نحو ثقافة سياسيّة جديدة للقرن الحادي والعشرين

هذا المقال هو جزء من كتاب: “لعنة الألفيّة: لماذا يفشل النشاط التغييري”. يمكن قراءة السلسلة الكاملة على هذا الرابط: لعنة الألفية

* * *

...

*

طوني صغبيني

*

مشكلتنا بسيطة: الأمر الواقع تغيّر كثيراً خلال العقود الماضية فيما بقيت ثقافتنا السياسية على حالها. الثقافة السائدة حالياً وخصوصاً في وجهها السياسي، هي ثقافة عفا عليها الزمن وغير قادرة على التعامل مع عالم اليوم.

الثقافة السياسية لا تنشأ من فراغ: الواقع المادّي يزوّدنا بثقافة، بفهم محدّد لكيفيّة عمل الأمور في الحياة ككل، بنظرة محدّدة إلى العالم تتيح لنا فهمه والعيش فيه بأكبر قدر ممكن من الأمان الفيزيائي والنفسي. وهذه الثقافة، بدورها، تزوّدنا بذهنيات وباستراتيجيّات نشاط وأدوات توجّه طاقتنا وتساعدنا على تحقيق أهداف نراها سامية – غالباً ما تتمثّل بتغيير الأمر الواقع. وهكذا تصبح الثقافة عنصراً في إعادة تشكيل الواقع الذي شكّلها.

الثقافة السياسيّة تعالج ناحية مهمّة من الواقع مرتبطة بكيفية تنظيم وحكم أنفسنا على المستوى الجماعي. هي تحدّد أيضاً إلى حدّ كبير ما نفعله بالموارد المتاحة لنا، كيفية تنظيم العلاقات بين الجماعة والحكّام، بين الفرد والجماعة، وبين الجماعات والأفراد أنفسهم… الثقافة السياسيّة تحدّد كيف نفهم ونتعاطى مع الواقع السياسي وآلياته المختلفة، وهي أيضاً تحدّد الإطار الذي تنبثق منه الاستراتيجيّات والتحرّكات التي نقوم بها حين نسعى لتحقيق تغيير ما.

في الماضي، الثقافة السياسيّة السليمة هي الثقافة التي كان يمكن من خلالها لعدد كبير من الناس فهم شكل الحكومة، الآليات السياسية، الوسائل السياسيّة ودورها (كالأحزاب، مجموعات الضغط، الكتل الناخبة…ألخ)، أشكال الضغط السياسي (كالانتخابات، الضغط، الترويج، العرائض، التظاهرات…ألخ)، وآليات تحضير، صناعة وتنفيذ السياسات العامة والقوانين. من المهم أن ننتبه إلى أن هذه الثقافة السياسية التقليدية ترتكز على عدد من الافتراضات السياسيّة المسبقة التي نسلّم بصحّتها المطلقة ومنها:

  • الافتراض: النموّ الاقتصادي المستمرّ واللانهائي هو أمر لا يمكن التشكيك به، وهو الهدف أسمى لكلّ السياسات العامة وللاقتصاد بأكمله (الهدف الرئيسي لمعظم حكومات في العالم هو تحقيق نموّ اقتصادي – والهدف للحكومات الباقية هو البقاء في السلطة فحسب). المشكلة: النموّ قتل الكوكب وكافة الفصائل الحيّة وسحق روح الإنسان بكل ما للكلمة من معنى، كما أننا اليوم نعيش النهاية النهائية للنموّ الاقتصادي والسقوط البطيء للرأسماليّة الصناعية بأكملها.
  • الافتراض: الحكومات تمتلك قدرات قانونية، مالية، اقتصادية، سياسية وعسكرية هائلة، ما يجعلها مسؤولة عن تحقيق العدالة الاجتماعية. المشكلة: الحكومات اليوم هي أجساد فارغة في معظم الوقت، قادرة على القمع فقط لكن غير قادرة على تحقيق العدالة الاجتماعيّة أو تغيير مجرى الانهيار الكبير.
  •  الافتراض: الدول-الأمم هي الشكل الرئيسي للتنظيم السياسي الدولي في العالم وهنالك حدود سياسيّة واضحة ولا يمكن تجاوزها بين دولة وأخرى. المشكلة: الحدود لم تكن موجودة يوماً.
  • المسلّمة: السياسة تقود وترسم مسار الاقتصاد والمال. المشكلة: المال يرسم مسار كل شيء في السياسة (تقريباً).
  • الافتراض: حكم القانون هو التعبير الأسمى للسياسة وهو ضمانة حقوق الإنسان. المشكلة: بنود على ورق لا تضمن شيئاً في عصر الانهيار، كما أن القانون غالباً ما يخدم الأقوى لا العكس.
  • الافتراض: هنالك حدّ أدنى من مجتمع مدني عقلاني ومطّلع لديه رأي عام يقوم بقرارات محسوبة متعلّقة بمستقبله. المشكلة: هذه الفكرة بأكملها مجرّد سراب وغير مرتكزة لا على الوقائع العلمية ولا على التاريخ.
  • الافتراض: أي مشكلة سياسية أو اقتصاديّة يمكن حلّها عبر تغيير الحكومة أو تغيير النظام السياسي. المشكلة: لا يوجد حكومة أو نظام سياسي في العالم قادرة على تغيير قوانين الفيزياء وإيقاف الانهيار البطيء للرأسمالية الصناعية وما يترتّب على ذلك من نتائج.
  • الافتراض: يمكن تغيير السياسات العامّة عبر الوسائل السياسيّة التقليدية كالضغط السياسي، الإعلام، الانتخابات، التظاهرات، والعصيان المدني. المشكلة: هذه الوسائل تعجز اليوم عن إجبار الحكومات حتى على العدول عن شقّ طريق وسط غابة نائية أو تغيير مادة واحدة في قانون مغمور، فكيف بالأمور الأكبر؟
  • ألخ… ألخ…ألخ

 *

كل هذه الافتراضات التي نعتقد حكماً أنها صحيحة لدرجة أننا نادراً ما نناقشها ربّما كانت صحيحة في نقطة ما من الزمن في الماضي، لكنها اليوم مجرّد مجموعة من الكلمات الفارغة ولا تعبّر كثيراً عن الواقع. الرأسمالية الصناعية تتداعى تحت وطأة الأزمات الإيكولوجية والطاقويّة، والنموّ الدائم إلى الأمام ولّى إلى غير رجعة، ومن المرجّح أن الانكماش الاقتصادي المستمرّ وغير القابل للعكس سيكون هو واقعنا الاقتصادي لفترة طويلة جداً.

الحكومات هي أجساد ميتة وعاجزة عن معالجة معظم معضلاتنا البيئية والاقتصادية والطاقوية. الدول-الأمم تنتمي إلى متاحف التاريخ بعدما حوّلتها تكنولوجيا الاتصالات، الهجرة الجماعيّة، والتبادل الثقافي إلى مزحات سمجة. القوانين لا طائل منها على الإطلاق، وهي أداة بيد الأقوياء والأغنياء، لا فقط في العالم الثالث بل في أكثر العواصم الغربيّة تقدّماً أيضاً.

المجتمع المدني هو مجرّد ظلّ هزيل لما كان عليه في الماضي، ويتم استبداله الآن بانتماءات أكثر فطرية كالدين، الإثنية، العائلات، العصابات، المجموعات المالية المغلقة، والعشائر والمناطق. حتى أن تعريف المجتمع نفسه بات فارغاً من المعنى: نحن اليوم لسناً مجتمعاً، بل نحن شبكات هائلة من الأفراد المعزولين يشكّل فيها الاكتئاب واللامبالاة الظاهرتان السياسيتان الأكثر شيوعاً. الاقتصاد انفصل عن العمليّة السياسية منذ زمن طويل، والمال انفصل عن الاثنين ويقودهما كلاهما من خلف الستار.

حكم القانون، النموّ الاقتصادي، العدالة الاجتماعيّة، والمساواة الاقتصادية هي كلّها اليوم مجرّد سراب في عالم وصل إلى حدود النموّ ولا يستطيع الاستمرار في السير إلى ما لا نهاية بنفس الطريقة مهما تنوّعت القرارات السياسيّة والاقتصاديّة المقبلة.

 *

كل هذه العوامل بدّلت شكل المشهد السياسي بشكل جذري ونحن حتى الآن لم نستطع هضم هذه التغيّرات الهائلة والسريعة التي تحصل حولنا. لكن العديدون منّا، رغم فهمهم لهذه المتغيّرات، لا يزالون يفكّرون ويعملون وفقاً للثقافة السياسية القديمة العقيمة التي تناسب عالم الأمس – لا عالم اليوم.

لذلك نحن نحتاج لنقلة نوعيّة في ثقافتنا السياسيّة ككل. ليس كافياً بعد اليوم أن نحسّن أدائنا في النشاطات التقليدية، وليس كافياً بعد اليوم أن نحسّن فعاليّتنا في استخدام وسيلة اتصالات أو إعلام، وليس كافياً بعد اليوم أن نخترع أنواعاً جديدة من التحرّكات المسرحيّة ضمن نفس التكتيكات العقيمة وضمن نفس الثقافة السياسيّة البائدة.

علينا بناء ثقافة سياسيّة جديدة بالكامل؛ ثقافة تستطيع تغذية وتعزيز أساليب جديدة وفعّالة في التفكير والفعل. لا يمكن تخيّل ثقافة سياسيّة كاملة في كتيّب صغير، ولا يمكن بناء هكذا ثقافة من الصفر في يوم واحد؛ الثقافة السياسيّة هي عمليّة طويلة من التجربة والخطأ والتعلّم والجهود الرامية. في جميع الأحوال، نستطيع أن نحدّد بعض الخصائص التي يمكن أن تكون مفيدة جداً لثقافة سياسيّة صاعدة تهدف فعلاً لتحقيق التغيير.

*

ثقافة سياسيّة ديناميّة للقرن الـ 21 هي:

  • ثقافة تمتلك ترسانة سياسيّة جريئة وبراغماتيّة: نحن نحتاج لثقافة سياسيّة نستطيع من خلالها التفكير والعمل بطريقة استراتيجيّة وواقعيّة في الوقت نفسه. بدلاً عن ثقافة عالقة في نفس التكتيكات العقيمة القديمة، نحن نحتاج لثقافة سياسيّة تمتلك الشجاعة والقدرة على القيام بتحرّكات جريئة وفعّالة، وعليها أن تكون في الوقت نفسه قادرة على تجاوز وتحسين طرقها باستمرار لتحقيق أهدافها.
  • ثقافة متعدّدة الأبعاد ترتكز على أكثر بكثير من السياسة الصرف؛ البعض يمكن أن يطلق عليها اسم ثقافة النهضة. بهدف فهم العالم اليوم وبناء ردود حقيقيّة على المعضلات التي تواجهنا، نحن نحتاج لفهم متعمّق لأبعاد الإيكولوجيا والبيئة، السوسيولوجيا، الاقتصاد، الروحانيّة، البيولوجيا، علم النفس، العلوم الطبيعية، الأنتروبولوجيا، وغيرها. بالمختصر، نحن نحتاج لثقافة شاملة ومتكاملة تستطيع أن تقدّم رؤى متكاملة تساهم في رسم معالم المستقبل بكافة أوجهه.
  • ثقافة رؤيويّة: بما أننا بحاجة إلى طرق جديدة في التفكير، الفعل والوجود في العالم، نحن نحتاج بالفعل لثقافة سياسيّة استثنائيّة – نحن بحاجة لثقافة رؤيويّة. لكن علينا أن ننتبه في الوقت نفسه إلى عدم الوقوع في فخّ الرؤى اليوتوبية أو العقائد الجامدة.
  • ثقافة ملائمة لعالم ما بعد الرأسمالية الصناعية \ عالم ما بعد انهيار الحضارة. عالم الغد هو عالم قد تكون فيه نسب نموّ الاقتصاد، الكهرباء، المدن الكبرى، القوانين، وحقوق الإنسان كلمات تقتصر على كتب التاريخ. نحن نحتاج لثقافة تفهم السقوط البطيء للحضارة الصناعية. نحن نحتاج لثقافة يمكن أن تستنبط أساليب جديدة للتحوّل والتكيّف مع واقع التراجع الحضاري. على هذه الثقافة أن تدرك أن مسؤوليتها هو ألا تنزلق البشرية إلى عصور مظلمة حين تنقطع الكهرباء.
  • ثقافة مرتكزة على مقاربة منهجيّة للسيستيم ككل. يجب أن ننتهي من الحلول الجزئية، التغيّرات الفردية، انتظار القيامات الجماهيرية التي لن تأتي، البرامج المؤقتة والرؤى المجتزأة. حان الوقت لفهم ومقاومة السيستيم ككل.
  • ثقافة تؤمن بتحقيق التغيير بشكل مباشر بدل توسّله من السلطات والشركات. علينا أن نتوقّف عن توقّع الخير من هكذا مؤسّسات مرتكزة أساساً على السلطوية، الربح، والقمع. لا يمكننا أن ننتظر التغيير بعد اليوم من السياسيّين ومديرو الشركات؛ من يستفيد من قتل العالم لن يقوم بانقاذ العالم. علينا في الواقع أن ننقذ العالم من هؤلاء تحديداً. علينا أن نبدأ بالمقاومة والتحوّل بأنفسنا من دون انتظار أحد ولا سيّما السلطات.
  • ثقافة لا تمجّد اللاعنف أو العنف على أساس أيدولوجي بل تقيّمهما كاستراتيجيات نشاط يمكن تطبيقها وفقاً للسياق والمكان والزمان.
  • ثقافة منفتحة تستوعب جميع الناس في عمليّة التغيير ولا تحوّل النضال السياسي إلى مهنة أو إلى دور اجتماعي متخصّص، ولا تبني حدوداً وهمية بين الناشطين وغير الناشطين.
  • ثقافة متوازنة، يمكن أن توازن بين إنشاء القادة ودعمهم وبين رفض السلطوية، بين تنظيم الجماعات بشكل استراتيجي وبين إعطاء المساحة للجميع للعمل وفقاً لوتيرتهم وتفضيلاتهم الخاصة في الوقت نفسه.
  • ثقافة تقدّر العلاقات البشرية والمجتمع بدلاً عن التكنولوجياً.
  • ثقافة لا تخاف من البعد الروحي وتدرك أهميته في إنشاء طرق جديدة للوجود والعيش والفعل في هذا العالم.

 *

الأهم من كل ذلك: نحن نحتاج لثقافة تكون أساس حياة جديدة، لا ثقافة تدور حول أمور جزئية كالقوانين وأسماء الرؤساء. نحن نحتاج لثقافة شجاعة لا تخاف من أن تكون على الجانب غير المقبول سياسياً في زمن أصبح فيه الموقف السياسي المقبول مساوٍ للخنوع الدائم في وجه السلطات. نحن نحتاج لثقافة جريئة كفاية لتسمية الأسماء وخوض المعارك حتى النهاية. نحن نحتاج لثقافة تركّز على الدفاع عن الحياة وإنقاذ المستقبل، وليس على المقاعد النيابيّة، على تحقيق خمس دقائق من الشهرة على التلفزيون، أو اكتساب آلاف المعجبين على فايسبوك.

نحن نحتاج لثقافة صريحة تمتلك شجاعة القول بأن الرأسمالية وحضارتها هي عملية قتل ممنهج للإنسان والكوكب كان يجب وضع حدّ لها في الأمس، لا اليوم فقط. نحن نحتاج لثقافة تمتلك شجاعة الاعتراف بأن عالمنا يتغيّر بشكل جذري وبأن الحضارة الصناعية دخلت في آخر مراحل الانهيار. نحن نحتاج لثقافة تستطيع التصرّف وفقاً لهذه الحقائق بدل البقاء في حالة نكران. نحتاج لثقافة تدمج التفكير الاستراتيجي البارد مع الشجاعة العنيدة الحارّة. نحن نحتاج لثقافة تهدف لربح الصراعات، لا لإسماع صوتها فحسب.

يكفي ضجيج، إننا نحتاج لثقافة تفعل، لا ثقافة تعتقد أن الصراخ هو فعل سياسيّ. حان الوقت لإيقاف عمليّة الدوران حول أنفسنا في حلقات مفرغة والبدء بتحقيق تحوّل حقيقي على الأرض.

نحن نحتاج لثقافة مقاومة.

حان وقت إيقاف تحديث ستاتوساتنا على فايسبوك وتويتر، والبدء بالمقاومة السياسيّة المنظّمة!

*

[انتهت السلسلة]

4 comments

  1. تنبيه: نحو ثقافة سياسيّة جديدة للقرن الحادي والعشرين | شبكة النشاط اللاعنفي
  2. تنبيه: لعنة الألفية: لماذا يفشل النشاط التغييري | نينار
  3. Aysha Alkhulaifi · أكتوبر 29, 2013

    لو سمحت لو ابي اسوي معك interview about healthy life style اقدر او لا ؟؟

    • Tony Saghbiny · أكتوبر 30, 2013

      أهلاً عائشة، أكيد بيشرّفني ما فيه مشكلة
      بريدي موجود هون على المدونة على صفحة الاتصال بي🙂
      سلامي

التعليقات مغلقة.