن تسميته بـ”محوريّة الانترنت” تسهيلاً للنقاش، وهي من دون شك إحدى اكثر لعنات الألفيّة خبثاً بعدما حوّلت النضال التغييري إلى مسابقات شهرة الكترونيّة لا تمتلك الكثير من التأثير على العالم الحقيقي.

في كتابه “وهم الشبكة” (2011)، يتحدّث الكاتب البيلاروسي إيفجيني مورزوف عن محوريّة الانترنت كفلسفة نضال تحدّد كيفيّة صناعة القرارات والاستراتيجيات البعيدة الأمد في البلدان الغربيّة فيما يتعلّق بتسويق الديمقراطية في بلدان العالم الثالث[5].

هذه الفلسفة تعزّزها أيدولوجية “المثالية الرقميّة”. الأخيرة هي الاعتقاد المتحمّس بأن الانترنت وحده هو أداة تمكين ذات اتجاه واحد تساعد الديمقراطية والتحرّر. محوريّة الانترنت التي حلّلها موروزف مهيمنة بقوّة على دوائر القرار في العواصم الغربيّة، لكن هذه الذهنية هي أيضاً الأيدولوجية النضالية الرئيسية للعديد من الحركات والناشطين حول العالم اليوم.

بكلمات موروزف،

“محوريّة الانترنت هي مخدّر مربك جداً؛ فهو يهمل السياق ويأسر صانعي السياسي في الإيمان بأنهم يمتلكون حليف قوي وفعّال إلى جانبهم. حين يتم الإيمان بها بشدّة، تؤدّي إلى العجرفة، الغرور، وشعور زائف بالثقة، كلّه مسنود بالوهم الخطير بالتمكّن من القيادة الفعّالة للانترنت”[6].

التعريف الذي وضعه موروزف يصلح لوصف محوريّة الانترنت لدى حركات الألفيّة. يمكننا أن نقول أن محوريّة الانترنت هي التفكير، التخطيط والعمل ضمن سياق الانترنت بدل سياقات العالم الحقيقي. تحت تأثير محوريّة الانترنت، الاستراتيجيات والأنشطة تصبح متمحورة حول الانترنت لدرجة أن النشاط السياسي الطويل الأمد الذي لا يمكن تحويله إلى شريط يوتيوب أو صورة فايسبوك يختفي كلياً عن خارطة نضال الناشطين والحركات السياسية. الأولوية تُعطى للانترنت والظهور على حساب السياق وفعاليّة النشاط نفسه.

رغم أن الانترنت “لا يعطي شيئاً مضموناً”، و”يمكّن القوي ويضعف الضعيف”، بكلمات موروزف، إلا أن الحركات الناشطة تعتمد عليه لدرجة كبيرة كأنه تذكرة مضمونة لتحقيق كل أهداف التغيير الاجتماعي والسياسي من دون التوقّف للحظة للتفكير بما إذا كان لديه نتائج سلبية على الحركة. المحوريّة العميقة للانترنت تؤدي إلى اعتناق أسلوب غير نقدي في التعامل مع الانترنت وأدواته العديدة، ما يغذّي بدوره العديد من الآثار السلبية التي تلقي بظلالها على فعاليّة النشاط التغييري.

من هذه الآثار، نذكر:

 *

النشاط الفردي على حساب العمل الجماعي

الفردية المفرطة هي سمة عامة لعصرنا وليست نتيجة الانترنت، لكن الانترنت في جوهره وخاصة بنسخته الاجتماعية هو مهندس بطريقة تقوّي دائماً الفرديّة على حساب الجماعة. الاعلام الاجتماعي ليس اجتماعياً تحديداً، لكنه العكس تماماً: هو مهندس لمكافأة الفرديّة والانجازات الشخصيّة. إنه نرجسيّة بامتياز. تأثير هذه الهندسة على النضال السياسي لا يمكن قياسها علمياً، لكننا نستطيع أن نقول بثقة أن الانترنت هو بوضوح عامل يشجّع على ترويج صورة “الناشط الفرد” بدل ترويج ضرورة وجود منظّمات فعّالة.

 *

...

*

تعزيز سلوكيّة الجماعة-العصابة

من المثير للاهتمام أن تعزيز سلوكيّة الجماعة-العصابة هو أيضاً أحد خصائص الانترنت والإعلام الاجتماعي بشكل عام. البعض قد يعتقد أن هذه الظاهرة متعارضة مع الظاهرة التي تحدّثنا عنها أعلاه – تعزيز الفرديّة على حساب الجماعيّة – لكن الظاهرتان تنبعان في الواقع من نفس طبيعة الانترنت. الفرديّة التي يشجّعها الإعلام الاجتماعي هي عادة فردية مقولبة جداً.

بعد قضاء بعض الوقت في مواقع الاعلام الاجتماعي يمكن للشخص أن يلاحظ أنه هنالك أدوار اجتماعيّة مقولبة ومحدّدة مسبقاً للجميع: للناشط، للفنّان، للجيغولو، للمثقف، وللمتحمّس السياسي…ألخ. لكي تدّعي الانتماء إلى مجتمع الناشطين مثلاً، عليك أن تمتلك أو تظهر المعايير التي حدّدها المجموع بشكل مسبق على الانترنت، كالطريقة التي تتحدّث بها، والمفردات التي تستخدمها، وحتى طبيعة صورة البروفايل (التي عادة ما تكون صورة لك في تظاهرة أو مع يافطة). وفوق كل ذلك، عليك أن تمثّل بنجاح الذهنيّة التي نسمّيها في هذا الكتاب “لعنة الألفيّة”.

على السطح، تبدو الفرديّة أنها تعبّر عن تنوّع هائل وحرية إضافية على الانترنت، لكن على مستوى أعمق هي تعبّر في الواقع عن العكس تماماً: عن عمليّة القولبة المستمرّة على الانترنت، عمليّة فرض التطابق في الأدوار الاجتماعية، وغياب الحرّية. النقطة الأخيرة يمكن أن نراها بوضوح حين ينفجر سلوك الجماعة-العصابة على الإعلام الاجتماعي فيما يتعلّق بقضيّة عامة ما.

حدث واحد قد يغرق الإعلام الاجتماعي لأيّام بنفس المضمون والفيديوهات والستاتوسات من دون توقّف أو رحمة وفي ظلّ وجود مساحة صغيرة جداً للتعبير عن الآراء المختلفة. إعطاء رأي مخالف لرأي الجموع في دوائر الناشطين حول أي وجه كان من الانتفاضات العربية للعام 2011 على سبيل المثال كان محرّماً في البداية في المساحات العربية من وسائل الإعلام الاجتماعي.

الأمر نفسه حصل في العديد من الدوائر الليبرالية واليسارية في الغرب حين انطلقت حركة احتلوا وول ستريت. في الحالتين، الناشطين الذين تجرّأوا على أن يكونوا نقديين تعرضوا للبلطجة الالكترونية، تم رفضهم، نبذهم، تهديدهم أحياناً، وقمعهم بشكل عام لكي  ينصاعوا لرأي الغالبية أو يلتزموا الصمت.

بشكله الحالي، الانترنت لا يشجّع كثيراً على النقد والتفكير الذاتي، أو حتى التفكير بشكل عام؛ في ظلّ كل الحركة التي تحصل أونلاين من دون انقطاع 24 ساعة في اليوم، من الصعب جداً التوقف والتفكير بوضوح حول القضايا العامة، إلا إن انقطعنا عن الانترنت كلّه لفترات دورية.

 *

تعزيز النقص الحادّ في الثقافة السياسيّة

كان هنالك آمال عالية في الماضي معقودة على الانترنت بأنه سيكون أداة تعزيز ثقافيّة، وهو بالفعل يمكن أن يكون أداة هائلة في هذا المجال. لكن للأسف، جانب الإعلام الاجتماعي من الانترنت يتحرّك في الاتجاه المعاكس ويعزّز نقص جدّي في الثقافة السياسية في صفوف الجيل الرقمي. في ظلّ وجود هذا الكمّ الهائل من الإلهاءات الالكترونية والتركيز الهائل للإعلام الاجتماعي على “أنا، أنا، أنا”، من النادر أن نرى ناشطاً يخصّص ما يكفي من الوقت اليوم لقراءة كتاب مثلاً.

العمليّة البطيئة والمنهكة لبناء ثقافة سياسيّة صحّية عبر فهم المبادىء، التاريخ، والسياقات السياسية، يتم استبداله بطوفان من المعلومات الفارغة التي لا يتعدّى أكبرها خبر من خمسة أسطر. هذا الطوفان من تحديثات الستاتوسات، الفيديوهات، والاخبار، يعرقل العديد من الشباب من اختيار الطريق الأطول لبناء ثقافة سياسيّة حقيقيّة.

أثر آخر للإعلام الاجتماعي هو الجهل التام للناشطين بالتاريخ وبماضي قضيتهم نفسها في البقعة الجغرافية التي يعيشون فيها، بما أن الاعلام الاجتماعي هو دائماً حول تحديثات اللحظة الحالية فقط. لا يوجد استمراريّة ثقافيّة تُذكر في النضال السياسي في دوائر ناشطي الألفيّة، والناشطون نادراً ما يتعلّمون أو يستفيدون من دروس التجارب التي سبقتهم. ولذلك نراهم يكرّرون الأخطاء نفسها التي كان يمكن تجنّبها لو كان لديهم فهم كافٍ للتاريخ والبُنى السياسيّة.

إلى ذلك، الحجم الهائل للمعلومات التي نتعرّض لها يومياً في الإعلام الاجتماعي، وطريقة تشظّي ما نأخذه من معلومات، تعرقل بوضوح بروز ثقافة سياسيّة متناغمة على المستوى الاجتماعي الأوسع في صفوف الشباب. جيلنا بالكاد يكاد يتفق على مفهوم سياسي واحد، فكيف بثقافة بأكملها؟

 معضلة الإعلام الاجتماعي أنه فيما يعطي الجميع صوتاً يسهّل تمكينهم سياسياً، هو يصعّب كثيراً على الناس أن يمتلكوا صوتاً موحداً في وجه السلطات وقوى الأمر الواقع، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى إضعافهم أكثر من السابق. هذه الملاحظة تقودنا إلى ظاهرة سلبيّة أخرى لمحوريّة الانترنت: ظاهرة التشظّي.

*

...

 *

ظاهرة تشظّي الجهود والقضايا

نعني بظاهرة التشظّي، تشظّي الجهود، الوقت، الموارد، الرأي العام، والقضايا في كل مكان ننظر إليه في مشهد النضال السياسي الألفي. هذه الظاهرة لا تعود حصراً إلى مشكلة محوريّة الانترنت ولديها أسباب كثيرة أخرى، لكن محوريّة الانترنت تعزّزها بالتأكيد.

الإعلام الاجتماعي جعل من الممكن لأي كان أن يدعوا لتظاهرة، يعلن قضية جديدة، أو يسعى إلى تثبيت وجود سياسي ما، ما شجّع ولادة عدد لا يحصى من المبادرات والمجموعات التي رأى بعضها النور لأنه كان من البسيط جداً لشخص واحد أن يضع وصف صفحته على فايسبوك على أنها “منظّمة”. بدل أن يكون لدينا حركات قويّة تعمل باستراتيجيات وأهداف واضحة، لدينا اليوم الآلاف من المجموعات الصغيرة، التي لا يتعدّى عددها أحياناً شخصين، تتنافس فيما بينها للبروز الالكتروني والإعلامي بدل التركيز على تحقيق أهدافها التغييريّة.

 *

مسابقة الشهرة الإعلامية

هذه واحدة من أكثر التأثيرات المعروفة للإعلام الاجتماعي على حركات الألفية. بدل التركيز على العمل السياسي الطويل الأمد على الأرض، معظم منظّمات وناشطي الألفية مهووسين باكتساب الظهور الإعلامي والانتشار الواسع على الإعلام الاجتماعي، كأن هذه الأمور هي أهداف بحد ذاتها، لا وسيلة لهدف أكبر. كنتيجة، هنالك عمليّة استبدال مستمرّة للتخطيط والعمل الطويل الأمد بتحرّكات قصيرة الأمد لا تمتلك أي تأثير على الواقع سوى أنها تكتسب شعبية الكترونيّة أكبر.

العديد من الحركات تهمل اليوم العمل الطويل الأمد لصالح تحرّكات فوريّة تحصل على اهتمام اعلامي أو الكتروني، كتظاهرة أو اعتصام. حتى إن تعريف النضال السياسي نفسه بات مرتبطاً بالظهور الالكتروني، كالحضور في أي تظاهرة عشوائية نُدعى إليها على فايسبوك. أولئك الذين يعملون على مشاريع طويلة الأمد في الظلال من دون أن يبرزوا أنفسهم على شبكات الاعلام الاجتماعي لا يتم اعتبارهم أحياناً جزءاً فاعلاً من مجتمع الناشطين.

هذا السعي المستمرّ نحو الظهور الالكتروني والإعلامي أثر سلبياً على قدرة العديد من الحركات على القيام بعمل استراتيجي حقيقي، كما أنه سهّل على السلطات تعقّب ومراقبة الناشطين والحركات السياسية. موروزوف يتحدّث عن هذه القضية بالتفصيل في كتابه، ويعطي مثال الانتفاضة الخضراء الفاشلة في إيران عام 2009: “(الناشطون) أعطوا الأجهزة السرّية الإيرانية منصّات استثنائية لجمع المعلومات بشكل مفتوح حول الثوريين المقبلين… ذات مرّة، كانت الأنظمة مضطرّة لممارسة التعذيب للحصول على هذا النوع من المعلومات؛ اليوم، هذه المعلومات متاحة بشكل مجّاني”[7].

 *

النضال الالكتروني الكسول Slacktivism

السلاكتيفيزم – أو النضال الالكتروني الكسول – يُعرّف على أنه الانخراط في نشاطات الكترونية (عبر النقر على فأرة الكمبيوتر بشكل أساسي) مرتبطة بالقضايا العامة من دون أن يكون لهذه النشاطات تأثير فعلي على الواقع، لكن عادة ما يتمّ تقديمها على أنها “نشاط الكتروني”.

بكلمات المؤلف مالكوم غلادويل، “الإعلام الاجتماعي يقود إلى نوع من النضال السلبي، أو النضال خلال الجلوس على كرسي، عبر تسهيل عمليّة التعبير الذاتي للناشطين، لكنه يجعل من الصعب لعمليّة التعبير هذه أن يكون لديها أي أثر على الواقع”.

السلاكتيفيزم منتشر بقوّة اليوم لدرجة أنه من الصعب تقدير العدد الحقيقي لمؤيدي قضيّة ما بسبب التضخّم الزائف الذي تعطيه الأدوات الالكترونية لحركات الألفيّة. يمكن لحركة ما أن يكون لديها 10 آلاف مشجّع على صفحتها على فايسبوك فيما يكون لديها فقط خمس أعضاء فاعلين على الأرض. دعوة لتظاهرة على فايسبوك يمكن أن تصل إلى تأمين موافقة 50 ألف شخص لحضورها، لكن في يوم التظاهر نرى 400 شخص فقط.

للأسف، السلاكتيفيزم ليس محدوداً في أوساط الناشطين الفرديين فحسب حيث بتنا نرى حركات بأكملها يقتصر عملها على النشاطات الالكترونية.

 *

التشوّش بين الأدوار الالكترونية والادوار النضالية على أرض الواقع

خلال الاضطراب السياسي والانتفاضات التي انتشرت في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط منذ عام 2005 مروراً بالعام 2011، سرق المدوّنون، مستخدمو تويتر، والناشطون الالكترونيون الأضواء في الإعلام الغربي على أنهم الناس الذي كانوا ينظّمون ويحرّضون الثورات على الأرض. واستمرّت هذه الظاهرة من بعدها حيث تم التعامل مع الناشطين الالكترونيين على أنهم طليعة التغيير الاجتماعي والثورة حتى يكاد يصبح ذلك حقيقة لا نقاش فيها في الإعلام المحلّي ودوائر الناشطين على السواء. كنتيجة، العديد من الناشطين الالكترونيين يجدون أنفسهم من وقت لآخر في أدوار قياديّة خارج الانترنت بسبب وجودهم الالكتروني البارز.

خلال الانتفاضات العربية في العام 2011، وجد العديد من المدوّنون ومستخدمي تويتر ومديرو صفحات فايسبوكيّة أنفسهم يشاركون في أدوار قياديّة في ثورة حقيقيّة بسبب دورهم الالكتروني. لكن، في العديد من الحالات، أثبت الواقع أن ذلك كان سيئاً لحيويّة الحركة بشكل عام. فالمهارات، الثقافة، والعادات التي يكتسبها الناشطون الالكترونيون هي مختلفة بالكامل عن ما تحتاجه الحملات الناجحة خارج الانترنت. نحن نناقش لنقول أنه لا يمكننا أن نكون حتى ناشطين فعليين إن كان كل نشاطنا في الحياة متمحور أو مرتبط بالانترنت، وإن كنا نتصل بشبكات الإعلام الاجتماعي لـ 12 ساعة في اليوم، فكيف إن كنّا نتحدّث عن أدوار قياديّة؟

الوجود الالكتروني البارز والقيادة على أرض الواقع تحتاجان لمجموعتان مختلفتان من المهارات، ومن النادر جداً أن نجدهما في شخص واحد. ظاهرة وجود الناشطين الالكتروني في واجهة الصراعات النضالية تعزّز في الواقع كل الظواهر التي تحدّثنا عنها في هذا الفصل في صفوف الحركات التغييرية، وخصوصاً ظاهرة غياب الثقافة السياسيّة وتشظّي الجهود.

محوريّة الانترنت في النشاط السياسي الألفي كان لديها نتائج سلبيّة جداً على حركة التغيير حتى الآن، فهي تحوّل الطريقة التي نقوم بها بالعمل النضالي من التركيز على الأهداف والعمل البعيد الأمد على الأرض إلى التركيز على التحرّكات القصيرة الأمد، السلاكتيفيزم، والتنافس على البروز الالكتروني. قد يبدو من الساذج القول أن صورة رائعة ليافطة ذكية ما على فايسبوك مع آلاف اللايكات ليست كافية لتحقيق التغيير الاجتماعي، لكن للأسف، العديد من أبناء جيلنا الرقمي سيجدون الجملة الأخيرة غريبة جداً.

2 comments

  1. تنبيه: لعنة الألفية: لماذا يفشل النشاط التغييري | نينار
  2. LuCa · سبتمبر 2, 2013

    من وجهة نظري الانترنت “السلاكتيفيزم” بدء كبير وكان ناجح نسبياً في تحقيق تأثير ..

    مع توسع وكبر الشبكة قل تأثيره نتيجة الخلط بين الأفكار والآراء المتعارضة، بـ الإضافة أنها أصبحت ملجأ للمتطرفين و المتصيدين مما قلل من قيمة النضال والعمل التطوعي والإنتقاد الجاد والصحيح …

    الإنترنت قد يكون مهم ويعكس واقعنا ولكنه يظل “وسيلة” وليس “غاية”🙂

التعليقات مغلقة.