انتظار القيامة الجماهيرية ومعضلة الحلول الفرديّة

هذا المقال هو جزء من كتاب: “لعنة الألفيّة: لماذا يفشل النشاط التغييري”. يمكن قراءة السلسلة الكاملة على هذا الرابط: لعنة الألفية

* * *

revolution

ثورة الملايين أتت عدّة مرات وذهبت، ولم تنقذنا…

*

طوني صغبيني

*

في ظلّ  التحولات التي يشهدها مشهد النضال السياسي، هنالك تحوّل يطال أيضاً رؤيتنا لكيفية تحقيق التغييرات المنشودة. مشهد النشاط التغييري اليوم تتنازعه فكرتان غير واقعيّتان: الفكرة الأولى تقول أنه هنالك ثورة جماهيرية مثالية ستأتي يوماً ما لتنقذنا جميعاً ونعيش من بعدها بسعادة إلى الأبد، والفكرة الثانية تقول أن التغيّرات الكبرى سوف يتم تحقيقها عبر الخيارات الفرديّة البديلة التي نأخذها كأفراد اليوم. قد يبدو لنا للوهلة الأولى أن الفكرتان متناقضتان، فالأولى جماهيرية والثانية فرديّة، لكنهما في الواقع فكرة واحدة: الانتظار، أو بتعبير آخر الرهان على الأعمال الفرديّة بانتظار حدث غامض في المستقبل نؤمن به إيماناً دينياً صرفاً.

هذه الأيدولوجية المزدوجة تعبّر عنها المقولة المكرّرة كثيراً اليوم في أوساط الناشطين والمنسوبة لرائد اللاعنف الهندي مهاتما غاندي “كن التغيير الذي تريد ان تراه في العالم – Be the change you want to see in the world. وفقاً لمؤيدي هذا الطرح، بانتظار الثورة الكبرى، يجب أن يقوم المزيد من الناس باتخاذ نفس الخيارات البديلة في حياتهم الشخصية – مثل القيام بالزواج المدني بدلاً عن الزواج الديني، العمل بتعاونيّات بدلاً من العمل بمؤسسات رأسمالية، التسامح تجاه الطوائف الأخرى بدل التشدد الديني، شراء المنتجات المحلية بدل المنتجات الاجنبية، تخفيف استهلاك الكهرباء واستخدام الدراجة بدل السيارة للتنقّل…ألخ. وفقاً للأيدولوجية، هذه الخيارات سوف تخلق في يوم ما “كتلة حاسمة” (الجماهير مجدداً) ستكون كافية لتحقيق تغييرات جذرية على أرض الواقع في كلّ المجتمع. البعض يرى أن الكتلة الحاسمة سوف تعبّر عن نفسها على شكل ثورة على السلطات، والبعض يرى أنها ستكون أكثر سلميّة وتدرجاً – لكن الجوهر في الحالتان واحد.

الحركات النسوية واللاسلطوية تركّز حالياً بشكل كبير على هذا الطرح؛ فالنساء عليهن تغيير أسلوب تفكيرهنّ ونمط حياتهنّ وطريقة تعاطيهن مع أنفسهنّ والآخرين (وهذا صحيح لكنّه يجب أن يكون الخطوة الأولى فقط) ، واللاسلطويون عليهم أن يعيشوا خارج هرميّة السلطات القمعيّة في العمل والمدرسة والمجتمع قدر المستطاع (وهو أمر مستحيل). معظم الحركات البيئية التقليدية بدورها تضع فلسفة الخيارات الفردية وانتظار القيامة الجماهيريّة في قلب استراتجيتها، وتدعو الناس لاتخاذ خيارات “خضراء” في حياتها كشراء السيارات الكهربائية والمنتجات الصديقة للبيئية – وهو فعل يؤدي إلى استمرار نفس الآلة الصناعية الانتاجية التي تسبّب الأزمة في الأساس. العديد من الحركات اليسارية (وخاصة الغربية منها) انزلقت أيضاً إلى هذه الطريقة في التفكير وباتت تشدّد على الخيارات الفردية كتكتيك مواجهة مع النظام الرأسمالي، ومنها الامتناع عن الاستهلاك، التسوّق محلياً، التهرّب من الضرائب، والمقاطعة الاقتصادية لبعض الشركات…ألخ.

العديد من المنظمات كـحركة المقاومة الخضراء العميقة وحركات أخرى لاحظت مكامن الخلل في هذه المقاربات وتنتقد كل المنهج المذكور. المشكلة في مقاربة “العمل الفردي-الانتظار الجماهيري” هي أنها لا ترتكز على التغيير المنهجي المنظّم في البنى التي تسبّب المشكلة، بل تهدف ببساطة إلى “نشر المزيد من الحقائق حول أفضل الخيارات الفردية التي يجب تبنّيها من قبل الناس لحلّ المشكلة”، بحسب تعبير أحد محلّلي هذه الاستراتيجية. يتابع: “يمكن اختصار (هذه المقاربة في النضال) بـ: إيجاد الحقيقة، نشر الحقيقة، والتشديد على الحقيقة”[1]. الاستراتيجية تتمحور إذاً حول نشر المعلومات لا حول العمل المنظّم الفعّال.

حين تفشل هذه المقاربة بتحقيق نتائج، عادة يكون خيار أصحابها هو القيام بالمزيد من الأمر نفسه. مع الوقت، هذا التشديد على الخيارات الفردية يصبح متماثلاً مع أسلوب التشديد الديني على “النقاء الحياتي” في الممارسات اليوميّة ما يغرق حركة التغيير في عدائية أفقية وعداوات فردية لا طائل منها.

المؤلف دريك جنسن لاحظ أنه:

“ما أن تصبح عدائياً تجاه التنظيم والتفكير الاستراتيجي، الأمر الوحيد الذي يبقى لك هو التركيز على النقاء في أسلوب العيش الفردي”[2]. “الخيارات الفردية (كمقاربة تغييرية)”، يقول جنسن، “جلست مكان التنظيم في الكثير من مفاصل التفكير البيئي التقليدي. بدل معارضة الدولة-الشركة، تصرّ هذه المقاربة على أننا يجب أن نستعمل محارم ورقيّة أقل وأن نزرع القليل من الحدائق. هذا الموقف غير فعّال. حين تتخلّى عن التنظيم أو تكون عدائياً تجاهه، كل ما يبقى لك هو هذا التشديد العارم على النقاء الذي يصبح مع الوقت عقيدة جامدة. وتبدأ مثلاً بانتقاد الناس الذين يستعملون هاتفاً. هذا ينطبق مثلاً مع الخضريين وتشديدهم على الحمية الغذائية الفردية. وينطبق على الناشطين المعادين للسيارات العاملة على الوقود تجاه أولئك الذين يقودون سيارات…ألخ”.

هذه الاستراتيجية بالكاد تلامس سطح الأمور ولا تستطيع حلّ مشاكل بنيوية منهجيّة نابعة من مؤسسات لا تستمدّ قوتها ولا سلطتها من الخيارات الفردية لمجموعة محدودة من الناس.

النتيجة الأخيرة لتطبيق هذه المقاربة هي دعوة عامة للناس بالانسحاب من السيستيم إلى زاوية بديلة، بدلاً عن مواجهته. بناء بدائلنا الحرّة بعيداً عن المنظومة المهيمنة هو بالتأكيد أمر مطلوب وهو استراتيجية جيّدة بشكل عام، لكنه غير ذي فائدة على الإطلاق إن لم يكن مترافقاً مع مقاومة فعّالة تعالج جذور المشكلة وتفكّك المؤسسات التي تقوم بجوهرها على العنف، الظلم، والتدمير.

هذا الإصرار على الحلول الفردية يؤدي إلى الخلط بين أسلوب الحياة الفردي والنضال السياسي. منذ أن أعلنت النسويّات الغربيّات أن “الشخصي هو سياسي”، أقنعنا أنفسنا بأن القيام بالمزيد من التغيرات الفردية والقليل من التنظيم السياسي هو أفضل لقضايانا. صحيح أنه من المهم أن نعيش حياة مسؤولة وواعية ومنسجمة مع قناعاتنا، لكن التغيرات في أسلوب العيش الفردي لا تعني أننا نظّمنا مقاومتنا ولا تستطيع تحقيق تحوّلات استراتيجية فعليّة لأن المواجهة هي مع مؤسسات لا مع أفراد – ولا يمكن مواجهة المؤسسات سوى بمؤسسات بديلة.

التحوّلات البنيوية لا يمكن تحقيقها سوى بمقاومة منظّمة وممنهجة. التغييرات الفردية في حياتنا الشخصية، مهما كان عدد الأشخاص الذين يتبنّوها، هي بكل بساطة ليست مقاومة منظّمة.

مليارات الدولارات التي تُصرف على التسويق على سبيل المثال، تعني أنه سيكون هنالك ملايين من الأشخاص الجدد يحلمون بشراء واستهلاك تلك السيارة الجديدة مقابل كل شخص يفكّر ببيع سيارته والتنقّل على درّاجة هوائية، فالخيارات الفردية والسلوك الفردي بشكل عام ينبعان من بنية المجتمع وليس العكس. إن كان المجتمع ومنظومته السائدة يقدّم خيار قيادة سيارة رياضية ويصرف الملايين لإقناع الناس بشرائها ويربطها بقيمهم وبرمزيّة مركزهم الاجتماعي، سوف يكون لديك مجتمع فيه الكثير من الناس الذي يطمحون لشراء سيارة رياضية وقيادتها بسرعة على الطريق، حتى ولو كانت كل سيارة جديدة تعني المزيد من التدمير البيئي والعنف الطبقي. كذلك الأمر إن كانت المنظومة السائدة لا تقدّم خيار امتلاك سيارة خاصة وتعتمد بالمقابل على العضلات البشرية أو الدراجات الهوائية أو النقل العام؛ سيكون أمام الأفراد حينها خيارات أخرى متاحة ومعظمهم لن يخطر على بالهم حتى أن امتلاك سيارة خاصة أمر ممكن.

هذا ينطبق على كافة الأمور الأخرى في المجتمع: إن كان السيستيم مبني على النمو، الربح، وتمجيد المال والممتلكات، معظم الناس سيدخلون إلى سباق الفئران بشغف لتحصيل المزيد من الأموال وامتلاك المزيد من الممتلكات (كما يحصل الآن). الأمر هو بهذه البساطة. أما إن كان المجتمع ومنظومته السائدة مبنيّان على الاستدامة، الروح الاجتماعية، وعلاقة بشرية صحّية مع الأرض والمخلوقات الأخرى، فإن معظم الناس سيتبعون هذه القيم بشكل فطري من دون سؤال. هنالك أمثلة تاريخية لا حصر لها تثبت صحّة هذه المقاربة.

للأسف، فكرة “الكتلة الجماهيرية الحاسمة” التي ستحقّق التغيير تقود إلى سوء فهم آخر ينتشر بقوّة من وقت لآخر وتعبّر عنه جملة “الناس تستيقظ”. الإيمان بهذه الجملة هو أمر ضروري للإيمان بفكرة “القيامة الجماهيرية”، فكيف ستأتي القيامة إن لم تكن الناس تستيقظ؟

فلنعالج هذه الفكرة قليلاً ونفكّر باحتمال القيامة الجماهيرية الموعودة.

في كلّ مرة يظهر فيها بضعة آلاف من الناس في تظاهرة، يتحمّس اليسار والتيار المدني ليعلن بأنها بداية النهاية للرأسمالية، للرئيس، للنظام السياسي، أو للإمبريالية العالمية. لكن الحقيقة القاسية هي أن الناس لم تستيقظ، ولن تستيقظ على الأرجح، الناس هي بكل بساطة أكثر غضباً لأن الانحدار البطيء للحضارة الصناعية يأخذ ما تبقّى لهم من عيش وكرامة.

معظم الناس ليسوا غاضبين لأن النظام السياسي غير عادل أو لأن الشركات تدمّر الكوكب من أجل الربح. هم غاضبون لأنهم لا يستطيعون تحقيق مستوى الحياة الذي وعدتهم به الرأسمالية. هم غاضبون لأنهم لا يشعرون بالأمان في وظيفتهم. غاضبون لأنه لا يمكنهم شراء منزل الأحلام الذي وعدتهم به أفلام السينما. هم بتعبير آخر، غاضبون لأنهم مرتبطون بما تقدّمه لهم الدولة والسلطات الاقتصادية الحكومية من غذاء ومسكن في وقت لم تعد الدولة قادرة على تأمين أي شيء لمواطنيها. نعم، الكثير من الناس هم أكثر غضباً تجاه السلطات، والكثير من الناس مستعدّون للنزول إلى الشوارع الآن وخلال السنوات المقبلة، لكن للمطالبة بماذا تحديداً؟ هل غضبهم موجّه في الاتجاه الصحيح؟

الجماهير الغاضبة تستطيع بالتأكيد قلب نظام حكم وأكثر، ولقد قامت بذلك بالفعل، لكن كيف يحلّ ذلك معضلة السجن الكبير واحتضار الكوكب والسقوط البطيء للحضارة الصناعية؟ طالما أنه لا يوجد هنالك رؤيا تقود إلى تغييرات منهجية، الغضب سيكون مجرّد دورة أخرى تغذّي نفس رؤية السيستيم المهيمن على الكوكب.

معظم الانتفاضات الشعبية  المقبلة لن تحصل لأن الناس تريد أن تغيّر الواقع، بل العكس تماماً: الانتفاضات تحصل وستحصل أكثر لأن الناس تعتقد أن تغيير الرؤساء أو الأنظمة سيساعدهم على استعادة الواقع القديم واستعادة مستوى معيشتهم والأمان الاقتصادي النسبي الذي عرفه آبائهم أو عرفوه هم في عقد التسعينات والنصف الأول من عقد الألفية. معظم الانتفاضات الشعبية لن يكون هدفها انقاذ غابات الكوكب أو بناء مجتمعات لاسلطوية أو إنقاذ المشرّدين، بل ستحصل لأن الناس لا تزال تلجأ للسلطات المركزية لتأمين احتياجاتها الأساسية في وقت لم يعد يمكن لأحد تأمين هذه الاحتياجات.

الحقيقة الأصعب في هذا المجال هي تقبّل فكرة أن الجماهير ليست هي من يحقّق عادة التغيير الاجتماعي والسياسي، بل المجموعات الصغيرة المنظّمة والأفراد الشجعان الذي عملوا لعقود قبل الانتفاضات الشعبية على إيجاد الظروف المناسبة للتغيير ونشر الوعي ومواجهة السلطات بشجاعة. لطالما تم إطلاق التغييرات السياسية الكبرى من قبل حفنة صغيرة من الأفراد الذي يعملون بطريقة منظّمة وعنيدة وشجاعة. الأبواب الأولى دائماً ما يفتحها قلّة، لكن نتائج صراعهم يستفيد منها الجميع.

ذهنيّة “الكتلة الجماهيرية الحاسمة” أدّت إلى وضع الحركات السياسية والبيئية في إطار استراتيجي غير قادر على تحقيق تغيير بنيوي، وسجنتهم في نوع واحد من النشاط: الحملات التي لا تنتهي لبناء الوعي والبهلوانات الاعلامية التي تعيد قول الأمر نفسه مراراً وتكراراً لجمهور غير مكترث.

الاكتفاء ببناء الوعي هو عملياً التحدّث مراراً وتكراراً عن أهمية العزف على آلة موسيقية معيّنة من دون محاولة التقاط هذه الآلة والضرب على أوتارها بأصابعنا نحن. وهنا نجد أنفسنا نتساءل: كيف يمكن لأي حركة جدّية أن تتوقع أن صفحة فايسبوك، ويب سايت، فيديو، أو احتجاج مع يافطات كبيرة، هي أمور تستطيع وحدها أن تربح الصراع الإعلامي في وجه الشركات والحكومات التي تمتلك ميزانيات تسويق بملايين الدولارات، وجيوش محترفة، وملايين الموظفين والأتباع المخلصين؟

الملايين يشاهدون برنامج “آراب آيدول”، أو يقضون أيامهم بزراعة الطماطم الافتراضية على فارم فيل أو يتصفّحون صور بيونسيه والقطط المضحكة على النت. نحن نعلم ذلك جيداً، لكن علينا أن نتقبّل ماذا يعنيه ذلك على الصعيد السياسي. إنه يعني أن القيامة الجماهيرية لن تأتي أبداً، والتغيّرات الفرديّة لن تغيّر شيئاً سوى إعطاء شعور جيّد لمن يقوم بها. نحن نحتاج لمقاومة منظّمة. الأمر بهذه البساطة.