عشرة مشاريع تغييرية يمكن البدء بها اليوم

...

*

طوني صغبيني

*

غالباً ما يشعر الناشطون العلمانيون والراديكاليون التحرّريون بالعجز إزاء الأحداث العاصفة والحروب الطاحنة التي يمرّ بها العالم العربي. وهذا العجز لا يطال فقط عدم القدرة على الخروج بمواقف ورؤى واضحة تتجاوز ثنائية الطغاة والظلام، بل هو أيضاً عجز عملاني تكتيكي على الأرض – عجز عن القيام بالنشاطات التي تستطيع خلق أمر واقع جديد. هنالك فراغ هائل في مخيّلة الأوساط البديلة تدفعها لتكرار نفس التظاهرة والنشاط مراراً وتكراراً من دون كلل ومن دون التوقّف للحظة للتفكير بأسلوب مختلف.

وبما أن التظاهر من دون سياق تنظيمي تعبوي سابق هو مجرّد ظاهرة صوتية، نقترح هنا عشرة نماذج مختلفة لمشاريع تغييرية حقيقية يمكن البدء بها منذ اليوم – لا تشمل التظاهر.

قبل الخوض بها، نلفت النظر إلى أنه برأينا المتواضع، المشروع الرئيسي الذي يجب العمل عليه هو خلق حركات علنية منظّمة ذات رؤيا وأهداف واستراتيجية واضحة تعمل على مقاومة سيستيم العبودية المثلثة لرأس المال والسلطة والدين وبناء مجتمعات محلية مستدامة وحرّة.

 *

1. الجبهة العلمانية – النوادي العلمانية

ما نقصده بالجبهة العلمانية هو العمل على إنشاء تجمّع سياسي يضمّ الأطراف العلمانية غير الحزبية (كالنوادي العلمانية في الجامعات، الجمعيات النسوية، ناشطي الحملات التي تعمل على قوانين معيّنة، بالإضافة إلى بعض المجموعات الناشطة شبه الحزبية كالمجموعات اليسارية وغيرها)،والتجمع يجب أن يهدف إلى دفع الأجندة العلمانية والتغييرية قدماً عبر الضغط لتغيير القوانين والسياسات العامة والقرارات الحكومية (أمثلة من لبنان:  الزواج المدني، الجنسيّة، قانون حماية المرأة من العنف الأسري…).

أهمية إنشاء هكذا جبهة هو توحيد المجموعات الناشطة المختلفة على برنامج موحّد وخطّة عمل واحدة، ووضع كل الجهود والموارد في مكان واحد بدل الاستمرار في التشتّت الحالي. الميزة الثانية لهكذا مشروع هو وجود جسم دائم ومنظّم يدعم الأجندة العلمانية في وجه التقدّم المنظّم للأصوليين الدينيين وتشريعاتهم في المجتمع – الجبهة العلمانية هي خطّ دفاع بكل بساطة: علمنة في مواجهة الأسلمة.

عند عدم توافر الظروف لإنشاء جبهة علمانية بالشكل الذي نصفه، يمكن دائماً إنشاء نوادي علمانية في الجامعات تساعد على نشر ونقاش الفكر التنويري التحرّري من خلال المعارض والفيديو والمحاضرات والحوارات. تجربة النادي العلماني في الجامعة الأميركية في بيروت هي نموذج يحتذى به.

 *

2. موائد الطعام المجّاني

نحن معتادون على موائد الإفطار الرمضانيّة التي يبادر إليها السياسيّون في رمضان لحصد عطف الفقراء أو أصواتهم الانتخابية، لكن لماذا لا تبادر المجموعات الراديكالية إلى تحويل هذا النوع من الموائد إلى جزء دائم من عملها؟

الغذاء هو حق لكل مخلوق حيّ وتقديم الطعام بشكل مجّاني ودوري هو فعل يعود بالخير المباشر على الفئات الضعيفة، كما أنه فرصة رائعة للتواصل مع أكثر الفئات المسحوقة في المجتمع وتعريفها (وتحريضها) على النظام غير العادل الذي جوّعها وشرّدها.

من الملصقات التي حضرتها مجموعات "الغذاء لا القنابل"  وهي مجموعات مؤلفة من الناشطين الراديكاليين تقوم بتقديم الغذاء المجاني في الولايات المتحدة وأوروبا.

من الملصقات التي حضرتها مجموعات “الغذاء لا القنابل” وهي مجموعات مؤلفة من الناشطين الراديكاليين تقوم بتقديم الغذاء المجاني في الولايات المتحدة وأوروبا.

 *

 3. التعاونيّة الغذائية

التعاونيّة الغذائية الشعبية تجربة عرفتها العديد من بلدان العالم العربي وخصوصاً لبنان ومصر، حيث يقوم عدد من الأشخاص بوضع مدخراتهم سوية لإنشاء متجر غذائي بأسعار منخفضة بحيث يعود بالنفع على الناس المساهمة به وعلى الناس التي تشتري الغذاء على السواء.

متاجر الأغذية الكبرى تحقّق سنوياً أرباح خيالية لأنها تستغلّ العمّال لتخفيض الكلفة – مثل سلسلة متاجر سبينيس التي يقول مديرها العام مايكل رايت أن أرباحها في العام الماضي لامست المليار دولار. المليار دولار في حالة شركات كبرى مثل سبينيس تدخل إلى جيبة واحدة أو بضعة جيوب على الأكثر، لكن في حالة التعاونيات، يحصل العمّال على حقوق أكثر (كونهم في معظم الأحيان من عائلات المساهمين في التعاونية) كما أن عائدات التعاونية تعود للناس المساهمة فيها، لا لطبقة مغلقة من المدراء.

 *

4. تعاونيّة إنعاش الزراعة المستدامة (الفرديّة والعائلية)

نتحدّث هنا عن خطوة أبعد بعد من التعاونية الغذائية وهي التعاونية الزراعية التي تعمل خصيصاً على إنعاش الزراعة العائلية والمنزلية، لا الزراعة الصناعية للمساحات الشاسعة من الأراضي. يمكن لهكذا تعاونيّة أن تقدم سلفات مالية ومساعدات عينية وبذور جاهزة وأن تنشر المعرفة وتقوم بورش العمل وتبادل الخبرات حول الأساليب الزراعية المنزليّة المستدامة مثل الزراعة المعمّرة المستدامة permaculture التي تتيح للناس تأمين 30 % على الأقل من غذائهم اليومي من خلال حديقة صغيرة. الإحياء الزراعي من هذا النوع يعزّز مناعة الأفراد والعائلات والقرى تجاه الأزمات الاقتصادية والسياسية في وجه حصار الطغاة. فهو يوفّر عليها فاتورة الطعام ويضمن وجود غذاء على موائدها مهما كانت الظروف في البلد.

 *

5. تعاونيّة البناء الطبيعي

هنالك ثلاث مهام لهكذا تعاونيّة:

أ. مساعدة الأعضاء على بناء وصيانة وإصلاح كل ما يتعلّق بالأمور المنزلية بكلفة أقل (من خلال الأعضاء الذين يتمحور مجال عملهم حول هذه الأمور حيث تقوم التعاونيّة بمهمة الوصل بين صاحب المنزل والعامل المختصّ ويعود ذلك بالنفع على الجهتين).

ب. المساعدة على تدعيم وإعادة تصميم البيوت لجعلها أكثر متانة وصحية وبيئية وذلك يساعد على تخفيف فاتورة الكهرباء والتدفئة والتبريد وتعزيز سلامة وصحّة الساكنين في المنزل، خصوصاً أن معظم أبناء الطبقة المسحوقة يعيشون في مباني ومنازل غير ملائمة وعلى شفير السقوط في أية لحظة.

ج. نشر وتصميم مباني مرتكزة على البناء الطبيعي المستدام، كالمباني الطينية والترابية والحجرية المستخدمة قديماً من المواد المحلّية، والتي تتمتّع بثبات أكبر وبخصائص سكنيّة أفضل بكثير من المباني المعاصرة من ناحية التدفئة والتبريد والتهوئة والشمس، وهي لا تحتاج لمهندسين متخصّصين أو رخص بناء من السلطات السياسية، والأهم أن كلفتها هي أقل بخمس مرّات على الأقل من كلفة البناء بالباطون والحديد. وهي فوق كلّ ذلك صديقة للبيئة ويمكن للسكان المحليين بناءها من الموارد المحلية فقط من دون الاعتماد على أحد. كل ما يتطلبه الأمر هو الإرادة ومعرفة طريقة البناء.

 *

6. دار نشر البروباغاندا الراديكالية

في ظلّ زحمة الستاتوسات والنشرات الإخبارية، هنالك نقص مثير للدهشة في الطروحات الراديكالية وهذا ينعكس سلباً على ثقافة الشباب المهتم بالتغيير. نحن من دون شك بحاجة إلى عشرات مراكز الانتاج المعرفية التي تنتج وتناقش الطروحات الجذرية وتحرّض الفئات المهمّشة والمسحوقة على التمرّد وتشجّع الناس عموماً على البدء بالتحوّل الاقتصادي الاجتماعي البيئي بجهودهم الخاصة، وتفكّك منظومة الاستعباد المعقّدة التي تحكم كافة تفاصيل حياتنا. وكلّ ذلك يجب أن يكون باللغة العربية.

وربّما أقرب ما يمكن فعله كمشروع في الوقت الحالي هو دار نشر الكتروني أو ورقي ينشر الفكر والتحليلات الراديكالية والمعلومات العمليّة المفيدة بشكل دوري ومنظّم.

*

7. البيت الراديكالي

نعود هنا إلى تجربة البيت العلماني في بيروت بين عامي 2008 و2009، الذي كان مركز تنويري مهم للعلمانيين في بيروت في فترة كانت الأحزاب الطائفية فيها تضيّق الخناق على ما تبقّى من مساحات حرّة في البلد. وجود مساحة فيزيائية يمكن فيها للراديكاليين أن يلتقوا، أن يتحاوروا، أن ينظّموا أنفسهم، وأن يقوموا بورش العمل والاجتماعات والتحرّكات، هو أمر أكثر من مهم للمشروع الراديكالي التحرّري.

 *

8. صندوق المنح التعليمية

كراديكاليين تحرّريين غالباً ما نجد أنفسنا وحيدين من دون دعم مادي في مفاصل حياتية مهمّة كالجامعة مثلاً، ونحن الشباب الآتون من عائلات فقيرة من دون سند إقطاعيّ أو حزبي. لذلك، هذا الاقتراح بسيط جداً: إنشاء صندوق من تبرّعات دورية لأعضاء المجموعات الناشطة يقدّم ثمن التسجيل في المدرسة أو الجامعة للناشطين الراديكاليين التحرريين الذين لا يتوافر بحوزتهم المبلغ المطلوب. قد لا يتجاوز المبلغ المقدّم مئة دولار، لكن هذا المبلغ بالنسبة لأطفال عائلات كثيرة هو الفارق بين إكمال التعليم والتوقّف عنه.

 *

9. مشاريع التشجير المركّز

زراعة شجرة والاهتمام بها – وخصوصاً في العالم العربي المتصحّر، هو برأينا المتواضع أفضل مشروع راديكالي يمكن لأي شخص أن يقوم به في أيّ وقت. لكن الزراعة العشوائية لبضعة أشجار في مكان ما ثم نسيانها لا يأتي بالكثير من النتائج، ولذلك اخترنا تعبير “التشجير المركّز” لهذه الفقرة. ما نقصده بالتشجير المركّز هو اختيار منطقة جغرافية محدّدة تحتاج بشدّة للأشجار ووضع خطّة منظّمة وطويلة الأمد لتحويلها إلى منطقة خضراء مع ما يعنيه ذلك من مشاريع تشجير متتالية واهتمام مستمرّ.

في حالة لبنان مثلاً، تخطر على بالنا ضرورة إعادة تخضير منطقة جبال لبنان الشرقية وسهل البقاع التي فقدت غطائها النباتي بشدّة، لكنها لم تستحوذ على اهتمام الجمعيات البيئية البرجوازية كونها منطقة ريفية فقيرة.

 *

من بدايات حركة الزاباتيستا في المكسيك

من بدايات حركة الزاباتيستا في المكسيك

10. تدريب خلايا المقاومة السرية

كل حركة تحرّرية في التاريخ كانت تضمّ جناحاً يتهمه الإعلام بأنه متطرّف، وكان دور هذا الجناح رئيسي في نجاح هذه الحركات بتحقيق أهدافها. في زمن قائد حركة التحرر الهندية المهاتما غاندي كان هنالك الوطنيون الهنود الذين شنّوا حرب عصابات على الجيش البريطاني، وفي زمن قائد حركة الحقوق المدنية السوداء الأميركية مارتن لوثر كينغ كان هنالك مالكوم أكس والفهود السود وغيرهم من المجموعات السوداء المسلّحة، وفي زمن قائد حركة مناهضة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا نلسون مانديلا كان هنالك تنظيم رمح الأمة الذي شنّ حرب تخريب وتفجير على مؤسسات الدولة…ألخ. يمكن إيجاد آلاف الأمثلة المشابهة من حول العالم من أماكن مثل إيرلندا الشمالية، فلسطين، النيبال، فنزويلا…ألخ.

رغم ذلك لا يزال هنالك تحريم شبه تام على الحديث حتى عن امكانية استعمال تكتيكات عنفيّة في الحركات الراديكالية، رغم أنها تواجه خصوماً فاشيين وظلاميين ورأسماليين لا يتوانون للحظة عن استخدام القوّة في وجهها. إلى ذلك، التكتيكات العنفيّة لا تعني بالضرورة الاعتداء على الناس واستهداف الأشخاص، لأن المنظومة الرأسمالية الصناعية اليوم يمكن تعطيلها من خلال طرق كثيرة لا تتضمّن إيذاء أي شخص بريء. قد يقول البعض أن التكتيكات العنفيّة لا تحصد سوى نتائج سلبية، خصوصاً أن من يقاتل اليوم هم الأصوليون والظلاميون وفاشيو الطغاة، لكن المشكلة ليست في أن هؤلاء يقاتلون من أجل ما يؤمنون به. المشكلة أننا نحن لا نقاتل من أجل ما نؤمن به. وهذا هو المشروع العاشر الذي يمكن تنفيذه اليوم: تدريب الخلايا الراديكالية السرّية، محارب تلو محارب.

3 comments

  1. التنبيهات: عشرة مشاريع تغييرية يمكن البدء بها اليوم | شبكة النشاط اللاعنفي
  2. يحيى · يناير 13, 2014

    صراحة موضوع مذهل .. أحيِّيك أخي 🙂

التعليقات مغلقة.