لماذا من الأفضل تركيز التدوين على موضوع واحد

...

*

طوني صغبيني

*

هل من الأفضل أن ندوّن عن كل شيء ضمن نطاق اهتمامنا أم يجب أن نحصر مضمون مدوّناتنا في موضوع واحد؟

هذا السؤال يخطر على بال معظم المدوّنين عاجلاً أم آجلاً، وخصوصاً أولئك الذين لديهم العديد من الاهتمامات التي لا يمكن حصرها في موضوع واحد. عند بداية إطلاق مدوّنة نينار، اخترنا التدوين عن كلّ شيء يقع ضمن نطاق اهتمامنا الشخصي، ولذلك تراوحت مواضيع المدوّنة من قراءة الكتب والأفلام، إلى النثر والنصوص شبه الأدبيّة، إلى النصوص الفكرية والفلسفية والسياسيّة والاقتصادية والطاقوية والبروباغاندا الحمراء-الخضراء، مروراً بالتصوير والرياضة والدفاع عن النفس والمواضيع البيئية والمسائل الروحيّة.

هل كان ذلك خياراً صائباً؟

فلنفكّر معاً في الجواب.

*

الجوانب الإيجابية لوضع كل أفكارنا على مدوّنة واحدة:

منذ خمس سنوات بدا أن وضع كل أفكاري في مدوّنة واحدة هو الخيار الأفضل، حيث أن وضع كل اهتماماتنا في مكان واحد له بعض النتائج الإيجابية منها:

  • إدارة عملية التدوين من الناحية التقنيّة هي أسهل، حيث أن كل شيء متواجد في نفس المكان
  • إيجاد مواضيع للكتابة هو أمر أسهل حين نكتب عن كلّ شيء، ما يعني أن تحديث المدوّنة بشكل دائم هو أمر سهل نسبياً.
  •  وجود كلّ المواضيع في مكان واحد له أثر إيجابي على

    عدد الزوّار على الأمد القصير لأن تنوّع المواضيع سيؤدي إلى جذب مجموعات متنوّعة من القراء وإلى مشاركة المواضيع على شبكات متنوّعة ومختلفة، وإلى بناء العديد من الروابط المفيدة التي تصل إلى المدوّنة.

كما نلاحظ، هنالك العديد من الجوانب الإيجابية لوضع كل أفكارنا في مكان واحد، لكن هنالك مشكلة أساسيّة في ذلك: عدم القدرة على الحفاظ على القرّاء.

*

مشكلة خسارة القرّاء الدائمين في المدوّنات العامة

التدوين عن عدّة مواضع في الوقت نفسه يعني أحد أمرين: إمّا أن المدوّنة هي بوابّة فكرية-سياسية-ثقافية تعالج كل شيء في الوقت نفسه – وهذا يستوجب تحديث مستمرّ للمدوّنة بأعداد كبيرة من المواضع (على الأقل 6 مواضيع في الأسبوع)، وإمّا أن المدوّنة لا تمتلك هويّة واضحة.

قد يعترض البعض على النقطة الأخيرة ويقول أن المدوّنة العامة تعبّر عن الهوية المتعدّدة الأبعاد لصاحبها في نهاية المطاف – وهذا صحيح، لكن ليس بالنسبة للقارىء. فالقارىء المهتم بقراءة النصوص الأدبية لن يستمرّ بزيارة مدوّنة تنشر موضوعاً أدبياً واحداً كل ثلاثة أشهر، والقارىء المهتمّ بتعلّم فنون الدفاع عن النفس لن يشترك بريدياً بمدوّنة نشرت موضوعين حول الفنون القتالية خلال ثلاثة أعوام، والقارئة التي اهتمّت بالمدوّنة لنشرها مواضيع فكرية راديكالية مناهضة للسيستيم قد تفقد اهتمامها بعد فترة إن استمرّت المدونة بنشر مواضيع حول الرياضة مثلاً.

التدوين حول مواضيع مختلفة يعني أننا قد نكتب لشهرين عن مشاكل النضال السياسي في أيامنا مثلاً، ثم نضع بعض الصور الفوتوغرافية من رحلتنا إلى النيبال، لنتحدّث من بعدها عن مساوىء تناول السكّر بكميات كبيرة. النتيجة على المدى البعيد هي خسارة جميع القرّاء على السواء، بكافة اهتمامتهم حيث أن القارئة التي تريد التعمّق في أساليب وتكتيكات النضال السياسي لا تكترث بمشاهدة صوري على الفيل النيبالي، والقارىء الذي يريد أن يعرف عن مساوىء السكّر لا يريد أن يقرأ لشهرين لماذا يفشل تكتيك التظاهر في تحقيق نتائج بوجه الحكومات. معظم الناس لديها اهتمامات محدّدة، أو لديها وقت قليل جدّاً للمتابعة الالكترونية بشكل يجبرها على انتقاء ما تتابعه بدقّة – ما يعني أنه باستثناء قلّة قليلة جداً من القراء الذين يشاركوننا نفس الاهتمامات الواسعة، لن يكون هنالك الكثير من القرّاء الدائمين لمدوّنتنا. أضف إلى ذلك مشكلة نقص الانتباه لدى أبناء جيلنا الشاب التي تضع الكتّاب أمام تحدّي تركيز رسالتهم قدر المستطاع للحصول على القليل من الانتباه لأفكارهم.

لذلك، وبعد خمس سنوات من التدوين، خلاصتنا هي أنه إن لم يكن لدينا الوقت الكافي لكتابة 6-7 مواضيع متنوّعة في الأسبوع وتقديم مدوّنة عامة فيها ما يكفي من المواد للمحافظة على اهتمام الجميع، من الأفضل أن نخصّص مدوّنتنا للحديث عن اهتمام أو موضوع واحد (كالسياسة حصراً، أو الحياكة، أو التصوير، أو الشعر…ألخ)، ويمكن أيضاً إقامة أكثر من مدوّنة تهتمّ كل منها بموضوع متخصّص معيّن. وهذا ما سنفعله على مدوّنة نينار قريباً، حيث أننا قمنا في السابق بإنشاء مدوّنة للمواضيع التي نكتبها باللغة الإنكليزية، وبإنشاء مدوّنة للمواضيع الروحية بعنوان اسكندرية-415 (المدونتان ستتم إعادة تفعيلهما قريباً)، كما أننا سننشئ مدوّنة متخصّصة بفنون القتال والدفاع عن النفس.

*

الجوانب الإيجابية للتدوين حول موضوع واحد

  • التحدّث إلى قرّاء مهتمّين مسبقاً بالموضوع بدل الكفاح لاكتساب اهتمام القرّاء بكل موضوع جديد نطرحه. القارئة التي تتابع مدوّنة تصوير تأتي إلى المدوّنة لأنها مهتمّة بالتصوير، وكذلك القارىء الذي يتابع مدوّنة رياضية مثلاً – بعكس المدوّنة العامة التي يجب علينا فيها أن نبرّر ونشرح للقارىء كل مرة لماذا نتحدّث عن موضوع جديد أو أن نقنعه بضرورة الاهتمام بموضوع جديد كل بضعة أسابيع.
  • إعطاء الجميع حقّه: المدوّنة المتخصّصة تتيح معالجة الموضوع نفسه بتعمّق وتناول جميع جوانبه بدل تناوله باقتضاب وسرعة. إلى ذلك، هي تعطي القارىء حقّه كونه يحصل على مضمون مفيد ومتناغم ومرتبط بتوقّعاته (بدل أن يجد في كلّ مرة محتوى قد لا يكون ضمن نطاق اهتماماته)، وتعطي الكاتب حقّه أيضاً كونه يستطيع الحديث عن كافة جوانب الموضوع من دون الخوف من خسارة انتباه القرّاء.
  •  تعزيز مرجعيّة المدوّنة ومحرّرها: حين يكون المدوّن خبيراً في الموضوع الذي يعالجه، تتحوّل مدوّنته المتخصّصة بدورها إلى مرجعيّة على الانترنت في الموضوع المذكور، ما يعزّز من مكانتها وينعكس إيجاباً على عدد الزوّار وعلى حماسة المتابعين للمشاركة والمتابعة في المدوّنة.
  • رفع عدد الزوّار الدائمين: حين تجتمع العناصر السابقة فذلك يؤدي بشكل طبيعي إلى ارتفاع عدد الزوّار ويعود ذلك إلى العدد المتزايد من القرّاء الذي يعود إلى المدوّنة بشكل متكرّر.

باختصار إذاً، وبعد أكثر من خمس سنوات في عالم التدوين، نعتقد أن المدوّنات العامة لا يزال لها مكانها في عالم التدوين، لكن من الأفضل تفريعها أحياناً إلى مدوّنات متخصّصة كون ذلك يعطي مساحة أكبر للقارىء والكاتب على السواء وينسجم مع واقع أن انتباه القارىء والمتابع الالكتروني في هذه الأيام هو أدنى بكثير مما كان عليه منذ خمس سنوات.

2 comments

  1. ayhkas · نوفمبر 30, 2013

    شكراً لك، نصائح مفيدة قد تساعدني في البدء بعد سنة كاملة من التردد

  2. تنبيه: لماذا من الأفضل تركيز التدوين على موضوع واحد | شبكة النشاط اللاعنفي

التعليقات مغلقة.