معضلات الأنركيّة كحركة ثورية

...

*

طوني صغبيني

*

كل من اعتبر يوماً أنه ينتمي للمدرسة اللاسلطوية يعلم أن هذا الانتماء يطرح على معتنقيه معضلات عديدة. هذه المعضلات أساسية لدرجة أنها تدفعهم للتساؤل باستمرار حول ما إذا كان وصف أنفسهم بالأنركيين هو كافٍ أو مناسب للتعبير عن قناعاتهم السياسية والفلسفيّة. وكاتب هذه السطور هو من هؤلاء، وهذا المقال هو محاولة للإجابة على هذه المعضلة.

كما يعلم معظم القرّاء الأعزاء، هنالك جزء كبير من طروحاتي على المدوّنة تستلهم من المقاربة اللاسلطوية وترفض الدولة والتسلّط بشكل قاطع، ومن الطبيعي بالتالي أن أكون قد تصارعت شخصياً مع فكرة ما إذا كان مناسباً التعريف عن نفسي كأنركي أم لا. معظم أعضاء فريق عمل راديكال بيروت خاضوا تساؤلات مشابهة أيضاً، كما العديد من الناشطين العرب والغربيين الذين قرأت عنه أو تعرّفت عليهم.

عندما قامت راديكال بيروت بطرح مشروع الجذور كنا قد توصلنا إلى خلاصتنا حول هذا الموضوع. قلنا وقتها أن المشروع يستلهم من الفكر اللاسلطوي لكنه ليس أنركياً بالمعنى الأيدولوجي والسياسي للكلمة. وحين كنت أُسأل من بعدها ما إذا كنت لاسلطوي، أصبح لدي الإجابة نفسها: نحن نستلهم من الفكر الأنركي كمقاربة رئيسية لنقد وفهم السلطة، لكننا لسنا أنركيين، فنحن نستلهم أيضاً من مدارس فكرية أخرى كالماركسية لفهم التفاوت الطبقي، والإيكولوجيا العميقة لفهم التدمير البيئي، والنسوية الجذرية لفهم البطريركية، والنيتشوية لفهم منظومة القيم السائدة، والصوفية وروحانيّة الشعوب الأصليّة لفهم كينونة الإنسان والعالم.

الاستلهام من مقاربات متنوّعة هو اعتراف بأهمّيتها وصوابية جوانب مهمّة من طروحاتها، لكن ذلك لا يجعلنا ماركسيين وإيكولوجيين جذريين ونسويين ونيتشويين وصوفيين، بل يجعلنا كلّ هؤلاء ولا أحد منهم في الوقت نفسه. نحن لا نعتقد أنه يوجد مدرسة أيدولوجية أو سياسيّة وحيدة اليوم قادرة على اختصار رؤيتنا للعالم وأزمته، وهذا ما دفعنا للمشاركة في خلق مشروع الجذور المتمثّل بسبعة مبادىء رئيسية بسيطة وغير أيدولوجية تعبّر عن منهجنا في التفكير والعمل.

هذه الإجابة (حين نقول أننا لسنا أنركيين) تؤدّي لاستغراب العديد من الأصدقاء اللاسلطويين الذين يعرفون عاطفتنا تجاه العلم الأسود، وقد يفهموها أحياناً أنها تنصّل من مواجهة الانتقادات، لكن الأمر هو بصراحة أبسط من ذلك.

علينا أن ننطلق أولاً من سؤال رئيسي: هل اللاسلطويّة هي أساساً فكر موحّد وانتماء سياسي واضح يشكّل هوية لحامليه؟ أم هي مقاربة منهجيّة نقديّة يمكن أن يحملها أي شخص من دون أن ينتمي لأيدولوجية محددة؟

في الماضي، كنت أميل شخصياً للاعتقاد أن الأنركية هي فكر موحّد وانتماء سياسي لا نقاش فيه، لكن بعد سنوات من التعاطي مع العمل اللاسلطوي والتواصل مع مجموعات لاسلطوية عربية وغربيّة، اكتشفت شيئاً فشيئاً أن اللاسلطوية هي مجموعة أيدولوجيات متناقضة، توحّدها مقاربة منهجيّة تتمثّل بنقد الدولة والسلطة القمعيّة. التعامل مع الأنركية كهويّة سياسية أيدولوجيّة واضحة المعالم يطرح في الواقع معضلات أكثر مما يحلّ. وهذا ما سنتحدّث عنه.

 *

هل يوجد أيدولوجية لاسلطوية موحدة؟

هذه الفقرة باختصار:

كم أنركي نحتاج لتغيير مصباح كهربائي؟ الجواب: إن وضعت عشرة أنركيين في غرفة واحدة لن يستطيعوا الاتفاق على طريقة واحدة لتغيير المصباح الكهربائي، كما أنهم لن يتفقوا على تعريف واحد للأنركية أو استراتيجية أو أهداف أو أسلوب عمل مشترك. والأرجح أن المصباح الكهربائي سيبقى معطلاً.

 *

يرفض العديد من اللاسلطويين فكرة وجود أيدولوجيّة لاسلطويّة، وهم محقّون ومخطئون في الوقت نفسه. صحيح أن الأنركيّة لا تقدّم صورة تجريديّة مسبقة لما يجب أن يكون عليه المجتمع ولا تمتلك عقائد فكرية جامدة عمّا يجب أن يكون عليه الاقتصاد أو العلاقات الاجتماعية، وهي من هذه الزاوية ليست أيدولوجية أو يوتوبيا مستقبليّة يمكن الوصول إليها والتوقّف من بعدها، بل هي صيرورة دائمة ناتجة عن تلاقح الحرّية والمسؤولية.

في الوقت نفسه، اللاسلطوية لديها أيضاً الكثير من الأوجه الأيدولوجيّة في الطرح والتنظيم ومعظمها مستمدّ من كتابات ميخائيل باكونين وبيتر كروبوتكين ومفكرون آخرون مثل أنريكو مالاتيستا وإيما غولدمن في السابق، وحكيم باي وموراي بوكشين وجون زيرزن ودايفيد غرايبر في الوقت الحالي.

هذا التناقض بين وجود أيدولوجية وعدم وجودها يخلق أيضاً ظواهر متناقضة في الأوساط الأنركية. فهو من ناحية أولى جمّد الطرح اللاسلطوي في شكله الاشتراكي-الشيوعي لعدد كبير من الأنركيين، وأعطى الأنركيين اليساريين سلطة فكرية وأيدولوجيّة على غيرهم دفعتهم لرفض وإبعاد وعزل معظم تفرّعات الفكر اللاسلطويّ التي ظهرت فيما بعد. ومن ناحية ثانية، غياب مرجعيّة أيدولوجيّة واضحة يؤدي باستمرار إلى ظهور تيارات أنركيّة متناقضة لا تشترك مع نظيراتها السابقة سوى بالاسم.

رسم يوضح الأعلام المعتمدة لبعض التيارات الأنركية الرئيسية

رسم يوضح الأعلام المعتمدة لبعض التيارات الأنركية الرئيسية

الأنركية الشيوعية ترى مثلاً أن المشكلة الرئيسية في المجتمع هي الطبقيّة، والأنركية-الرأسمالية ترى أن المشكلة الرئيسية هي الدولة لا السوق الحرّ، والأنركية النسوية ترى أن المشكلة الرئيسية هي البطريركيّة. الأنركية النقابيّة تمجّد العمّال والعمل وتدعو للإدارة الذاتية للمصانع، والأنركية الخضراء ترفض الثورة الصناعيّة وتدعو لعالم من دون مصانع. أنركيّة ما بعد الإنسانية تتحمّس للثورة التكنولوجية وتعتبر أن تحقيق الخلاص التحرّري سيتم عبر دمج الإنسان والآلة، أما الأنركية البدائية فترفض كل الحضارة الصناعية وتدعو للعودة إلى مجتمعات الصيد والقطاف.

نظرة سريعة على التيّارات الأنركية المختلفة الموجودة اليوم، من الأنركية المسيحية إلى الأنركية العدميّة والاشتراكية والرأسماليّة والبدائية والتكنولوجية والقوميّة، تظهر بوضوح أنه لا يوجد إطار واضح يجمع مختلف الطروحات اللاسلطوية سوى رفض الدولة والسلطة السياسيّة. لكن السؤال هنا، في ظلّ اختلافات بهذا الحجم، هل لا يزال يمكن الحديث عن أيدولوجية أنركية موحّدة؟

لقد تم تجريد اللاسلطوية من معناها إلى حدّ كبير في العقود الأخيرة، وهي اليوم في أماكن كثيرة انتماء الذين لا انتماء لهم وأيدولوجية من لا يؤمنون بشيء. هذه الظاهرة هي في الواقع سبب تذمّر دائم في أوساط اللاسلطويين حيث أنهم غالباً ما يجدون ناشطين من كلّ حدب وصوب يعرّفون عن أنفسهم بأنهم أنركيين فيما يحملون أفكار ويمارسون أفعال مناقضة بالكامل لكلّ ما تعبّر عنه اللاسلطوية.

هل يمكن للأنركية أن تستمرّ كهويّة سياسيّة في ظلّ هذا التناقض؟ لا اعتقد شخصياً ذلك. ما الحلّ في هذه الحالة؟ هذا ما سأحاول الإجابة عنه في آخر هذا النصّ. قبل ذلك، علينا أن ننظر إلى معضلات أخرى يطرحها الفكر اللاسلطوي.

 *

معضلة السلطة

هذه الفقرة باختصار:

التيارات الأنركية انتقلت لحدّ كبير من رفض السلطة القمعيّة السياسية والاقتصادية والدينية إلى رفض كل التبادلات البشرية الطبيعية والبُنى التعليمية والتوجيهية غير القمعيّة – بحجّة أنها تبادلات وبُنى سلطوية، ما أثّر سلباً على قدرتها على انتاج طرح سياسي حقيقي وسهّل انزلاقها إلى فخّ النقاء الأيدولوجي الحياتي الفردي على الطريقة الدينية.

 *

أهمية الفكر اللاسلطوي انه يفتح الباب للإنسان لرؤية السلطة والمجتمع على حقيقتهما: السلطة السياسية والاقتصادية قائمة على العنف والقمع الدائم بهدف إبقاء المجتمع بأكمله في سجن كبير. معظم التيارات السياسية الأخرى تقدّم نسخة ما لتحسين ظروف السجن باستثناء الأنركية التي تريد هدم السجن بكامله. لكن هذا يطرح إشكالية أخرى حول السلطة: إلى أي مدى نرفض السلطة وهل كل سلطة هي سلطة قمعيّة وسلبيّة؟

هذا أمر كان يختلف عليه اللاسلطويون في الماضي لدرجة كبيرة. الأنركيون الاشتراكيون كباكونين وكروبوتكين مثلاً طرحا تفكيك الدولة وإنشاء مجالس محلّية ديمقراطية تتولّى إدارة شؤون المنطقة مع الحفاظ على لجان اختصاصيّة لتنظيم الامور العابرة للمحلّيات. لكن هذا الطرح نفسه يعني وجود حد أدنى من المرجعيّة السلطوية للمجالس المحلّية واللجان الاختصاصيّة.

الأنركيون الفردانيون مثل برودون رفضوا وجود أي نوع من السلطة بشكل مطلق، محلية كانت أم وطنية. أما الأنركيون المعاصرون فتتراوح مواقفهم بين طرح موراي بوكشين الذي دعا لإعادة تشكيل السلطة من أسفل إلى أعلى عبر كونفيدراليات محلية للبلديّات، وبعض التيارات الأنركية الأميركية التي ترفض حتى فكرة الحكم المحلّي.

محاولة تخيّل أسلوب تنظيم المجتمع الحديث على الطريقة الأنركية يطرح بوضوح معضلة واضحة أمامنا: المجتمعات اللاسلطوية الوحيدة التي وُجدت في التاريخ كانت المجتمعات “البدائية” التي لم يتخطى عدد أفرادها الـ 150. باستثناء بعض التجارب اليتمية التي لم تدم لأكثر من أشهر معدودة، لا يوجد أي تجربة لاسلطوية معاصرة تثبت إمكانيّة وجود مجتمع زراعي أو صناعي معقّد من دون سلطة تنظّمه وتضبطه.

بعض المفكّرين اللاسلطويين مثل جون زيرزن وبوب بلاك لاحظوا هذه المعضلة وانشأوا توجّه لاسلطوي جديد معروف باسم “اللاسلطوية البدائية” يقوم على نقد الحضارة ورفض المجتمع الصناعي ككل. هذه التيارات تلفت النظر إلى أنه لا يوجد مدن أو حضارة في التاريخ لم تقم على العبوديّة، الطبقيّة، الإقطاع، والضواحي الفقيرة. وهم محقّون.

المدن قائمة على نسبة تركّز عالية من السكّان لدرجة أنها تستوجب الاستيراد الدائم للموارد الرئيسية لكي تستمرّ بالوجود. لذلك لا يوجد مدينة في التاريخ وُجدت من دون وجود احتلال أو استغلال في الخارج وطبقة مسحوقة من البشر في الداخل. هذه الطبقة المسحوقة هي ضرورة تقنيّة لوجود المدن – لا مجرّد عيب يمكن إصلاحه – لأن المدن تستوجب بطبيعتها وجود طبقة دنيا تعمل على إنشاء وصيانة البنية التحتية فيما تتمتّع الطبقة العليا بالخدمات والثروات.

المجتمع الصناعي معقّد ومتقدّم ومتخصّص وقائم على القمع الطبقي لدرجة أنه من الصعب تخيّل إلغاء الدولة من دون إلغاءه معها. لذلك تعتبر هذه التيارات أنه إن أردنا رفض الدولة، علينا حكماً أن نرفض الحضارة والرأسمالية الصناعية ككل ونعود إلى أنماط من العيش أكثر بساطة ومساواة. رفض السلطة إذاً في التيار الأنركي الأخضر يذهب إلى حدّ القول بضرورة رفض كل المجتمع المعاصر.

نحن نوافق مبدئياً على هذا الطرح لكن هنالك معضلة أخرى فيه: بعض التيارات اللاسلطوية البدائية ذهبت بعيداً في هذا الطرح إلى حد رفض اللغة والفنّ ومفهوم الوقت كمفاهيم تجريديّة قمعيّة تسهّل هيمنة طبقة على أخرى. هذه الأمور قد تكون فعلاً أدوات هيمنة وتأثير على الآخرين، فنحن مبرمجون بيولوجياً بطريقة يمكن لابتسامة واحدة على وجه أحدهم أن تؤثر علينا وأن توجّه أفعالنا وتتحكّم بتفكيرنا.

وهنا نصل إلى السؤال التالي: هل المشكلة هي إذاً في كل سلطة وكل تأثير بين شخص وآخر ويجب بالتالي رفض السلطة بشكل مطلق، أم المشكلة هي في السلطة القمعيّة المؤسساتيّة والتي تحكم الناس ضد إرادتهم؟

العديد من التيارات الأنركية المعاصرة وخاصة الغربيّة منها، تقول أنه يجب رفض السلطة بالمطلق وتدعو إلى السيادة المطلقة للفرد على كل ما هو متعلق به. لكن هنالك إشكاليّة كبيرة في هذا الطرح: نحن لا نعيش بمفردنا، وطبيعة الحياة نفسها هي تبادليّة بيننا وبين كل شيء فيها. لا يوجد نبات أو حيوان أو أي مجموعة بشرية في العالم موجودة في هذا العالم من دون تبادل ما للموارد والقوّة والتأثير والمعرفة والتوجيه مع محيطها أو بين أفرادها. كل تبادل في الطبيعة هو تبادل للتأثير والقوّة. فلننظر إلى علاقة الطفل بوالديه مثلاً.

في هذه الحالة، من الأفضل أن يقبل الطفل توجيه والديه: عدم الركض أمام السيارات أو عدم تناول نبتة سامة، وإلا فمن الأرجح أنه لن يعيش كثيراً. كما أنه من الأفضل مثلاً أن نوكل مهندس لبناء بناية عالية وإلا سنجازف بحياة كل من سيقطنها فيما بعد. وكذلك من الأفضل، حين نكون على أرض معركة، أن نستمع لضابط يعرف ماذا يعمل على أن نجلس سوية ونجادل لساعات حول خطواتنا التالية في ظلّ انهمار القذائف.

حتى في المجتمعات القديمة غير الحضارية الأكثر مساواة في التاريخ، والتي تشكّل المثال الحيّ الوحيد على مجتمعات لاسلطوية شيوعيّة، هنالك حد أدنى من السلطة الروحية والمعنوية التي تقوم غالباً بحلّ النزاعات (كحكيم القبيلة أو الشامان)، وإلا فالقبيلة تخاطر بوجودها وسلامتها على المدى البعيد.

لكن إن لم يكن من الممكن إلغاء السلطة ككل، ما العمل إذاً؟ الجواب سهل: يجب رفض السلطة القمعيّة المؤسساتية التي تفرض حكمها علينا من دون موافقتنا كالدولة والشركة والمؤسسة الدينية – لا رفض كافة أشكال التبادلات البشرية بحجّة أن بعضها فيه تبادل ما للسلطة.

اعتقد أنه من الأفضل أن نميّز بين السلطة العضوية التوجيهية الناتجة عن تبادل القوّة والمعرفة على صعيد الوحدات الاجتماعية الصغيرة (كالعائلة، الأفراد، القبيلة، والقرى الصغيرة)، وبين السلطات المؤسساتية القمعية الكبرى التي تتحكّم بحياتنا اليوم. السلطة في أيامنا هي سلطات سياسية ودينية واقتصادية تتحرّك باتجاه واحد من فوق إلى تحت وهي غير نابعة من علاقات منفعيّة متبادلة بين الناس ولا يوجد أي ارتباط حياتي أو عضوي بينها وبين الأفراد الذين تخضعهم لجبروتها. أصحاب السلطة يدركون هذا النقص ويستخدمون كافة الخدع لكي ننسى، لكي نلتهي، لكي ننصاع لهم، ولكي نحبّهم أحياناً.

المشكلة هي أن التيارات اللاسلطوية اليوم لا تقوم بهذا التمييز، وقد انتقلت إلى الرفض التام لأي علاقة متبادلة غير متكافئة بين الأفراد في كلّ المجالات. هذا يعود إلى حدّ كبير إلى تأثير مدارس ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية التي أشارت إلى أن السلطة موزّعة في المجتمع وليست مركّزة في أجهزة الدولة فحسب. النتيجة هي أن العديد من التيارات اللاسلطوية السائدة ترفض كافة الأشكال السياسية التنظيمية والعلاقات العاطفية والأخلاق وكل ما يبدو كأنّه يحدّ من الحرية المطلقة للفرد (لمن يودّ التعمّق في الموضوع نشير إلى الفلسفة الأنركية السائدة حالياً تتقاطع إلى حدّ كبير مع الفلسفة العدميّة).

هذه الذهنية حرمت التيارات الأنركية المعاصرة من القدرة على انتاج طرح سياسي حقيقي، وجعلتها تكتفي برفض السائد بتعابير مطلقة. هي أدّت أيضاً إلى انزلاق معظم التيارات اللاسلطوية إلى فخّ النقاء الأيدولوجي الحياتي الفردي على الطريقة الدينية. النقاشات الالكترونية الأنركية حافلة بعبارات مثل “أنت لست أنركي حقيقي”، التي يتم إطلاقها بناءً على معايير أيدولوجيّة أو حياتية (بعض الأنركيين مثلاً يعتبرون أن كل من ليس نباتياً ليس أنركياً حقيقياً).

من تابع النقاشات اللاسلطوية بشكل كافٍ خلال الأعوام الأخيرة وخاصة في أوروبا والولايات المتحدة يلاحظ أن اللاسلطويين يقفون شرطة على بعضهم البعض؛ ينتظرون أدنى خطأ فردي من الآخر لكي يتهموه بأنه ليس أنركي حقيقي، كأننا نعيد المسرحيّة الدينيّة للمؤمنين والكفّار بحذافيرها.

الأزمة الفلسفية للأنركية وجنوحها نحو العدميّة والتركيز على النقاء الحياتي الفردي أثّر بطبيعة الحال على فعاليّة التيارات اللاسلطوية ودفعها إلى تبنّي ذهنيّات وأساليب عمل شلّت فعاليّتها تماماً خلال العقد الأخير. الحركة الأنركية لم تستطع بكل بساطة تجاوز مرحلة الاحتجاج العشوائي. والاحتجاج العشوائي كما بتنا نعلم، ليس الطريقة الأكثر فعاليّة لمواجهة أعنف وأذكى منظومة استعباديّة في تاريخنا البشري.

Madre Kenya Trip

المجتمعات اللاسلطوية الوحيدة في التاريخ والوقت الحالي هي القبائل التي لم تعتنق الحضارة (المتمثلة بالزراعة المركزية والصناعة)

في الصورة: من قبيلة لوغولوغو في كينيا

 

 *

معضلات أسلوب العمل السياسي الأنركي

هذه الفقرة باختصار:

رغم أن الانتصارات الأنركية الوحيدة تحقّقت على يدّ مجموعات منظّمة إلا أن التيارات الأنركية اليوم ترفض التنظيم والقادة والاستراتيجيات الموحّدة، ما يحرمها من بروز منظّمات فعّالة ويحرّضها على تدمير نفسها بنفسها، محقّقة بذلك أكبر خدمة للسلطات والدولة.

*

التيارات اللاسلطوية أدخلت مفهوم مهم جداً إلى النقاش السياسي هو مفهوم الثورة الآنية، أي الطرح القائل بأن الثورة ليست حدثاً غيبياً كيوم القيامة ننتظر حدوثه بصمت بل فعل يومي نمارسه ومشروع يُبنى قليلاً عند كل صباح.

هذا الفكر يُترجم على أرض الواقع بالطروحات التعاونية وبإنشاء المؤسسات والمساحات المستقلّة ذات الإدراة الذاتيّة والتي يطرحها في العالم العربي الكاتب اللاسلطوي سامح عبّود وفي الغرب الكاتب اللاسلطوي حكيم باي. أهمّية هذا الطرح أنه يمكن تطبيقه في كافة مجالات الحياة من الزراعة حتى البناء والتعليم، وهو يحرّر الناس بشكل مباشر ويدفعهم للانخراط في تحديد صورة مجتمعهم بأياديهم من دون انتظار السلطات والإصلاحات والثورات والأحزاب.

في الواقع، تجد الطروحات المذكورة صدى خارج الأوساط الأنركية أكبر مما تحصل عليه داخلها. أمّا بقية أوجه العمل السياسي الأنركي، فتعاني من معضلات بنيوية كثيرة.

مثلاً، هنالك اليوم رفض شبه مطلق للتنظيم في أوساط الأنركيين. أي دعوة لإيجاد بنية تنظيميّة تقابل من معظم الأنركيين بالتشكيك والتخوين. المجموعات اللاسلطوية الوحيدة في التاريخ التي كادت أن تحقّق شيئاً، مثل التيار اللاسلطوي الإسباني في الثلاثينات والجيش الماخنوي في أوكرانيا – كانت منظّمات هرمية وعسكرية منظّمة. رغم ذلك، أحد الأسباب الرئيسية لهزيمتها فيما بعد كان ضعف التنظيم.

بدل أن ييستخلص الأنركيون الدرس ويحسّنوا تنظيمهم، استخلصوا العبرة المعاكسة وانتهوا بالرفض المطلق للتنظيم بأي شكل كان. ولهذا السبب تحديداً، كان تاريخ الحركة اللاسلطوية لـ 200 عام تاريخ من تراكم فشل على فشل. الأحزاب الأكثر تنظيماً تغلّبت على اللاسلطويين في كلّ مواجهة تاريخيّة معهم، وفي كلّ مرة كانت خلاصة الحركة اللاسلطوية رفض أكبر للتنظيم. أكبر مجموعة أنركية في العالم اليوم لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليدين، وباستثناء المشاركة الفعّالة للأنركيين في الاحتجاجات وفي بناء بعض المساحات الآمنة هنا وهناك وبعض المجموعات السرّية المقاومة، يكاد لا يوجد أي فعاليّة تذكر للحركة الأنركية حول العالم.

حين وجّهت مبادرة راديكال بيروت رسالة للأنركيين في أميركا الشمالية حول بعض الأمور، كانت بعض الأجوبة من الرفاق هناك معبّرة عن الذهنية السائدة: “لماذا تتحدّثون عن ضرورة وجود أهداف واستراتيجيّة؟ الأنركية هي العيش الحرّ الآن من دون أهداف”. هذا كلام جميل لو كنا نؤلّف كتاب شعر، لكنه لا ينفع حين يكون الهدف هو إسقاط منظومة عاتية وحين يكون الـ”هنا والآن” هو طغيان وقمع وفقر وجوع.

الرفض المطلق للتنظيم في الأوساط الأنركية يعني أيضاً رفضاً مطلقاً للاستراتيجية، ورفضاً مطلقاً لوجود قادة. النتيجة هي تيار لاسلطوي يقوم بتدمير منظّماته الفعّالة وبدفن قادته ورفضهم قبل أن يحققواً أي شيء، كأن اللاسلطويين يقومون تماماً بما تريده الدولة منهم!

الأزمة التنظيمية تنطبق أيضاً على أسلوب اتخاذ القرار في الأوساط الأنركية. بعض المجموعات اللاسلطوية استخدمت في الماضي التفويض (تفويض أحدهم بسلطة عسكرية أو تنظيمية) والتصويت، لكنها لم تعد تستخدم هذه الوسائل اليوم حيث هنالك تقديس شبه مطلق لأسلوب واحد في اتخاذ القرار هو الاجماع.

للأسف، كل من حاول العمل بأسلوب الاجماع يعرف مكامن ضعفه ويعلم أن هذا الأسلوب لا ينفع لاتخاذ القرارت في أي مجموعة. قد يعمل الاجماع في مجموعات صغيرة الحجم تقوم بأعمال غير خطرة ولديها الكثير من وقت الفراغ لتنقاش كل شيء، لكنه لا يعمل في أي مكان آخر. أسلوب الاجماع أيضاً لا يضمن مشاركة الجميع في اتخاذ القرارات (بعكس ما يدّعي مؤيّدوه)، ويؤدي دائماً إلى خلق بنية ضمنية للسلطة بين مجموعة مغلقة من الأصدقاء الأعلى صوتاً أو الأكثر حضوراً للاجتماعات (وهذه البنية السلطوية تكون عادة غير قابلة للمحاسبة من بقيّة المجموعة لأنها غير مرئية).

السؤال بالتالي هو، هل يمكن إسقاط أقوى منظومة هيمنة في التاريخ البشري – الرأسمالية المعولمة – عبر هذا التشوّش التنظيمي الهائل؟ وهل يمكن لحركة تفتقد للاستراتيجية والتنظيم والقادة أن تحقق شيئاً؟

الجواب هو طبعاً لا. لا نستطيع ربح معاركنا بهذه الطريقة.

 *

اللاسلطوية هي مقاربة لا أيدولوجية

الرؤية النقدية المقتضبة التي قدّمناها هنا للفكر اللاسلطوي وأسلوب العمل الأنركي لا تهدف للقول أن اللاسلطوية بأكملها غير صالحة، بل العكس تماماً. اللاسلطوية هي مقاربة نقديّة ضرورية لفهم السلطة ولفهم المنظومة المهيمنة على حياتنا، وعلى كلّ راديكالي أن يدرس أدبياتها ويطّلع عليها ليكتسب فهماً أعمق ورفضاً أكثر تجذراً للسلطات السياسية والاقتصادية والروحيّة.

مع ذلك، ليست الأنركية برأينا المتواضع هويّة سياسيّة محدّدة، خاصة أن الأيدولوجية الفكرية والتنظيميّة الحالية لها تطرح الكثير من الإشكاليات وتحدّ في الواقع من حيوية وفعاليّة الطرح اللاسلطوي في العالم. الأنركية تحمل الكثير من الأعباء والمعضلات التاريخية والحاليّة لدرجة تجعل مسيرتها الحالية بطيئة ومتعثّرة، والوقت ليس إلى جانبنا.

منظومة العبودية التي نواجهها هي سيستيم منظّم، ولذلك علينا أن نكون أكثر تنظيماً. هي منظومة تمتلك رؤيا واضحة ولذلك علينا أن نمتلك رؤيا أكثر وضوحاً. هي منظومة تعمل وفقاً لاستراتيجيات وأهداف وخطط، وعلينا أن نمتلك استراتيجيات وأهداف وخطط أكثر مكراً وذكاءً في مواجهتها. هي منظومة تقاتلنا حتى موتنا، وعلينا أن نقاتلها حتى موتها. هي منظومة موت وعروش من دماء، ونحن مشروع حياة حرّة وأغنية صباح لا يعكّرها صوت سلاسل العبوديّة. لا نمتلك الكثير من الوقت لنضيّعه في الزواريب الأيدولوجية والنقاشات النظرية. الوقت وقت حبّ، وقت رقص، وقت فلاح… وقت قتال… هل تسمعون ذلك الصوت البعيد؟ هل تسمعون آذان تلك الصلاة؟