أزهار أم بنادق؟ نحو مفهوم أبعد من ثنائيّة العنف واللاعنف

هذا المقال هو جزء من كتاب: “لعنة الألفيّة: لماذا يفشل النشاط التغييري”. يمكن قراءة السلسلة الكاملة على هذا الرابط: لعنة الألفية

* * *

...

عنف أو لاعنف؟

*

طوني صغبيني

*

العديد من تيارات اليسار المتطرف علقت في الماضي في فكرة “العنف الثوري” التي غذّت شكل من النضال ارتكز غالباً على العنف العشوائي. مجموعات مثل الجيش الأحمر الياباني، الخلايا الثورية الإيطالية، الكتائب الحمراء الألمانية، الفهود السود الأميركية، أيلول الأسود الفلسطينية، والعديد من المنظمات اليسارية المتطرفة في السبعينيات والثمانينات استخدمت العنف كهدف بذاته. استعمال العنف كان جزء من الأيدولوجية السياسيّة، ولم يكن مجرّد تكتيك.

الفيلسوف الشيوعي كارل ماركس اعتبر أنه “هنالك فقط طريقة واحدة لتقصير عمر وتبسيط وضغط المخاض المميت للمجتمع القديم والولادة الدموية للمجتمع الجديد، طريقة واحدة فقط: الإرهاب الثوري”[1].

الفكرة نفسها كرّرها معظم القادة الشيوعيون فيما بعد وتبنّتها عشرات المنظمّات الثورية في القرن العشرين. وفي النهاية، أصبحت هذه المنظمّات معزولة، غير فعّالة، وحتى سخيفة ومضرّة بقضيّتها نفسها. العنف حقّق النصر في بعض القضايا في القرن الماضي، لكن معظم النزاعات لم يتم حلّها أبداً عبر العنف. اللجوء إلى العنف كان في الواقع بالنسبة للعديد من الحركات التحرّرية بمثابة المسمار الأوّل في نعشها. اللجوء إلى العنف كان أيضاً السبب وراء فشل بعض الانتفاضات العربيّة في العام 2011 وتحوّلها إلى حروب أهلية مفتوحة.

المثير للسخرية، أن معظم الحركات اليسارية وغير اليسارية الألفية تتعامل اليوم مع موضوع اللاعنف بنفس الطريقة التي تعاملت بها الحركات التي ذكرناها مع موضوع العنف. فهي تضع استراتيجية اللاعنف في مصاف الأيدولوجية والاخلاق بدلاً من أن يكون نقاش على التكتيكات. اللاعنف اليوم هو أحد الكؤوس المقدّسة لحركة التغيير يرفعها كل ناشط أو حركة تريد أن تنال براءة ذمّة سياسية، وغالباً ما يتم خلط استراتيجية اللاعنف non-violent strategy كتكتيك مع اللاعنف كفلسفة pacifism.

 *

استراتيجيّة اللاعنف باختصار

العرّاب الروحي لاستراتيجيّة اللاعنف المعاصرة، جين شارب، ألّف العديد من الكتب القيّمة حول تفوّق تكتيكات اللاعنف على التكتيكات العنفيّة[2]. تركيز شارب في مؤلفاته هو على التعطيل الاستراتيجي للسلطة بشكل يمنعها من ممارسة سلطتها عبر تكتيكات لاعنفيّة كالاحتلال، الاضرابات، التظاهرات، مقاومة الضرائب، والاعتصامات. لكن الفكرة بأكملها تفترض ضمنياً أن هذه التكتيكات ستكون قادرة حتماً على تعبئة وتحريك عدد كبير من الناس، والعدد في الاستراتيجية اللاعنفية هو عنصر حاسم في النجاح أو الفشل (ولو قال مؤيّدوا اللاعنف الاستراتيجي عكس ذلك). الافتراض الضمني الثاني لاستراتيجيّة اللاعنف هو أنها تفترض أن السلطات والناس ستستجيب في نهاية المطاف للانتفاضة الشعبية بطريقة محدّدة: إن استجابت السلطات بعنف، يفترض مؤيدو استراتيجية اللاعنف أن المزيد من الناس سوف ينضمّون إلى الاحتجاج، وإن استجابت السلطات بإيجابية من دون عنف، المزيد من الناس سوف ينضمّون أيضاً إلى حركة الاحتجاج. في الحالتان، تفترض استراتيجية اللاعنف أن:

1) السلطات ستستجيب في نهاية المطاف لمطالب الشعب بطريقة أو بأخرى.

2) الناس ستتعاطف وتتضامن مع حركة الاحتجاج في وجه السلطة

3) الجماهير المنظّمة سوف تربح قضيتها بأقل خسائر ممكنة مقارنة مع نزاع عنفي.

أحد أبرز القادة اليساريين في حركة احتلوا وول ستريت، كريس هدجز، يعبّر عن هذه المقاربة بالقول:

“هذا صراع لربح عقول وقلوب أكبر عدد ممكن من الناس العادية ومن الناس داخل مؤسسات السلطة – ومنها أفراد الشرطة – التي لديها ضمير. هذه ليست حرب. الحركات اللاعنفية ترحّب على مستوى ما بالضراوة الأمنية. المحاولات المستمرة من قبل الدولة لسحق المحتجين السلميين الذي يطالبون بالعدالة البسيطة تنزع الشرعيّة عن النخبة الحاكمة. وهي تشجّع كمّ هائل من الناس على الاستجابة. هذا التكتيك يجلب بعض من هم داخل مؤسسات السلطة إلى جانبنا ويخلق انقسامات داخلية ستؤدّي إلى شلل في شبكة السلطة. مارتن لوثر كينغ (قائد حركة الحقوق المدنية في الستينيات في الولايات المتحدة) استمرّ بالدعوة لمسيرات في منطقة برمينغهام لأنه كان يعلم أن مسؤول الأمن العام هناك كان بلطجياً يمكن أن يقمع التحرك بضرواة”[3].

 *

ثغرات استراتيجيّة اللاعنف

هذه المقاربة الاستراتيجية تبدو منطقيّة للوهلة الأولى لكن فيها نقاط خلل كبيرة. هي أولاً تفشل في الأخذ بعين الاعتبار أن أكثر قضايانا أهميّة اليوم تفشل في تعبئة وتحريك عدد كبير من الناس (وخصوصاً في قضايا مصيريّة مثل التغيّر المناخي والانهيار الإيكولوجي). مقاربة اللاعنف تمتلك أيضاً افتراضات غير واقعيّة عن كيفيّة تطوّر النزاعات السياسية حين تقوم الدولة بمواجهة حركة الاحتجاج دموياً. فردّة الفعل الأولى للناس قد تكون الانفضاض عن حركة الاحتجاج وشجبها حتى، بدل التضامن معها ومواجهة السلطة. من ناحية أخرى، قد تستطيع حركة شعبيّة منظّمة جيداً ومنضبطة أن تستوعب القمع العنيف من السلطات وإكمال استراتيجيتها اللاعنفية لفترة محدّدة. لكن قدرة أي حركة احتجاج شعبي على استيعاب القمع هي محدودة، وخصوصاً إن كان القمع عنيف جداً أو استمرّ لفترة طويلة من الزمن. الدكتاتور الليبي معمّر القذافي قصف التظاهرات السلميّة بالطائرات الحربيّة، واستعمل المدفعيّة لاستهداف التجمعات المدنيّة الشعبية. كيف يمكن لأي حركة في العالم أن تحافظ على استراتيجية لاعنفيّة في ظلّ ظروف كهذه؟

الانتفاضة المصرية الأولى عام 2011 تحمّلت القمع لـ 18 يوماً قبل أن تبدأ الأمور بالانحدار تدريجياً نحو المواجهات العنيفة مع النظام وأعوانه في ظلّ موت مئات الناس واعتقال الآلاف. النظام اختار أن يتنحّى بعد 18 يوم من الاحتجاج فقط، لكن لو استمرّ القمع وإطلاق النار على التظاهرات والاعتقالات والتعذيب لكانت النتيجة مختلفة.

كل شعب، مهما كان ميالاً نحو السلام، لا يستطيع تحمّل الموت إلى ما لانهاية قبل التفكير بحمل السلاح والانتقام لأفراد العائلة والأصدقاء الذين سقطوا. معظم النزاعات العنفيّة المعاصرة نشأت في الواقع بعد الفشل الذريع لسنوات للاستراتيجيات اللاعنفية في تحقيق تغيير يذكر. ديفيد غرايبر يشير إلى أن

“العديد من الشبّان والشابات الذي شكّلوا البلاك بلوك في سياتل (عام 1999) كانوا في الواقع نشطاء بيئيين منخرطين لسنوات في اعتصامات وتعطيل سلمي للدفاع عن الغابات على مبادىء غاندية – لكنهم اكتشفوا أنه في الولايات المتحدة يمكن للمحتجّين أن يُقمعوا، يُعذّبوا، أو حتى يُقتلوا، من دون اعتراض جدّي في الاعلام المحلّي. لذلك لجأوا إلى تكتيكات أخرى”[4].

بدل أن يكون اللاعنف أداة استراتيجية تُستعمل بذكاء من قبل حركات الألفية، تحوّل اللاعنف إلى عقيدة تساهم في نزع مخالب حركات التغيير وتحويلها إلى نمور من ورق لا حول لها ولا قوّة.

 *

الانقسام العنفي – اللاعنفي وأثره على حركة التغيير

نتيجة أخرى لأدلجة اللاعنف هي خلق شرخ في قلب حركة التغيير بين الحركات السلميّة والحركات الأكثر راديكاليّة. حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي كانت تحوي العديد من القوى التي كان منها اللاعنفي المطلق (مثل الحركة التي قادها مارتن لوثر كينغ)، والحركة التي تتراوح بين العنف واللاعنف (مثل حركة مالكوم أكس)، إلى الحركات المسلّحة كالفهود السود. لكن هذه الحركات لم تخض الحروب ضد بعضها البعض رغم اختلافاتها المريرة. وفي نهاية المطاف، هذا المزيج تحديداً الذي جمع حركات لاعنفية مع حركات عنفيّة هو ما حقّق نجاح حركة الحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة. لو لم تستجب السلطات الأميركية لمطالب مارتن لوثر كينغ بالمساواة القانونية التامة بين البيض والسود، كانت الحركات الأكثر راديكاليّة وعنفاً مستعدّة لأخذ الصراع إلى المستوى التالي، وهذا الاحتمال لم يكن وارداً لحكومة كان تخوض حرب خاسرة في فييتنام.

بالمقارنة مع ذلك، معظم حركات الألفية تخوض طوعاً اليوم حروباً داخلية فيما بينها وتتطوّع لشجب، لوم ومحاربة التيارات الأكثر راديكالية التي تنتهج تكتيكات غير سلميّة لتحقيق الأهداف نفسها. نحن نرى ذلك معظم الوقت غرباً وشرقاً في الطريقة التي تتعامل بها الحركات التقليدية مع المنظمات الثورية، الأنركية، تكتيكات البلاك بلوك، والمنظمات البيئية المتطرفة. كريس هيدجز، الذي سبق وذكرناه، يصف محتجّي البلاك بلوك مثلاً بأنهم “السرطان في حركة احتلوا وول ستريت”[5]، فاتحاً الباب أمام الدولة، بكلمات الكاتب الأنركي غرايبر، لعزل وقمع عنصر أساسي في حركة الاحتجاج. شجب التيارات الراديكالية هو خدمة هائلة للسلطات لأنه، وكما تقول إحدى المجموعات الراديكالية، “إدانة الآخرين ليس لديه من نتيجة سوى تزويد السلطات بما يكفي لنزع الشرعية عن الحركة، لتفتيتها وتدميرها ككل”[6].

المهاتما غاندي نفسه، العرّاب الروحي لحركة اللاعنف المعاصرة، لم يشجب يوماً العناصر العنيفة في الصراع الهندي من أجل الاستقلال في حينه. كما لاحظ غرايبر:

“غاندي كان جزء من حركة واسعة مناهضة للاستعمار تضمّنت عناصر كانت تستخدم الأسلحة النارية، وعناصر كانت في الواقع منخرطة بحملات إرهابية (ضد البريطانيين). غاندي وضع إطار استراتيجيّته الخاصة القائلة بالمقاومة المدنية الشعبية اللاعنفية كردّ على النقاش (في صفوف الحركة المناهضة للاستعمار) الذي اندلع بعدما قام قومي هندي بدخول مكتب مسؤول بريطاني وإطلاق خمس طلقات عليه في وجهه وقتله على الفور. غاندي كان واضحاً وقتها أنه رغم معارضه للقتل تحت أي ظروف كانت، هو يرفض أيضاً شجب القاتل”[7].

موضة شجب المكوّنات الراديكالية في حركة التغيير تحرم صراعاتنا بالفعل من مكوّن فعّال وحيوي وضروري وتتيح للدولة أن تعزل التيارات الراديكالية عن المجتمع الأوسع وأن تقمعها وتدمّرها واحدة بعد الأخرى فيما الحركات التقليدية توفّر الغطاء والتشجيع. هذا ما حصل مثلاً خلال الحراك السياسي الذي سبق الثورات التونسية والمصرية والسورية حيث تفرّجت المعارضة الإصلاحية بصمت على قيام السلطات بقمع العناصر الراديكالية المطالبة بتغيير النظام. وهذا ما حصل أيضاً في الولايات المتحدة عام 2005 حيث شنّت الأجهزة الأميركية حملة اعتقالات واسعة على خلايا حركة تحرير الأرض فيما عُرف باسم عملية “باك فاير” ووجّهت ضربة للحركة البيئية الراديكالية لم تتعافى الأخيرة منها حتى الآن.

حين قُمعت التحركات الشبابية في تونس ومصر وسوريا بين عامي 2001 و2011، كانت المعارضة الإصلاحية تشجب التحركات الشبابية وتعتبرها جزء من مخططات خارجية خبيثة بدل أن تشجب النظام وتشير إلى الظروف السياسية والاقتصادية المتدهورة التي أدّت لنشوء هكذا ردّات فعل. وحين قُمعت حركة جبهة تحرير الأرض عام 2005 في الولايات المتحدة، كانت الحركات البيئية التقليدية تشجب وتستنكر أعمال الجبهة بدل أن تشير إلى التردّي الإيكولوجي واستمرار عمليّة قتل الكوكب الذي يؤدي إلى نشوء الحركات البيئية الراديكالية في الأساس.

 *

نحو رؤيا أبعد من ثنائية العنف واللاعنف

إن أرادت حركات الألفية أن تنجح في مساعيها، عليها بالتأكيد التوقف عن أدلجة مسألة العنف واللاعنف والتوقف عن معالجة هذه الأمور كمفاهيم تجريدية والبدء بدلاً عن ذلك بتقييمها بواقعيّة كاستراتيجيات عمل. الاستراتيجيات العنفيّة واللاعنفية على السواء نجحتا نجاحاً باهراً في العديد من الأماكن، وفشلتا فشلاً ذريعاً في أماكن أخرى. نتيجة أي استراتيجية بينهما ترتبط بالظروف على الأرض: لذلك علينا أن نقيّم الظروف ونختار التكتيكات المناسبة بحسب المكان والزمان.

هذا ما فعله بنجاح باهر مثلاً جيش التحرير الوطني في المكسيك الزاباتيستا. النشاط الواسع النطاق الأوّل لحركة الزاباتيستا كانت السيطرة على عدّة مدن وقرى في منطقة تشياباس بـ 3000 جندي مسلّح. شنّ الجيش المكسيكي حملة عسكرية مضادة ونجح بعد معارك ضارية في استعادة المدن والقرى مجبراً الثوار على الانسحاب إلى الجبال. بعد الهزيمة، أعادت الحركة تقييم استراتيجيتها واختارت أن تبقى بعيدة عن تكتيك حرب العصابات التقليدية وأن تتبع استراتيجية لاعنفيّة طويلة الأمد. أحد قادة الحركة، ماركوس، يشرح:

“نحن لا نريد أن نفرض حلولنا بالقوّة، بل نريد أن نخلق مساحة ديمقراطية. نحن لا نرى أن الصراع المسلّحة بالمعنى الكلاسيكي لحرب العصابات على أنه الأسلوب الوحيد والحقيقة المطلقة التي يجب تنظيم كل شيء حولها. في الحرب، المسألة الحاسم ليست المواجهة العسكرية بل ما هو على المحكّ في السياسة خلال المواجهة. نحن لم نذهب إلى الحرب لكي نقتل أو لنُقتل. نحن ذهبنا إلى الحرب لكي يسمعوا صوتنا”ْ[8].

عند التفكير بالاختيار بين الاستراتيجيات العنفية وتلك اللاعنفية، هنالك الكثير من العوامل التي يجب أخذها بعين الاعتبار، منها:

  • قدرة الحركة أو القضية على تعبئة وتحريك عدد كبير من الناس
  • المكاسب السياسية، الاقتصادية، والحياتية التي هي على المحكّ بالنسبة لطرفي النزاع (لأنها تعني كم سيتمسّك كل طرف بموقفه السياسي وما إذا كان مستعداً لاستخدام العنف للدفاع عن امتيازاته أم لا)
  • طبيعة السلطة والطبقة السياسية الحاكمة وكيفية تعاملها مع المطالب الشعبية السابقة
  • وضع الإعلام ومجال حريته واستقلاليته عن الطبقة الحاكمة
  • توازن القوى بين الطرفين (الشعبي، السياسي، الاقتصادي، والعسكري…ألخ)
  • النتائج المحتملة لكلّ من الاستراتيجيّتين

على سبيل المثال، حين نزل ملايين التونسيين إلى الشوارع في العام 2011، اختار الديكتاتور بن علي ونظامه الرحيل بدل إراقة المزيد من دماء الناس (رغم ذلك، لقي 400 تونسي حتفهم خلال الانتفاضة). هذا ما أتاح للانتفاضة التونسية أن تنجح بأدنى حدّ ممكن من العنف. في العام نفسه، استخدم الدكتاتور المصري حسني مبارك تكتيكات أكثر عنفاً في مواجهة المتظاهرين لكي يجبرهم على الاستسلام. قُتل نحو 1000 شخص فيما تم جرح واعتقال وتعذيب عشرات الآلاف. ورغم ذلك، اختار مبارك ونظامه التنحّي حين واجهت مصر احتمال الدخول إلى خراب حقيقي، وهذا ما اتاح للثورة المصرية الأولى أيضاً النجاح عبر استخدام تكتيكات لاعنفيّة بشكل أساسي.

أما الدكتاتور الليبي معمّر القذافي، فقد اختار تحت الظروف نفسها أن يبدأ بقصف تظاهرات المعارضة بالطائرة الحربية، وقتل 10 آلاف شخص من مواطنيه بأقل من أسبوعين وكان جيشه يتقدّم باتجاه الحصن الأخير للمعارضة من دون أي اعتبار للكلفة البشرية. حين تخلّت بعض الوحدات العسكرية عن مواقعها تاركة وراءها أسلحتها وذخيرتها، كانت فصائل المعارضة والناس بشكل عام أكثر من مستعدّة لحمل السلاح وقتال النظام.

السيناريو نفسه تقريباً تكرّر في سوريا لكن بشكل أكثر دراماتيكية. الانتفاضة بدأت بشكل سلمي والناس اختارت في البدء أن تكون التكتيكات اللاعنفية هي التكتيكات الرئيسية لانتفاضتها. أحد أكثر الشعارات شهرة خلال الأشهر الأولى في التظاهرات المناوئة للنظام كانت “سلميّة سلميّة”. لكن نظام بشّار الأسد واجه التظاهرات بالرصاص منذ اليوم الأوّل. النظام قتل نحو 15 ألف شخص خلال الأشهر الستة الأولى، أخفى واعتقل وعذّب نحو 200 ألف شخص آخرين، وجرح وهجّر الملايين غيرهم. رغم ذلك، نجحت الثورة السورية بالحفاظ على سلميّتها لثمانية أشهر في وجه القمع، قبل أن تتعسكر ببطء تحت ثقل القمع الوحشي من النظام. في الفترة التي كُتب فيها هذا النص، كان هنالك أكثر من 100 ألف شخص قد لقوا حتفهم، نصف مليون معتقل ومخفي، وملايين تم تهجيرهم من قراهم بسبب القصف والقمع، فيما الاقتصاد السوري يتهاوى إلى الحضيض. رغم أن الانتفاضة الشعبية بدأت سلميّة، النظام في دمشق لم يكن لديه أدنى مشكلة بقتل واعتقال مئات آلاف الناس وتدمير البلد وتحويل النزاع السياسي إلى حرب أهلية مفتوحة، بدل أن يوافق على التنحّي.

في الحالتان السورية والليبية، لم يكن هنالك من مجال للتكتيكات اللاعنفيّة، مهما كانت متقنة وجماهيريّة واستراتيجيّة، لتحقيق أهداف الثورة، تغيير مسار النزاع، أو – وهذا الأهم – الحفاظ على سلامة الناس في مواجهة الطغاة. في النزاعين السوري والليبي، المقاتلون في الخنادق هم أكثر أماناً بكثير من المحتجّين السلميين في الشوارع.

من المهم أيضاً أن نشير إلى أنه في العديد من الحالات، لا يوجد خطوط فاصلة واضحة بين تكتيكات العنف واللاعنف. تعريف العنف هو تعريف مطّاط، وعادة ما تفرضه السلطات الحاكمة وفقاً لمقياسها لوصف أي نشاط اعتراضي يمكن أن يغيّر الأمر الواقع. بكلمات المجموعة الأنركية الأميركية CrimeThinc:

“العنف هو الكلمة-الرمز للاستعمال غير الشرعي للقوّة: أي شيء يمكن أن يعرقل أو يهرب من تحكّم السلطات يُعتبر عنفاً. هذا يفسّر لنا لماذا لا يُعتبر عنفاً قيام مالكي الأبنية في الضواحي برفع الإيجارات، لكن الدفاع عن نفسك حين تأتي الشرطة لطردك من منزلك هو عنف. رمي المواد السرطانية في النهر لا يُعتبر عنفاً، لكن تعطيل المصنع الذي ينتج هذه المواد هو عنف. سجن الناس لا يُعتبر عنفاً، لكن إنقاذ الناس من أيادي الشرطة التي تحاول اعتقالهم هو عنف”[9].

في العديد من الحالات، المنظّمات الراديكالية التي تتحدّث عن التكتيكات العنفيّة تقصد عادة أعمال التخريب التي تستهدف الممتلكات وتهدف لتعطيل سير السيستيم المهيمن، لا الأعمال التي تستهدف الأفراد بشكل مباشر. وهنالك اليوم نقاش في الأوساط الراديكالية ما إذا كان ذلك يمكن تسميته بتكتيكات عنفيّة لأنه لا يهدف أو يتضمّن أذية أي مخلوق حيّ. المدوّن الناشط برندان كيلي يكتب:

“هنالك فرق أخلاقي كبير بين تحطيم زجاج بنك وبين تحطيم شخص. وضع الاثنين تحت مصطلح واحد هو “العنف” هو أمر يدلّ على كسل فكري وقلّة مسؤولية سياسيّة. تحطيم نافذة ليس عنفاً، إنه تخريب. وهنالك فرق – إلا إن كنت تعتبر أن الناس والممتلكات المادية هما الأمر نفسه أخلاقياً”[10].

 جبهة تحرير الأرض ELF مثلاً، التي تصنّفها الحكومة الأميركية على أنها التهديد المحلّي الإرهابي الأوّل، لم تؤدي عملياتها إلى قتل أو إيذاء أي إنسان أو حيوان رغم تنفيذها لآلاف عمليّات التخريب.

خلال الثورتان التونسية والمصرية في العام 2011، التي صنّفها البعض على أنها أنجح الثورات اللاعنفية في التاريخ الحديث، استعملت تكتيكات راديكاليّة تلامس العنف في الكثير من الأحيان. حرق مباني الأمن وسيّارات الشرطة، رمي الحجارة والمولوتوف على قوّات الأمن، تحصين وإغلاق الطرقات العامة، اقتحام مؤسسات الحزب الحاكم وإحراقها، وقتال الشوارع مع مؤيّدي النظام، هي كلها تكتيكات تم استعمالها بل تم اعتبارها في معظم الأحيان تكتيكات لاعنفيّة. تخلّلت الثورتان أيضاً العديد من الهجمات المسلّحة على نقاط الجيش والشرطة في الأطراف الريفيّة.

في الخلاصة، نجاح الاستراتيجيات العنفيّة واللاعنفية يرتبط بالظروف التي تجري فيها كلّ منهما؛ اللاعنف ينجح غالباً مع قضايا قادرة على تعبئة عدد كبير من الناس ومع سلطات تفضّل التنحّي أو قبول المطالب على ذبح شعب بأكمله في الشوارع، ومع سلطات تخشى تحوّل الاحتجاجات السلميّة إلى حرب أهليّة – لا سلطات تتوسّل تحوّل الانتفاضات السلمية إلى ثورات مسلّحة. النقطة المثيرة للانتباه هنا هي أن استراتيجية اللاعنف تعمل بفعاليّة أكبر حين تكون حركة الاحتجاج قابلة على التحوّل إلى حركة مسلّحة أو عنيفة – ما يستدعي من السلطات الاستجابة لمطالب الحركة اللاعنفيّة لتجنّب الاحتمال الأسوأ.

التعامل مع موضوع العنف واللاعنف يجب سحبه من هيمنة الافتراضات الأخلاقية والأيدولوجية ووضعه تحت مجهر التقييم الاستراتيجي الواقعي. وبهذه الطريقة ستكون كل منظّمة أو حركة أوسع قادرة على اختيار الاستراتيجية التي تناسب مكانها وزمانها وسلطتها الحاكمة. وسواء اختارت أن تكون لاعنفيّة بالكامل، أو اختارت أن تكون شبكة سرّية من المقاتلين، التاريخ سيحكم حول جميع هذه الخيارات في نهاية المطاف.