ظلمة في العالم، ونار في القلب (أفكار وجودية مبعثرة)

أنت موجود لكن هل تحيا؟

أنت موجود لكن هل تحيا؟

*

طوني صغبيني

*

الشذرة الأولى

*

لقد تغيّرنا يا صديقي، أو ربّما المشكلة الحقيقية هي أننا لم نتغيّر على الإطلاق فيما تغيّر الجميع من حولنا. أو ربّما كبرنا فيما لا نزال أولئك الحالمين بعالم أكثر ألواناً من العالم الرمادي الذي يحكم حياتنا. ها هم الجميع من حولنا يتحوّلون إلى أولئك الموظفين المتحمّسين للترقية والأزواج المنهمكين بمنازلهم الجديدة والأهل المتفاخرين بأطفالهم. لقد تحوّلوا إلى كل شخص آخر على هذا الكوكب، وليس في ذلك من خطأ. من منا لا يريد أن يعيش بسلام وهدوء وراحة بال؟

أما نحن يا صديقي، فكيف نقتلع كل هذا العالم وألمه من داخلنا وماذا نفعل بكل الحب والغضب الذي يسيل منّا؟ كيف نغلق القلب على كل تلك الآلام التي تحيط بنا ونمضي في أيامنا كأن شيئاً لم يكن؟ هل يعلم الجميع تعويذة سحرية لا أعلمها؟ أو ربما مهارة اجتماعية لم اكتسبها بعد تتيح لهم أن يغلقوا القلب وأن ينسوا؟ كيف نجلس وراء مكتبنا يا صديقي والكون واسع واسع وألف شمس تنتظرنا لنطلّ عليها من ألف حقل؟ كيف نجلس على كنباتنا يا صديقي فيما العالم يحترق وفيما أصبح صوت الأنين أغنية الأرض الحزينة؟

كتبت مرّة لصديقة ناشطة سياسياً نصيحة قلت لها فيها ألا تحاول أن تطرد العالم من داخلها لكي تهنأ براحة البال؛ فهذه نعمة لا نقمة. صحيح أن قلّة من الشجعان تستطيع العيش معها من دون أن تنكسر تحت وطأتها، لكن وجودها لدينا يعني أن العالم يعيش فينا. العالم يعيش فينا يا صديقي. تأمل جمال ذلك قليلاً. العالم، بكل ألوانه وموسيقاه ورقصاته وحزنه وأحلامه وشموسه وهوائه ومياهه ودفئه يعيش فينا. كيف نغلق القلب عليه من دون أن نموت من الداخل؟ كل آهة من مظلوم تردّد صداها داخلنا، وكل نظرة من مشرّد في الشارع ترى العالم من عيوننا، وكل شجرة تقع وكل أرض تصرخ وكل حيوان يئن يفتح جرحاً جديداً في قلبنا، فكيف لنا أن نغلق آذاننا وأن نشيح نظرنا عن العالم وأن ننظر إلى شاشة مثلاً؟

أحسدهم أحياناً، أولئك الذين يستطيعون عيش كلّ حياتهم سعيدين بوظيفة مكتبية ومنزل مرتّب وحياة عائلية مملة. فهم لا يعرفون ما يعنيه أن تكون حياتهم صراع يومي، أن يكون النوم حتى كفاح يخوضوه كلما نامت الشمس.

لا اتذكّر فترة مرّت في حياتي لم يكن الكفاح اليومي حاضراً رئيسياً فيها. صديق لي يقول أنه علينا أن نقبل أن الكفاح والصراع سيكون جزء من حياتنا للأبد، فنحن في نهاية المطاف قد ولدنا فقراء في أكبر مقبرة في العالم. قد أجيبه أننا بالعكس، لقد ولدنا في حقل شمس دافىء، هو مشرق هذه الأرض وقصّتها الحزينة، لكنني أوافقه أن الكفاح اليومي كُتب علينا من ولادتنا حتى نهاية الطريق.

لقد قبلت منذ فترة طويلة حقيقة أن الحياة صراع، وأنني استطيع نقل نفسي من الوجود إلى الحياة بالصراع لا بالقنوط، ولذلك لم أعد أسعى لحياة مريحة بل لدروس أكبر من كلّ صراع أعيشه. في الواقع، انا ممتنّ للصراعات التي أعيشها كلّ يوم، فهي صنعتني، جعلتني ما أنا عليه اليوم – بكل ما في داخلي من أمور جميلة وقبيحة على السواء. صحيح أن معظم ما في داخلي يحمل ندبات مبعثرة هنا وهناك، لكن أي روح تلك التي لا ترسمها الجراح؟

يقول جلال الدين الرومي أن جراحنا هي التشقّقات التي يدخل منها الضوء، ولذلك أنا ممتنّ لكلّ جراحي. العديدون منّا يفضّلون الإغلاق على جراحهم كأنها لم تكن. العديدون منّا يختارون أن يعيشوا حياة أكثر من عاديّة من دون صراعات وكفاح، كي لا يخرج  قلبهم بندبة جديدة بعد كلّ معركة. لقد سالت الدماء من جراحنا في السنوات الأخيرة حتى فاضت أجسادنا وعقولنا بلون أحمر قانيّ، وحتى بتنا نتذوّق طعم الدماء في فمنا كلّما تحدّثنا، كلّما لمعت ذاكرتنا برحيل، كلّما شاهدنا نشرة أخبار، كلما صادفنا طفل يبيع الورد في الشارع، أو التقينا بوالدة شهيد.

لكن هذه الجراح نفسها يا صديقي، هي ما يشفع لنا لدى الآلهة الجميلة. فوحدها القلوب الحية تشعر بالجراح. وتحلم. القلوب الحيّة هي القلوب التي تحلم. العالم اليوم مظلم، لكن قلوبنا منيرة، أحلامها بحرارة الدماء التي تجري فينا، تغذيها نفس النار التي خلقت الشمس. لن نتغيّر يا صديقي، لن نتغيّر. العالم اليوم هو في أشدّ الحاجة للعنيدين أمثالنا. قد تكون الظلمة حالكة حولنا الآن، ولهذا السبب تحديداً، نحتاج لهذه الشعلة في قلوبنا…

 *

الشذرة الثانية

*

في غرفتي الضيقة في دبي هنالك طاولة صغيرة عليها من الأوراق المبعثرة ما يكفي لإحراق مدينة. هنالك عشرات الشذرات عليها، لم تستطع التحوّل خلال الشهر الماضي إلى نصّ مكتمل واحد، رغم جلوسي لعشرات المرّات هناك لأحاول الكتابة. يبدو أن المدينة التي تعتقد أنها مركز العالم لا تستطيع إعطاء هذا الراهب الذي ضلّ طريقه برهة لحظة صمت ليتأمل كلماته.

طاولتي الصغيرة هنا تواجه الحائط فيما كانت طاولتي الصغيرة في بيروت تواجه النافذة. هل إنّ الكون يلهو معي برمزيّته المعتادة ليخبرني شيئاً ما؟

صحيح أن وضع طاولة في زاوية كئيبة قد لا يكون رسالة من الكون موّجهة لي شخصياً، مع أن في ذلك حبكة روائية جيدة، لكن الصحيح أيضاً أن التحديق في الحائط طويلاً يقتل خلايا العقل، والجلوس في الزاوية بكثرة يؤدي إلى أمراض القلب.

بين تعب الغربة وإرهاق العمل ووحشة الدرب وروتينيّة نشرات الأخبار، الحواس مخدّرة كفاية لأنام كأن لا شيء ذي شأن يحدث خارج الغرفة أو حتى في العالم أجمع. يبدو أن الألم يجبرنا أحياناً على الموت من الداخل، لكي يمكن للجسد أن يرتاح قليلاً، أن يستمرّ بالعيش في الخارج. هو يشبه الموت السريري الذي يقطع الأكسجين عن العقل لكي يستمرّ خفقان القلب، لكن في حالتنا هذه، الموت هذا يقطع الأكسجين عن القلب لا العقل.

خلال السنوات الماضية، مات مئات الآلاف منّا سريرياً، قسراً أو طوعاً، أسقطوا أحلامهم وتركوا طاولاتهم المطلّة على النوافذ ليتربّعوا بشبه سلام في ما تيسّر لهم من زوايا في هذا العالم.

لكن رغم كلّ ذلك، معظمنا، حين نغمض أعيننا، نرى نافذة منيرة، ولعلّ ذلك شفاعتنا الوحيدة لننجو من كلّ هذا الموت.

 *

 الشذرة الثالثة

*

رأيت المقدّس، ولم يكن هنالك من كلمات لوصفها، ورأيت الحبّ، ولم يكن هنالك من كلمات لوصفه… هل يا ترى كان المقدّس هو الحبّ كل هذا الوقت، والحبّ هو جوهر المقدّس؟

 

9 comments

  1. Abeer Khshiboon · يوليو 12, 2014

    شذرتك الأولى هي الأكثر حزنًا. ففي الحقيقة، لا أحد يتغيّر. نحن نأتي إلى العالم مع أوسع نافذة لدخول الضوء، ثمّ نبدأ بالموت تدريجيًا. الناس لا تتغيّر، بل تموت كلّ يوم قليلا، لأنّ صراع البقاء في هذا العالم المجنون يحتّم الموت “السريري”، ذاك الذي يقطع الأكسجين عن القلب لا العقل، تلك كانت شذرتك الأكثر ذكاءً.
    أمّا شذرتك الأخيرة فهي حقيقتنا الوحيدة، وما كلّ هذه الحروب إلا لقتل شجرة الحب المقدّسة، التي لا يراها من قد مات، وما أكثر الموتى من حولنا يا صديقي.

    • Adon · يوليو 13, 2014

      هلق انا متفائل شوي أكتر من هيك : ) ، بس بتفق معك ان الموتى كثر.

  2. داليا · يوليو 12, 2014

    لا ابالغ ان قلت ان هذا النص الذي قراته اليوم يعد من اجمل النصوص التي قراتها مؤخرا .. ولا ابالغ ايضا ان قلت ان في كلماتك قوة شفاء صدقني …..حاولت ان اكتب بعض الاقتباسات منها في دفتري

    • Adon · يوليو 13, 2014

      شكراً داليا : )

  3. Lilly · يوليو 14, 2014

    شذراتك خلتنا نعرف إنو كل واحد منّا عم يعيش نفس الحالة… كنت مفكرة بس أنا وعائلتي هيك…
    نحنا فعلاً كل يوم عنا صراعات كبيرة.. وصراعات صغيرة..
    ولخفف عنن كنت قلن، “الإيام الحلوة بعد ما إجت… رح تجي الشمس بعد هلكم غيمة… وصارت قريبة”.
    بس اكتشفت حديثاً، إنو ما في إيام حلوة رح تجي… ولا رح تروح
    الإيام .. إيام… والعالم يلي جواتنا رح يكون بأوقات مفرح.. ورح يكون محزن .. وبموت..
    علينا نكفي المشوار… وهيدي الشعلة بقلبنا وروحنا وكيانا… مع كل الجروحات والتشققات والصراعات والابتسامات… يلي رح تزيد مع الوقت..
    ودخيل شذراتك🙂

    • Adon · يوليو 17, 2014

      وعلينا نكفي المشوار : )

  4. منى · يوليو 15, 2014

    كتبتني لم أكن أعلم أن هناك غيري من يعيش هذه المشاعر أو يشعر بذلك إزاء العالم .

    • Adon · يوليو 17, 2014

      شكراً منى

  5. Lamees.n · يوليو 19, 2014

    من أجمل النصوص التي قرأتها لك.. حديثك الصادق عن الذات جعلنا نشعر بأن كلماتك تصف كل شخص منا.. ومع ذلك أتمنى أن أرى منك تفاؤل أكثر و أمل أكبر ومستقبل يتحقق.. بالتوفيق

التعليقات مغلقة.