العالم من خلال نافذة صغيرة: مشكلة غياب المقاربات المنهجيّة الكبرى في الحركة التغييرية

هذا المقال هو جزء من كتاب: “لعنة الألفيّة: لماذا يفشل النشاط التغييري”. يمكن قراءة السلسلة الكاملة على هذا الرابط: لعنة الألفية

* * *

future

ما هي رؤيتنا للمستقبل؟

*

طوني صغبيني

*

إحدى أكثر الخصائص بروزاً في حركات التغيير الألفية هي غياب المقاربات المنهجيّة. قد يكون ذلك ردّة فعل على الميل اليساري السابق نحو الالتزام الأيدولوجي المطلق بعقيدة ماركسية تزعم أنها تجيب على كل الأسئلة، خاصة أن الفلسفة الماركسية أطّرت وجمّدت النقاش التغييري في العديد من الدول لعقود. وقد يكون الأمر أيضاً مجرّد نتيجة ثقافتنا السياسية المشتّتة وغير المتناغمة السائدة حالياً. في كلّ الأحوال، هذا الخلل يقوّض قدرة الناشطين وحركات التغيير على فهم ما يحصل في العالم ووضع استراتيجيات فعّالة يمكن أن تعالج جذور معضلاتنا الحالية.

غياب المقاربات المنهجية يمنع حركات الألفية بوضوح من الخروج من الدوّامة التي علقت بها منذ سنوات. الأمثلة كثيرة. معظم الحركات السياسية حول العالم تمتلك مثلاً مقاربة غير منهجيّة تجاه الحكومات والسلطة ولا تزال تعتبر أن السلطات السياسية يمكن أن تكون لبّ المشكلة أو لبّ الحلّ، من دون أن تعطي أي اهتمام للسياق الطاقوي والاقتصادي والبيئي والاجتماعي الذي يشكّل اليوم جذور كل المشاكل.

الحركات البيئية التقليدية أيضاً لديها حبّ خاص للمقاربات غير المنهجية رغم أن معظمها يزعم أنه يعالج جذر كل المشاكل المعاصرة. فهي تطلب من الشركات مثلاً – الشركات التي تحقّق أرباحها من تدمير الكوكب وبيعه كقطع خردة – أن تصبح صديقة للبيئة. هي تتوقّع من الحكومات – التي تكتسب شرعيتها من قدرتها على تحقيق النموّ الاقتصادي – بإيقاف النموّ. هي تطالب بالمزيد من السيارات الكهربائية في الشوارع فيما الكهرباء التي ستحتاجها هذه السيارات ستأتي من نفس مصادر الطاقة الكربونيّة الملوثّة.

مثال آخر هو بعض الحركات النسوية التي ترفض التعامل مع حقيقة أن فتح أبواب سوق العمل أمام النساء من الطبقة الوسطة جعل الوضع أسوأ بكثير لملايين النساء من الطبقات الدنيا (وخصوصاً في بلدان العالم الثالث) التي دخلت على أثر ذلك في حالة تشابه العبودية كعاملات منزليّات وعاملات في الدعارة. بدورها تفشل العديد من المنظمات اليسارية في فهم أن مسألة المطالبة بالمزيد من الحقوق للعمّال في زمن الانحدار الطاقوي – بدل العمل المباشر على بناء بدائل لهم – هو كالمطالبة بالحصول على راديو جديد ومكيّف هوائي في سيارة متّجهة إلى الهاوية.

ومثال آخر هو الليبراليين في أوروبا الذين يفشلون في فهم أن النقاش حول الإسلام السياسي ليس قضية تدور حول حق النساء بارتداء حجاب أم لا، بل حول حول الأساس الاجتماعي والثقافي الذي يجب أن يقوم عليه المجتمع. ما تشترك به كلّ هذه المقاربات هي أنها تعالج جانباً واحداً من المشكلة وتفتقر للتفكير المنهجي بالمشكلة ككل. وهذا الخلل هو الأخطر برأينا على حركات التغيير لأنه يؤثّر مباشرة على صلب الثقافة السياسية ويغذّي عدداً من المشاكل الأخرى التي تعطّل بشكل شبه تام حركة التغيير، ومن هذه المشاكل نذكر:

 *

التبسيط والتعميم الأيدولوجي

التبسيط الشديد هو مشكلة حقيقية في الثقافة السياسية الألفية وقد يكون أثراً جانبياً للأيدولوجية اليسارية السابقة التي كانت تعتقد أنها تستطيع أن تجيب على أي شيء بكلمتي “صراع الطبقات”. العديد من الناشطين الألفيين يقعون في فخ التعميمات والتبسيط فيما يتعلّق بفهم جذور المعضلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. البعض يعتقد أن المشكلة كلها تتمثّل في النظام السياسي، الحكومة، نخبة شرّيرة خفية أو شركة ما، والبعض يعتقد أنه المال، الدين، أو أي مفهوم تجريدي آخر. البعض يميل إلى تبسيط شديد للحلول، عبر الاعتقاد أن كل شيء سيصبح أفضل حين ينتصر العمّال على الطبقة البرجوازية، أو حين يتم تغيير النظام السياسي، أو حين ننتخب رئيساً جديداً للبلاد.

التبسيط يعني أننا نختار عدسة فكريّة واحدة ونقرّر رؤية كلّ شيء في العالم من خلالها، وهنالك الكثير من العدسات الأيدولوجية المتوافرة في السوق. البعض يضع عدسة “صراع الطبقات” ويحلّل كل شيء من منظور المادية الجدلية، والبعض يضع عدسة “الحكم الفاسد” ويركّز كل تحليلاته على الرئيس أو الحكومة، والبعض يضع عدسة “التغيير الفردي” ويحاول وضع كل المسؤولية على الأفراد لتغيير عاداتهم اليومية ومنظورهم للأمور.

من نافل القول أن التبسيط يقوّض قدرتنا على فهم الواقع كما هو. الأهم، أنه يمنعنا من فهم المعضلات البيئية، الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، والطاقوية المعقّدة التي تشكّل مجتمعة مصدر أزمتنا الإنسانية المعاصرة.

 *

تجزئة القضايا

التجزئة هي توأم التبسيط والتعميم. ففي ظلّ غياب ثقافة سياسية سليمة ومتناغمة، من الأسهل أن نتلهّى بقضايا مؤقتة وجزئية بدل البقاء على قضيّة أساسيّة واحدة – والتي هي برأينا ضرورة مقاومة وإسقاط المنظومة الرأسمالية الصناعية ككل وبناء بدائل حقيقية تضمن الكرامة والحرية على أرض الواقع في الوقت نفسه.

العديد من النزاعات السياسية في القرن العشرين كانت حول السياسة التقليدية وتمحورت حول أسئلة مركزيّة مثل أي شكل للحكم أو للاقتصاد نريد (قومية، اشتراكية، رأسمالية، ليبرالية، ديمقراطية…)، كيف يمكن تحقيق المساواة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكيف يمكن ضمان حقوق الإنسان والعدالة…ألخ. على الجهة الأخرى، الصراعات السياسية في زمننا الحالي تتميّز بالتشتّت المتصاعد للقضايا – لا يوجد قضايا مركزيّة.

بدل أن تحاول حركات التغيير استعادة المبادرة لخلق قضايا مركزيّة واضحة، ذهبت في الاتجاه المعاكس وهي تختار بشكل متزايد اليوم مجالات ضيقة جداً لقضاياها. الحركات “المتخصّصة” التي ركّزت على فئة اجتماعية واحدة كحركات تحرير السود والحركات النسوية وحركات حقوق المثليين التي انطلقت من الولايات المتحدة كانت مجرّد البداية. اليوم التخصّص وصل إلى ذروة جديدة مع حملات ومنظمات بأكملها قضيتها هي تغيير سطر واحد في قانون وطني، إطلاق سراح سجين سياسي معيّن، أو معارضة مشروع تمدّد عمراني ما.

تركيز العمل على قضيّة واحدة له بالتأكيد جانبه الإيجابي كما سبق وقلنا، لكن العمل على قضية واحدة في ظلّ إهمال السياق الأوسع الذي تجري فيه تطوّراتها، وفي ظلّ الفشل في التحالف والتشابك مع حركة التغيير ككل في وجه خصم مشترك، هو الجزء الذي نعترض عليه.

تركيز الجهود على القضايا المحلّية ليس هو المشكلة إذاً، لأن الصراع الحقيقي هو صراع محلّي – هو حيث نحن متواجدون هنا والآن. المشكلة هي غياب الرؤية الشاملة التي تربط كل هذه الصراعات مع بعضها البعض وتعطيها بعداً استراتيجياً في مواجهتها مع السيستيم.

في ظلّ تجزئة القضايا، لدينا آلاف المنظّمات والأفراد الذي يحاربون أطراف السيستيم من دون أن يكون لديهم القدرة على رؤية أو محاربة السيستيم نفسه. وبسبب تجزئة القضايا، هنالك قلّة نادرة من المنظمات والناشطين الذين يستطيعون رؤية الصورة الكبرى، وكنتيجة يتم تبديد كمّ هائل من الطاقة والموارد كل يوم على ضرب السيستيم في الأماكن التي لا تؤلمه.

 *

تجاهل الحقائق حول الانهيار الذي تعيشه الرأسمالية الصناعية

هذه المسألة لها وجهان: الأوّل هو تجاهل سياق الانحدار الإيكولوجي والكارثة المناخيّة، والثاني مرتبط بالبنية التحتية الطاقويّة للحضارة.

الرأسمالية الصناعية تدخل مرحلة من الانحدار البطيء[1]، وذلك يعود بشكل أساسي إلى أزمة الطاقة ونفاذ الموارد (أو بتعبير أدق: الانهيار الإيكولوجي). الطاقة التي أتاحت وجود حضارتنا الصناعية تتقلّص فيما حضارتنا وشهيّتها على الاستهلاك لا تزال تنمو.

فيما الطاقة تصبح أغلى وأكثر ندرة، حضارتنا تمشي في طريق اللاعودة إلى السقوط وستأخذ معها كل ألعابنا التكنولوجية الحالية. وهنالك المزيد: نحن نستعمل الوقود الكربوني لزرع ونقل الطعام، لبناء المدن، لتأمين الكهرباء للمباني والمنازل والمصانع، لحفظ المعلومات والمال، للتجارة وتبادل السلع، للسفر، لتصنيع المنتجات ونقلها، لتنقية المياه وضخها إلى المنازل والحقول، لتدفئة وتبريد المنازل، لتأمين الكهرباء للمستشفيات، لصناعة وتحريك السيارات والشاحنات والقطارات والطائرات والسفر، لتنظيف المراحيض وصيانة المجارير، ولتجهيز الجيوش والحفاظ على الحكومة وفرض سيطرة الدولة… نحن نستعمل الوقود الأحفوري للقيام بكل شيء. حين تذهب الطاقة، سيذهب معها الاقتصاد والبنية التحتية وكلّ الأمور التي نعتبرها اليوم أمراً مسلّماً به.

حين نخسر هذه الأمور، ومن الواضح الآن أننا بدأنا بخسارتها منذ عدّة سنوات، سيكون المستقبل أقرب لفيلم هوليودي مرعب حيث تكون فيه البشرية عبارة عن جيوب نخبويّة غنيّة تمتلك التكنولوجيا والكهرباء فيما يعيش بقية السكان حياة المزارعين في القرون الوسطى إلى جانب عصابات تعيش على نهب بقايا المدن.

أزمة الطاقة كانت أحد الأسباب الرئيسية للانهيار المالي في العام 2008، وستكون السبب للكثير من الأزمات المقبلة بعد. نحن نشاهد نتائج الانحدار الطاقوي منذ الآن على شكل ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، على شكل كساد اقتصادي وأزمات في مختلف أنحاء العالم، وعلى شكل أزمات سياسية لا حصر لها تحصل لأن الحكومات أصبحت عاجزة عن تأمين المستوى نفسه من الخدمات الاجتماعية والإجماع السياسي في ظلّ الفاتورة الطاقوية والمرتفعة والاقتصاد المتراجع.

للأسف، أو ربّما لحسن الحظ لنا وللأرض، لا يوجد مصادر طاقة بديلة قادرة على مجاراة مصادر الوقود الكربوني كالنفط والغاز والفحم. في أفضل السناريوهات، كل مصادر الطاقة البديلة – ومن ضمنها الطاقة النووية – تستطيع تأمين أقل من 50 % بقليل من استهلاك الطاقة للبشرية[2].

حين تلتقي أزمتا الانحدار الطاقوي والتغيّر المناخي، المسار المرجّح لحضارتنا في المستقبل القريب سيكون عقود من الأزمات السياسية والاقتصادية التي تنتهي كلّ منها بتراجع مالي، تكنولوجي، أو اقتصادي في أنحاء مختلفة من العالم. وهذا سيقود في نهاية المطاف في عمليّة ستستمرّ لعقود وربّما قرون إلى الانهيار الكامل للحضارة الصناعية أو بروز مزيج غريب من الصناعيّة، اقتصادات الخردة، الإقطاع الزراعي، والمجتمعات الصغيرة.

في وجه هذه التطوّرات، أمور مثل النضال لتغيير قانون ما، أو التحمّس بشأن اختراع تكنولوجي جديد، أو وضع إنارة توفير بدل الإنارة العادية، أو المطالبة بالمزيد من الحقوق للعمّال، هي كلّها خارج سياق الأحداث بل حتى سخيفة لأن كلّ البنية الحضارية التي نعرفها اليوم تتبخّر أمام أعيننا.

بدل البدأ بالعمل على بناء بدائل حقيقية على الأرض لمواجهة هذه المعضلة، تجهل معظم حركات الألفية وناشطيها هذه الحقائق والأزمات تماماً ولا تزال عالقة في نفس الصراعات العبثيّة والجزئية التي لن تقدّم أو تؤخّر مصير الرأسمالية الصناعية بشيء. كانت لتكون الأمور مختلفة ربّما لو كان لدينا ثقافة سياسية نقدية قويّة مع مقاربات منهجية واضحة للشأن العام. ربّما لو لم تكن الحركات الناشطة غارقة في النزاعات الجانبيّة، كان يمكن لها أن ترى الصورة الكبرى. وربّما لو لم يكن الناشطين منهمكين إلى هذا الحد بتحديث ستاتوساتهم على الفايسبوك وتويتر، كان يمكن أن يكون لديهم الوقت للإطلاع على أمور مثل الذروة النفطية، الانحدار الطاقوي، التغيّر المناخي والانهيار الإيكولوجي وكانوا أدركوا على الأرجح كم أن خطابهم ونشاطهم بعيد عن الواقع.

الفشل في رؤية الصورة الكبرى حول السقوط الحضاري الجاري على قدم وساق يجعل مجتمعاتنا أكثر هشاشة في وجه الانهيار لأنه يحرمنا من وقت وموارد ثمينة كان يمكن أن نستغلّها في فهم الأزمة وتعزيز مناعتنا المحلّية تجاهها.  كلّما تجاهلنا حقائق الانهيار لفترة أطول كلما سيكون وقع الانهيار أسوأ على الجميع. هذا الجهل تجاه حقيقة الأزمة الإنسانية يقود حركات الألفية وناشطيها، كما سبق وقلنا، إلى الالتهاء بالمطالبة بمقاعد أفضل في سيّارة متّجهة إلى الهاوية.

*

فصل البُعد الاجتماعي عن السياسي عن البيئي عن الروحي

تجزئة القضايا التي تحدّثنا عنها آنفاً تقسّم الصراعات بطريقة تفصل بين الأبعاد الاجتماعية، السياسية، البيئية، والروحية للصراعات وتجعلها نادراً ما تلتقي سوية في حملة أو حركة واحدة. هذه الأبعاد الثلاثة يتم اعتبارها أحياناً متناقضة مع بعضها البعض، حيث أن الحركات البيئية التقليدية تهمل عادة كل القضايا الاجتماعية والسياسية والروحية، فيما الحركات الاجتماعية والسياسية تهمل القضايا البيئية، والحركات الروحية لا تمتلك عادة أبعاد اجتماعية أو بيئية.

في مواجهة سيستيم يرتكز على رؤية شموليّة ومؤسسات تتحكم وتمنهج كافة أوجه الحياة، نحن نستعين بحركات جزئية ورؤى ذات بعد واحد أو من دون رؤية على الإطلاق. في زمن نحتاج فيه لإعادة النظر بأساليب تفكيرنا وعيشنا وفعلنا ووجودنا في العالم، في نحن نحتاج لمقاربة حياتية شاملة وجديدة تستطيع فهم العلاقة والتأثير المتبادل بين الأبعاد الروحية-الثقافية، الاجتماعية-السياسية والبيئية. بين هذه الأبعاد الثلاث، البعد الروحي قد يكون الأكثر جدليّة، وسنعود لمعالجة هذه النقطة في فصل لاحق.

*

التركيز على التكنولوجيا كحلّ سياسي – اقتصادي

عدم إدراك مسألة الانهيار البطيء للحضارة الصناعية يدفع العديد من الحركات في الوقت الحالي لتبنّي التكنولوجيا كحلّ نهائي لمشاكل البشرية، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

العشق السياسي للتكنولوجيا ينطبق بشكل خاص على حركة مكافحة التغيّر المناخي والحركات البيئية التقليدية التي تعتقد أن وضع إنارة توفير في المنازل قادرة على حلّ المعضلات البنيوية للحضارة الصناعية. هذه المشكلة نراها أيضاً لدى العديد من الحركات الليبرالية والمحافظة على السواء في الغرب والتي تعتقد أن الانترنت – أو أي وسيلة اتصالات أخرى – هو الأداة التي لا تقهر لتنوير و”تحرير” شعوب العالم الثالث. بعض الحركات التغييرية كزايتجايست ومشروع فينوس تستند في طرحها بالكامل على فكرة أن التكنولوجيا تستطيع جلب الخلاص ووضع نهاية للفقر، الحروب، وحتى الندرة (أما كيف يمكن للتكنولوجيا إنهاء الندرة على كوكب محدود فهذا سؤال لم تجب عليه الحركة). مشروع فينوس على سبيل المثال يعتبر أنه “في ظلّ التطبيق الذكي والإنساني للعلم والتكنولوجيا، سكّان الأرض يستطيعون قيادة ورسم معالم المستقبل سوية فيما يحافظون على البيئة في الوقت نفسه”[1].

هنالك أيضاً العديد من الأمثلة التاريخية التي تعتقد بأن التكنولوجيا يمكن في نهاية المطاف أن تسدّ كل الحاجات البشرية وتلغي الحاجة للعمل وتفتح عصراً ذهبياً للبشرية. هذا هو الموقف الذي يتبناه بعض المفكرين مثل جيريمي ريفكين في كتابه “نهاية العمل”[2]، وحركات تغييرية مثل مشروع فينوس.

المشكلة هي أن هذا الافتراض حول التكنولوجيا هو افتراض عشوائي وغير مرتكز على الواقع؛ تطوّرنا التكنولوجي اليوم يسمح لرجل واحد بزراعة أراضٍ كافية لإطعام ألف شخص، لكن هكذا تطوّر لم يعني – ولا حتى مرة واحدة في التاريخ – أن الناس سترتاح وتتسكّع بهدوء من دون أن تفعل شيئاً فيما الآلات تؤمّن غذائها. في الواقع، كل تطوّر تكنولوجي أدّى إلى العكس تماماً: كلّما تقدّمنا تكنولوجيا كلما أصبح العمل أكثر تطلباً وقسوة وكلما أصبحت حياتنا الشخصية والجماعية محمومة ومرهقة بالعمل أكثر.

نتائج التكنولوجيا ليست انتقائية، نحن لا نستطيع اختيار الجانب الأفضل منها ورفض الجانب الآخر – بعكس الحكمة الشعبية القائلة أن التكنولوجيا يمكن استعمالها “للخير والشرّ” على السواء. فالتكنولوجيا تأتي في معظم الأحيان في رزمة واحدة: لا نستطيع أن يكون لدينا طاقة نووية من دون أن يكون لدينا قنابل نووية. الأمر بهذه البساطة. سبب عدم قدرة التكنولوجيا على تحريرنا من منظومة السجن التي نعيش فيها هو بسيط جداً: التطوّر التكنولوجي لا يحصل في فراغ، بل هو مرتبط عضوياً بوظائف السيستيم والهدف منه هو خدمة السيستيم. التطوّر التكنولوجي يحصل في ظلّ سيستيم مرتكز على الربح من الأرض والناس والهيمنة على الأرض والناس، وبالتالي التكنولوجيا هي مجرّد أداة أخرى تساهم وتسهّل الربح والهيمنة. وحتى وإن كانت هنالك تكنولوجيات تستطيع السماح للناس بتأمين احتياجاتهم الأساسية والاستمتاع بالحياة بهدوء من دون عبودية العمل، لن يسمح السيستيم بذلك بل سيحرص على حصول العكس تماماً ليبقي الناس في الصفّ عبر وسائله السياسية، المالية، الثقافية، والقمعيّة إن استوجب الأمر.

لهذا السبب نحن نمتلك اليوم أكثر التكنولوجيات الطبية تطوراً في التاريخ، لكن في الوقت نفسه الصحّة العامة لمعظم السكان هي أسوأ من أيّ وقت مضى. نحن نمتلك أكثر التكنولوجيات الزراعية تطوراً في التاريخ، لكن هنالك مليار شخص حول الكوكب يعاني من السوء التغذية والمجاعة. لدينا أكثر تكنولوجيات المعلومات تطوراً في التاريخ، لكننا نفتقد للحكمة الكافية لحلّ حتى أبسط مشاكلنا العامة. ولدينا أكثر تكنولوجيات الاتصالات والنقل تطوّراً في التاريخ، لكننا نصبح أكثر وحدة وكآبة عاماً بعد عام.

التكنولوجيا بحدّ ذاتها ليس أداة حيادية كما يحلو للمعجبين بالتكنولوجيا أن يقولوا: كل تكنولوجيا تحمل فلسفتها الخاصة التي نشأت منها والتي ستعيد بدورها تشكيل العلاقة مع الأرض، الناس، والبنى الاجتماعية. فلسفة السيارات الخاصة على سبيل المثال هي تمجيد النقل الخاص على حساب النقل العام وعلى حساب المجتمع بشكل عام (السيارات والطرقات المخصصة لها مزّقت المدن والمجتمعات الريفية تمزيقاً شديداً). الانترنت يمكن أن يُعتبر أداة حيادية نسبياً، لكن الكهنة التكنولوجيين الذي يروّجون بأن الانترنت “يجلب الحرية والديمقراطية” لا ينتبهون إلى واقع أنه يمكن أن يُستعمل بنفس الفعاليّة لتحقيق العكس تماماً وهنالك أمثلة كثيرة على ذلك.

التركيز على التكنولوجيا أيضاً يهمل واقع أن معضلاتنا اليوم نادراً ما يكون لها جذور تكنولوجية، وبالتالي ليس لديها حلول تكنولوجية. معضلاتنا لديها جذور جيولوجية (الذروة النفطية)، إيكولوجية (التغيّر المناخي، انهيار الأنظمة الإيكولوجية، وانقراض الفصائل الحيّة)، وسياسيّة اجتماعية (منظومة استعباد هي في الواقع هرم احتيال تقوم فيه أقلّية باستعباد بقيّة الناس وبتحويل كل حجر ونبتة على الكوكب إلى منتجات استهلاكيّة لا قيمة لها). بعض مشاكلنا لديها حتى جذور تكنولوجيّة (كالسيارات الخاصة ما فعلته بالمجتمعات المحلية، الانترنت وما فعله بالتفاعل الإنساني والذكاء العاطفي…ألخ)، لكن الحلول في هذا المجال ليست المزيد من التكنولوجيا بل العكس تماماً – سيّارات أقل مثلاً بدل سيارات متطوّرة أكثر، تفاعلات إنسانية وجهاً لوجه بدل المزيد من الشبكات الاجتماعية الافتراضية…

أهم ما في هذا الموضوع هو أن التركيز على التكنولوجيا يحرمنا من التركيز على المكان الصحيح: الناس. الناس هم مفتاح الحلّ الحقيقي، لا التكنولوجيا. ماذا يمكننا فعله مع آلة تستطيع توفير المياه في مجتمع مقتنع بأن سقي عشب الحديقة في نصف الصحراء وفي منتصف الصيف في لاس فيغاس أو دبي مثلاً هو حقّ أعطاه إياهم الله؟ ما الذي يمكننا فعله بتكنولوجيا حديثة للاتصالات إن كانت الناس تنسى كيف تتواصل مع بعضها البعض من دون آلة؟

الناس هم الحلّ دائماً؛ التركيز على التكنولوجيا هو مجرّد إلهاء عن الأمور المهمّة حقاً في الحياة.

 *

 انعدام النظرة النقديّة تجاه الرأسمالية الصناعية والحضارة ككل

النقص الهائل في المقاربات المنهجية لم يؤدّي إلى وجود ثقافة سياسيّة هشّة ومجزّأة فحسب، بل قاد إيضاً إلى انعدام النظرة النقديّة تجاه الجذر الأساسي لأسلوب حياتنا ولمعضلاتنا المعاصرة: الحضارة الرأسمالية الصناعيّة.

هنالك أدبيات كثيرة تنقد الرأسمالية الصناعية وأدبيات أقل تنتقد الحضارة الصناعية ككلّ وتنقد كونها أسلوب الحياة الوحيد المتاح حالياً لنا كجنس بشري، لكن هذه الأدبيات محصورة ببضعة دوائر فكرية محدودة كالأوساط اليسارية القصوى والأوساط اللاسلطوية والإيكولوجية العميقة، وليست منتشرة بكثرة.

سواء كنا نتحدّث عن المعضلات الإيكولوجية، الروحية، الحرّيات، أو العدالة الاجتماعية، من الواضح أن الحضارة الصناعية نفسها هي المشكلة. التقسيم والعنف الطبقيان، السلطوية، الفساد، اللاعدالة، القمع، سلطة الأخ الأكبر، البطريركية والعنف ضد النساء والتدمير البيئي هي كلها مكوّنات أساسيّة في الحضارة الصناعية وليست مجرّد تأثيرات جانبية يمكن معالجتها على حدة. أساس الحضارة الصناعية نفسه، وكل مجتمع زراعي-صناعي كبير، هو وجود منظومات مركزيّة تحتكر وتتحكّم بأساسيات العيش كالغذاء، المسكن، والأمن. هذه الطريقة بالتنظيم الاجتماعي تتيح لأولئك الذين في السلطة بأن يتحكموا ويقمعوا السكان من دون أي تحدّ يذكر. وفقاً لهذا المنظور، الوجه الحقيقي للحضارة الصناعية بات مكشوفاً: إنها مجرّد سجن يجب فيه على الناس أن يعملوا لكي يتم تأمين مسكن لهم وطعام.

معظم حركات الألفية والناشطين هم أبعد ما يكون عن هذا المستوى في النقد الوجودي للرأسمالية الصناعية والحضارة. بدل المطالبة بالتحرّر من كلّ السجن، هم مهووسون بالمطالبة بالمزيد من الحقوق للسجناء، كإمضاء ساعات أطول في الباحة تحت الشمس، أو الحصول على تلفزيونات أفضل في الزنزانات، أو – إن كانوا ثوريين، سيطالبون بأنه يجب على السجناء بأن يديروا  السجن بأنفسهم لكن معظم حركات وناشطي الألفية لا يشكّكون بالسجن نفسه، وهذا ما يقودهم إلى أن يكونوا عالقين باستمرار في قضايا جانبية لا تمسّ جوهر معضلتنا الإنسانيّة.

 *

التمسّك بأشكال تجريدية ونظريّة من اليوتوبيا المستقبلية

النتيجة الأخرى لغياب المقاربات المنهجية والرؤى الواضحة هي الميل نحو تطوير أشكال تجريدية ونظرية من اليوتوبيا لا يمكن أن ترى النور يوماً.

الإيمان بيوتوبيا مستقبلية خياليّة ليس ظاهرة جديدة؛ الرؤى المثاليّة تظهر عند المنعطفات التاريخية الهامة وخصوصاً حين تكون الحالة الاجتماعية والسياسية سيئة جداً، كما خلال انبثاق الدولة-المدينة في اليونان (الفترة التي شهدت طرح أفلاطون للجمهورية – اليوتوبيا الأولى)، سقوط روما، بداية الثورة الصناعية (التي شهدت بروز اليوتوبيا القومية والاشتراكية – الشيوعية)، وصولاً إلى اليوم حيث نشهد بداية سقوط الرأسمالية الصناعية.

رغم أن الفكر السياسي حول العالم اليوم يتميّز لدرجة كبيرة بغياب الأيدولوجيات المثالية، إلا أنه هنالك العديد من الأفكار حول يوتوبيا مستقبلية متواجدة على خارطة الثقافة السياسيّة الألفيّة. بعضها يوتوبيا ضمنية وغامضة – حتى بالنسبة لأصحابها، وبعضها علنيّة وواضحة، لكنها موجودة ولها تأثير ملموس على الثقافة السياسية.

إحدى اليوتوبيات الضمنيّة مثلا هي اليوتوبيا الليبرالية التي تعتبر أنه يمكننا الوصول إلى مجتمع مثالي لا يوجد فيه تمييز، تفاوت اقتصادي، سلطوية، حروب، فقر، أو أي نوع من أنواع السوء. لكن كما يعلم أي طالب في الأنتروبولجيا البشرية؛ هذه الحالة المثالية لا يمكن تحقيقها في ظلّ الحضارة وخصوصاً بنسختها الرأسمالية الصناعية.

الأشكال الأخرى من اليوتوبيا الصاعدة حالياً ليست بجديدة: يوتوبيا الأصوليات الدينية التي تحلم بدولة واحدة، دين واحد، وحاكم واحد تحت السماء. لكن هنالك أنواع أخرى من اليوتوبيا عادت إلى الحياة أيضاً: اليوتوبيا الماركسية وإلى جانبها اليوتوبيا التكنولوجية التي تطرحها حركات مثل مشروع فينوس.

المشكلة مع أي طرح يوتوبي هي أنه دائماً يرتكز على تجريد فكري لما يجب أن يكون عليه الواقع من دون أي اعتبار للواقع الحقيقي. النتيجة الأكثر سلبية لهذه المشكلة هي أنها تدفعنا لتركيز جهودنا على أفكار تجريدية حول ما يجب أن تكون عليه الأمور في المستقبل بدل استثمار الوقت في دراسة وتجريب الطرق التي يمكن أن تعمل هنا والآن أو التي عملت لآلاف البشر لمئات آلاف السنوات قبل مجيء الحضارة. من الضروري أن يكون لدينا رؤيا لما يجب أن يكون عليه المستقبل، لكن من الأفضل عدم الاعتقاد أنه يمكن بناء مجتمعات من الصفر وفقاً لرؤيا فكرية موجودة مسبقاً، فالمجتمعات كائنات حيّة وديناميّة ومتغيّرة، وأي رؤيا للمستقبل عليها أن تنطلق من واقع أن إيجاد مبادىء إنسانيّة عليا تقوم عليها المجتمعات يعمل أفضل بكثير من محاولة بناء مجتمع وفقاً لصورة في كتاب.

*

غياب الرؤيا

اجتماع التجزئة مع غياب المقاربات المنهجية ينتج غياباً مثيراً للدهشة لأي نوع من الرؤى السياسية أو الاجتماعية في حركات الألفية. هذه الحركات تمتلك الكثير من البرامج والشعارات والحملات والأهداف، هذا لا شكّ فيه، لكنها لا تمتلك أي رؤيا.

مواجهة السيستيم ككل هو أمر بغاية الصعوبة من دون رؤيا شاملة حول الحياة، البشرية، والكون، لأن السيستيم الذي نواجهه يمتلك رؤيا قوية لدرجة أنها تجعل من الجميع خدّاماً أولياء لها من دون علمهم.

الرؤية المهيمنة للسيستيم تعتبر بأن العالم ينتمي لعدد محدود من الرجال على قمّة الهرم، بأن النساء تنتمي للرجال، وبأن العديد من الرجال ينتمون لرجال آخرين. إنها رؤية استعباد وهيمنة ولا ترى العالم سوى من خلال منظار السيّد والعبد. لكن هذه الرؤيا متنكّرة بكلمات برّاقة مثل “التقدم”، “السعادة”، و”المساواة”.

امتلاك رؤيا خاصة بنا يساعدنا على فهم السيستيم الذي نقاومه، وفهم طبيعة العالم البديل الذي نطمح له. الرؤيا هي الشعلة التي تقود الحركة، هي البوصلة التي تساعدنا على رؤية أهدافنا والشمس التي تنير الدرب. هي أيضاً خزّان الطاقة الذي يمكن للمحاربين أن ينهلوا منه للمزيد من الصبر والإلهام. الرؤية هي والدة الاستراتيجيات، التكتيكات، الخطط والبرامج. البرامج من دون رؤى هي كالسيارات من دون وقود: قد تمشي بضعة أمتار بقوّة حماس الناس المؤمنين بها، لكنها تتوقّف قبل بلوغ هدفها فيما يكون كل من شاركوا في دفعها قد أنهكوا في العمليّة.

نظرة سريعة على التاريخ تظهر بأنه وحدها الحركات التي امتلكت رؤى استطاعت وضع بصمتها على العالم.

 *

إن كنّا نريد تصحيح الخلل في ثقافتنا السياسية، لا بدّ من البدء بمعالجة النقص في المقاربات المنهجية. علينا أن نفهم السيستيم المهيمن على الكوكب بطريقة شاملة؛ أن نفهم رؤيته، أساليبه وعمليّاته. من هنا تبدأ المقاومة الحقيقيّة. من دون فهم الجذور، لن تنمو جذور للمستقبل الذي نحلم به.

التعليقات مغلقة.