العالم لم يُصنع لنا: لماذا البعد الروحي أساسي للتغيير الشامل

...

*

هذا المقال هو جزء من كتاب: “لعنة الألفيّة: لماذا يفشل النشاط التغييري”. يمكن قراءة السلسلة الكاملة على هذا الرابط: لعنة الألفية

* * *

 طوني صغبيني

*

الطريقة التي نفهم من خلالها العالم ونفترض دوراً محدداً لنا فيه هي موضوع روحي بطبيعته. سواء كنا نؤمن أن العالم موجود من أجل الإنسان وأن هدف الإنسان (أو الرجل تحديداً) هو إخضاعه لإرادته، أو كنا نعتقد أن الإنسان هو مجرّد حلقة واحدة من سلسلة الوجود العظمى، فهذه افتراضات ورؤى روحيّة – بمعنى أنها افتراضات تتجاوز المكان والزمان وتتحدّث عن دور الإنسانية بتعابير تجريديّة فكريّة. الروحانيّة بحدّ ذاتها هي قيمة بشرية متأصلة؛ فنحن كبشر متميّزون بقدرتنا على إدراك الأمور الميتافيزيقية (التي تتجاوز الفيزياء والمادة) على المستويين الداخلي (الذات والعلاقة معها) والخارجي (الزمان والمكان، المفاهيم التجريدية، العلاقات مع الآخرين…ألخ). هذا الوعي الذاتي والقدرة على تأمل الذات والكون هو ما يجعلنا بشراً. نحن بشر لأنه لدينا القدرة على إدراك ذواتنا والآخرين والعالم والتواصل مع كل هؤلاء بطريقة تتجاوز الرابط العضوي المادّي المباشر.

على مستوى أكبر، هذه القدرة الإدراكية تعطينا مفاهيم، رؤى، نظرات معيّنة للعالم، قيم، واتجاه. هي تعطينا فهم محدّد للواقع، وبالتالي فهم لكيف يجب علينا أن نحيا، ولدورنا في الحياة، كأفراد وجماعات.

لذلك، الروحانية هي بجوهرها ميزة حميمة جداً لإنسانيّتنا، وهي تؤثّر بشكل كبير ومباشر على كيفية استعمالنا لطاقتنا الفرديّة والجماعيّة. فإن كنّا نؤمن أننا أعلى طبقة من المخلوقات على الأرض وأن الكوكب هو ملكنا الخاص لنخضعه، سوف نوجّه طاقتنا تجاه إخضاعه مع جميع مخلوقاته وتحويل آخر شجرة وحجرة على الكوكب إلى سلع بلاستيكية لبيعها في الأسواق (وهذا ما يحدث الآن). وإن كنّا نؤمن أننا رفاق كل المخلوقات غير البشرية وجزء أساسي معها في النسيج العظيم للحياة، سوف نوجّه طاقتنا لتعلّم العيش بتناغم مع الأرض ومخلوقاتها. إن كنّا نؤمن أننا شعب مختار من إله في السماء، أو أن البشر هم طبقات هرمية مصنّفة فوق بعضها بعضاً وفقاً للعرق، الدين، الجنس، أو الجنسيّة، سيكون من الطبيعي والمقبول بالنسبة لنا أن تكون مجتمعاتنا مبنيّة على أساس التمييز، العبودية، والقمع الدائم لمجموعات كبيرة من الناس.

واقع الوجود وأجوبتنا الخاصة على مكاننا في العالم تحدّد نظرتنا للوجود، ما يحدّد بدوره إطار قراراتنا وأفعالنا في العالم، ما يحدّد بدوره الواقع الذي سيؤثّر بدوره على نظرتنا للوجود. هذه هي الجدليّة الحقيقيّة.

نظرتنا للعالم تحدّد لدرجة كبيرة كيف نتصرّف فيه، والعكس صحيح (حقيقة العالم تؤثّر أيضاً على تشكيل نظرتنا إليه). ولهذا السبب، الروحانيّة مهمّة جداً. بكلمات المفكّر دانييل كوين:

“لا يوجد مشكلة جوهرية في البشر. إن كان لديهم قصّة لتنفيذها تضعهم بتوافق مع العالم، سيعيشون بتوافق مع العالم. وإن اعطيوا قصّة لتنفيذها تضعهم بتعارض مع العالم، كما تفعل قصّتكم (قصّة الحضارة)، سيعيشون بتعارض مع العالم. إن كان لديهم قصّة لتنفيذها يكونون فيها أسياد العالم، سيتصرّفون على أنهم أسياد العالم. وإن كان العالم في هذه القصّة هو خصم يجب إخضاعه، سوف يخضعونه كما يخضعون الخصم، وفي يوم من الأيام، سيكون خصمهم جريحاً ينزف حتى الموت تحت أرجلهم، كما هو العالم الآن”(1).

أهم المشاريع البشرية في التاريخ، بدءاً من بناء المعبد الأول في غوبكلي تيبي فيما كانت البشرية لا تزال مجتمعات صيد وقطاف، كانت تحرّكها رؤيا محدّدة، نظرة للعالم، هدف أسمى؛ أو بعبارة أخرى: جذور روحيّة.

هذا التأثير العظيم الذي يمتلكه البعد الروحي في القلب البشري قد تم استغلاله تاريخياً من قبل الكثير من السلطويين والمؤسسات المدمّرة، وتم استخدامه لإحداث رعب وظلم لا يمكن تصوّره خلال الألفيتين الأخيرتين بشكل خاص. هذا الاستغلال قاد في الكثير من الأحيان لرفض معاصر مطلق للروحانيّة ككل، وخاصة بعدما أصبحت الروحانيّة والدين مرادفان لنوع واحد من الدين السلطوي والقمعي – الدين التوحيدي في أوروبا والمتوسّط.

هذا السياق التاريخي شهد ولادة التيارات المناهضة للدين كالتيارات الشيوعية والإلحادية والعلمانية واللاسلطوية، وهذا السياق التاريخي هو الذي دعا هذه الحركات لرفض كل ما هو مرتبط بالروحانية بشكل شبه قاطع. المشكلة هي أننا نعيش اليوم في سياق تاريخي مختلف نسبياً لكن العديد من حركات الألفية ورثت العداء الشديد تجاه الروحانيّة من التيارات السابقة من دون إعادة النظر فيه وفقاً للظروف الحالية.

صعود التطرّف والعنف الديني هو من دون شكّ عنصر يضخّ الحياة للفلسفات الرافضة للروحانية، لكن المشكلة أن النقد اليساري والإلحادي الجديد للروحانيّة والدين يتم في سياق شمولي مطلق يحاول أن يفرض نفس القراءة والتأويل والمعنى على كل الروحانيات بأشكالها المختلفة، في جميع الأماكن، في جميع الأزمنة، وبغضّ النظر عن أي سياق خاص بكلّ منها. لذلك علينا أن نتذكّر أن النقد اليساري والعلماني تجاه الدين نشأ في سياق تاريخي محدّد جداً: رعب الحروب الدينية والقمع الديني في أوروبا والشرق الأوسط من القرون الوسطى حتى القرن التاسع عشر. وهذا النقد ينطبق أيضاً على سياق محدّد جداً: الأديان السلطوية، التوحيدية والإقصائيّة التي تقوم على سلطات مركزية، هرميّة، تقتصر على الرجال، – سواء كانت هذه السلطة مؤسسة معصومة أو كتاب منزل.

الرفض اليساري المطلق للروحانية الذي ورثته حركات الألفية لدرجة كبيرة يحرم حركات التغيير السياسي والاجتماعي من بعد فريد وقويّ، وربما الأداة الأقوى التي يمكن أن تكون بمتناولها.

تجاهل البعد الروحي يعني تركه كأداة يستعملها ويستغلّها خصومنا في السلطة في حربهم ضدّنا. الآثار المرعبة للدين في العديد من أنحاء العالم اليوم وفي التاريخ هي بحدّ ذاتها أكبر دليل على القوّة العظيمة التي تمتلكها الروحانيّة في التأثير على الناس وعلى الأمر الواقع. الروحانيّة كانت وستكون دائماً إحدى أخطر العناصر المحرّكة للشعوب والأفراد في كلّ الأماكن وكلّ الأزمان. الحركات الأكثر نجاحاً في التاريخ كانت الحركات التي كان لديها جذور روحانيّة سلّحت أفرادها برؤى متكاملة حول الحياة وحول دور الإنسانية أو دور مجموعة محدّدة فيها في العالم والتاريخ. هذه حالة العديد من التيارات المناهضة للعبودية في الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر والستينات، وما عرف بلاهوت التحرير في أميركا الجنوبية في السبعينات، وفي حركات مقاومة لا تحصى من كافة أنحاء العالم.

مشكلة أخرى هي أن المنظومة المهيمنة على الكوكب – الرأسمالية الصناعية، لديها رؤيا روحية متجذّرة في عقول الجميع من دون أن يدروا. هي رؤرية ضمنيّة جداً تقوم على فلسفة العبد-السيّد وتفترض أن الأرض، كل مخلوقاتها، وكل البشر الذين ينتمون لطبقة أدنى (كالنساء، الملونون، العمّال، الفقراء، الأجانب، المختلفون دينياً…ألخ) ينتمون لطبقة محددة من الرجال. هذه النظرة تضع الرجل-السيّد في مركز الكون وفوق جميع المخلوقات الأخرى (من ضمنهم الرجال والنساء الأقل ثروة وسلطة)، وتعطي هذه الطبقة من الرجال-الأسياد حق إخضاع وتدجين العالم وتفتيته وبيعه وصناعته على صورتهم كسجن كبير. إن لم تكن هذه الرؤيا المهيمنة هي رؤية دينية-روحيّة، فما الذي هو كذلك؟

بالإضافة إلى كلّ ذلك، الأديان الهرمية الإقصائيّة كانت ولا تزال أداة فعّالة جداً في يد الطبقات الحاكمة لإخضاع وإلغاء البدائل التي تظهر هنا وهناك من وقت لآخر. ترك هذه الأداة القوية في يد خصومنا من دون أن نقدّم بدائل روحية للناس، فيما نقوم نحن في الوقت نفسه بإغلاق أعيننا والإدعاء بأنها غير موجودة وأنها مجرّد أفكار سخيفة لا يعتدّ بها، يعني أننا نخسر نصف المعركة على الأقل، كل معركة.

  التغيير الذي نحتاجه في واقع الإنسانيّة اليوم هو تغيير هائل وشامل وجذري وغير مسبوق في تاريخ جنسنا. نحن نحتاج لطرق جديدة في التفكير، الفعل، والوجود في هذا العالم. صراعنا اليوم ليس حول تغيير أسماء الرؤساء في الحكم أو إقرار قوانين في البرلمانات أو اختراع ألعاب تكنولوجيّة جديدة توفّر القليل من الطاقة. نحن نحتاج لتغييرات منهجيّة كبرى في كامل هندسة حياتنا ولا يمكن تحقيق هكذا تغيير من دون نظرات شاملة للحياة والكون والإنسان تجيب على الأسئلة الكبرى حول دورنا في شجرة الوجود العظمى.

الروحانيّة هي صفة فطريّة في الإنسان، وإن كان هنالك من قوّة عظيمة تستطيع فتح أبواب واقع جديد مختلف، فهذه هي.

 ________________________________________

1 – See Daniel Quinn, Ishmael: An Adventure of the Mind and Spirit, Bantam/Turner Books, 1992.

4 comments

  1. غير معروف · أكتوبر 19, 2013

    هون بالضبط هو وجع القلب.
    لإنه البعد الروحاني السائد حاليا مزروع و”مشرّش” بأصغر طفل ممكن تشوفه بالمدرسة عم بيضرب بنت صفّه بس لإنها بنت، أو بتشوفه بالشارع عم بيعذب حيوان أضعف منه بس لإنه حيوان، وعم بيدعس على ورد بس لإنه مجرد نبات، أو يمكن هو بيشوفه مجرد زينة.
    ولما منيجي نشتغل مع هيك طفل، بيمنعونا (بثقافة المدرسة وثقافة وزارة التعليم) نحكي معه على روحانيات متعلقة بالطبيعة لإنها ضدّ التقاليد العامة، ومنكون مجبورين عشان نوصّللو الفكرة إنه البنت والحيوان والوردة من حقهن يعيشوا بسلام، إنه نقتبس من القرآن أو الإنجيل جُمل بتطرح أفكار للرأفة والرحمة! مع إنو نفسها هاي الكتب هيي اللي دعت على التسلط على المرأة والحيوان والنبات.

    حلقة مفرغة.
    بيمنعوك تكسرها.

    حلقة مفرغة بتبلش من عمر كتير صغير، ومحبوكة بشكل، بيمنعوك تطلّع حدا منها، وخاصة طفل، إلا إذا أصرّيت إنك تترك تأثير منافي للثقافة السائدة، اللي بيدافعوا عنها حتى بالمؤسسات الحكومية نفسها، وطبعا تأثيرك بدو يكون هامشي جدا قدّام عالم كامل عم بيتصرف عكسك. في قطيع ماشي، والطفل بدو يلحقو بالآخر…

    كيف بدّك تغيّر البعد الروحاني عند الناس؟ إذا مع الأطفال هالقد صعب، فكيف مع الكبار؟ اللي مخّهن بيشبه مكعّبات من مواد صلبة، غير قابلة لأيّ تحوّل:\ ومفكّرين إنه الحضارة الحالية هيي الحضارة اللي ساوتنا بشر مناح، وإنه قبل هيك إحنا كنا مجرد مجموعات بشرية عايشة بهمجيّة وبدون دين.

    هنّي شايفين انه الدين هوّي الدين اللي فتحوا عيونهن ولاقوه.
    وتعلّموا يرفضوا أيّ حدا بيقول أنا بآمنش بهاد الدين، ويطلبوله الهداية.

    بشغلي أنا بحاول أتجاهل موضوع ديانتي، وإذا بدي أضطر أحكي هالمعلومة، بسمع ألف دعوة لدخول الإسلام (من زغار ومن كبار)، لإنه كلّهن برأيهن أحسن، ولأنه وضعي الحالي هيك وانا مش مسلمة، هوّي وضع بيتطلّب تحسين فوري وإجباري. فكيف ممكن معهن أفتح موضوع التغيير الروحاني اللي أنا بآمن إنه لازم يصير جوّيتهن؟ وبالعالم؟ كيف؟ بيرفضوني كإنسانة!

    الحرّيّة الدينيّة بمجتمعنا هيي خطيئة صعبة، وغير مقبولة. هاد إحساسي انا طنطون.
    يمكن بمجتمعي الضيق حواليي (العيلة والاصدقاء) بيتفهّموا إيماني، بس برضو بحسّهن بأغلب الأوقات بيشوفوني ملحدة، وعبث أشرحلهن إنه الإلحاد مش جزء من أفكاري. وإني بصلّي متلا، بس مش للشخصيات الدينية اللي هني بيعرفوها.. عبث.

    إسا صحّ مبيّن من حكيي إني يأسانة.
    أنا مقتنعة 100% إنه التغيير بالبعد الروحاني مطلوب، وضروري، وهوي مش مجرد تغيير بسيط. أنا بحكي مع اللي حواليي عن هيك أمور، ورغم انفتاحهن معي، بحسهن بيلقطوا حكيي على إنه خزعبلات. التغيير الروحاني اللي لازم يصير أنا بشوفه إنه هو شبه نسف لكلشي سائد، وبناء من أول وجديد. اللي بيوجع القلب، إني بعرف إنه هاد التغيير مش رح يصير بالوتيرة اللي الكوكب تبعنا بحاجتها. لبين ما العالم يستوعب التغيير ويبلش ينفذو، يمكن يكون صار متأخر… وهون وجع القلب.

    • Abeer Khshiboon · أكتوبر 19, 2013

      هاي أنا بس ماكنتش مسجّلة دخول D:

  2. تنبيه: لعنة الألفية: لماذا يفشل النشاط التغييري | نينار
  3. تنبيه: نحو ثقافة سياسيّة جديدة للقرن الحادي والعشرين | نينار

التعليقات مغلقة.