ماذا يعني الهروب من السيستيم؟

...

 

* * *

هذا المقال هو جزء من سلسلة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمة

* * *

(قررنا أن ننشر مقال جديد في هذه السلسلة كل عشرة أيام بدل كل أسبوعين لتقليص فترة الانتظار بين المقالات)

* * *

طوني صغبيني

*

منذ بضعة سنوات قادتنا أبحاثنا في الجامعة إلى خلاصة غيّرت نظرتنا للواقع بشكل جذري. هذه الخلاصة مفادها أن الحضارة الحديثة والبرّاقة التي نعرفها حالياً تعيش مرحلة سقوط بطيء وغير قابل للعكس بسبب الانحدار في مصادر الطاقة. ماذا يعني السقوط البطيء؟ يعني أن كل الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الذي نعرفه يتداعى إلى غير رجعة، وأن المستقبل الذي سيحلّ مكانه لن يكون تطوراً مستقيماً وتقدماً تكنولوجياً واقتصادياً مذهلاً كما يصوّره لنا الإعلام والشركات والحكومات، بل سيكون مزيجاً قاسياً من القرون المظلمة والتكنولوجيا الحديثة.

هذا السيناريو نراه بوضوح اليوم في العديد من الدول، منها ليبيا وسوريا والعراق ولبنان، ونرى بوادره حتى في الدول المتقدمة كاليونان والولايات المتحدة، وسيأتي يوم سيكون من الواضح فيه أننا نعيش زمن الانهيار الكامل للامبراطورية المعولمة التي نعيش في ظلّها اليوم.

بعد اكتمال أبحاثنا حول هذه الظاهرة، نشرنا كتاباً بحثياً كاملاً حول هذا الموضوع بعنوان “الأزمة الأخيرة“، واستمرّينا بعدها بدراسة تأثير ذلك على مختلف نواحي حياتنا، ثم كتبنا لعدّة سنوات حول تأثير الانحدار الطاقوي على العلاقات الدولية والاقتصاد العالمي ومستقبل التكنولوجيا والواقع السياسي وأسلوب العيش. على مستوى الأفراد، الأزمة الأخيرة تعني أن المستقبل لن يكون فيه نفس فرص العمل، الاستقرار الاقتصادي والأدوات التكنولوجية التي توافرت لنا في السابق.

معظم كتاباتنا السابقة حول هذه الأزمة ركّزت على الجانب الجماعي من المشكلة، ونادراً ما تناولنا تأثيره على حياة الأفراد كأفراد. في مقال وحيد حول هذا الجانب، نصحنا الأفراد بالانفكاك عن السيستيم مالياً ونفسياً ومعيشياً بأسرع وقت ممكن، وتعلّم مهارات ستفيدهم في عصر ما بعد الحضارة الصناعية من دون التوسّع حول هذه النقاط. اليوم، حان الوقت للقيام بذلك.

بعد نشر الكتاب، مرّت السنوات ووجدت نفسي شخصياً اتنقّل بين عمل وآخر مع فترات مطوّلة أحياناً من البطالة، ومع الوقت لاحظت أنه هنالك سبب إضافي لضرورة الهروب من السيستيم حتى ولو لم تكن الرأسمالية العالمية في حالة انهيار وانحدار. وهذا السبب هو أن حضارتنا، هي، ببساطة، سجن كبير.

إن وضعنا الأمور السياسية جانباً، وحتى إن وضعنا جانباً الفقر والعنف والقمع والتفاوت الطبقي والاستغلال وكل المشاكل التي نعرفها جيداً وتحدّثنا فقط عن الجانب اليومي من حياتنا، سنرى أن أسلوب حياتنا ليس سوى سجن بكل ما للكلمة من معنى.

عبر شبكة معقّدة من القوانين والمؤسسات والسلطات والأيدولوجيات، حضارتنا تقوم على فكرة أنه يجب على كل شخص على الكوكب أن يدفع المال لطرف آخر (فرد أو شركة أو سلطة) لكي يكون بإمكانه أن يأكل وأن يعيش بأمان مع سقف فوق رأسه.

ولكي يحصل هذا الشخص على المال، عليه أن يعمل. ولكي يعمل عليه أن يتعلّم. ولكي يتعلّم، عليه أن ينتمي لأهل ولجيل بأكمله يعمل ليجني المال ليدفع لأشخاص آخرين ثمن طعامه ومسكنه، وهكذا دواليك بما يضمن استمرار المنظومة إلى ما لا نهاية. ولكي يكون الجميع سعيداً ولا يفقد صوابه في هذه المنظومة الفارغة، يجب أن يكون هنالك الكثير من الترفيه والإباحية والقمع والمدارس والأديان التي تعلّم الفقراء كيف يكونوا عبيداً سعداء، فيما تعلّم الأغنياء كيف يستفيدون من الأمر الواقع قدر المستطاع.

هي كلها خدعة منظّمة مصمّمة لكي لا ندرك أننا نعيش في سجن، ومن المحزن أنها تنطلي على معظمنا. إن أتى أحدهم اليوم وقال لك أنه عليك أن تقضي نحو 15 عام في المدرسة، ثم 4 غيرها في الجامعة، ومن ثم 45 عام في عمل متعب وطويل لا يمنع الديون والبنوك والحكومات من التهام لحمك ألف مرّة، ليكون بامكانك من بعدها أن تتقاعد (إن كنت محظوظاً) وأنت على أبواب الموت، ستجيبه أن ما يقترحه هو أسوأ فكرة خرج بها أحدهم في كلّ التاريخ البشري.

رغم ذلك، لا نرى أحداً يعترض على ذلك، ونادراً ما سمعنا أحداً يقول أن هذا الجنون بأكمله هو فكرة سيئة، بل العكس. كل ما نسمعه منذ الصغر هو أنه من الضروري أن نجد عملاً، وأن نكون عمّال مجتهدين وموظفين مثاليين، وأن نسعى وراء المال والمنازل والسيارات والمجوهرات والجاه وكل ما شأنه أن يبقينا في الحلقة المغلقة لعبودية الأجر. لحسن الحظ بالنسبة لك يا عزيزتي وعزيزي القارىء، قراءتكم لهذه السطور تعني أن هذه الخدعة الكبيرة لا تنطلي عليكم.

الركض وراء موزة العيش؟

الركض وراء موزة العيش؟

للأسف، الحياة المملة، الشاقّة، المقيّدة، والباردة، المتمثلة بالعيش كعبد يأجّر عقله أو جسده معظم حياته، قد تكون كافية للبعض. قد يكون كافياً للبعض أن يستيقظوا ويذهبوا إلى عبوديتهم كل يوم، شهراً بعد شهر، وعاماً بعد عام. لكنه غير كافٍ بالنسبة لنا، وأعلم أنه غير كافٍ بالنسبة لكثر منكم أيضاً.

هنالك بعض الأرواح الحرّة التي لا تستطيع تحمّل عالم العمّال الخنوعين والموظفين السعيدين والشركات والبذلات والمهن؛ أولئك هم الذين يجلسون على مكاتبهم ويفكّرون كل يوم بالأمور التي يمكن أن يقوموا بها لو لم يكونوا مقيّدين بهذا المقعد اللعين.

بعض الأشخاص ليس لديهم أدنى فكرة ما الذي يمكن أن يقوموا به في أيامهم إن لم يكونوا في وظيفة، وعلى الأرجح أنهم يموتون ضجراً منذ اليوم الثالث من العطلة، لكن هنالك أقليّة تعرف ماذا تريد أن تفعل في حياتها لدرجة أن الوظيفة هي العائق الوحيد بينها وبين الحياة. وهذا ما تدور هذه السلسلة حوله: ألا تبقى وظيفتنا وظروفنا المادية المحدودة حاجزاً بيننا وبين عيش الحياة التي نريد.

 *

حول هذا الكتاب

هذا الكتاب الصغير يدور إذاً حول محور واحد: تعلّم أساليب العيش البسيط بهدف التحرّر من القيود النفسية والمادية والوظيفيّة والخروج من منظومة الجنون الرأسمالية والاستهلاكية التي تحاصرنا في كلّ مكان. بعبارات أخرى، هذه السلسلة من المقالات تهدف لمساعدتكم على التحضير لليلة هروبكم من السيستيم.

كثيرون قد تناولوا قبلنا هذا الموضوع المهم، منهم أدباء ومفكّرون وفلاسفة تاريخيّين مثل هنري ديفيد ثورو، ومنهم شباب ومدوّنون وناشطون شباب معاصرون، أخصّ منهم بالذكر مدوّنة تاء مبسوطة على صعيد المحتوى العربي. كلّ من تناول هذا الموضوع كان لديه مقاربته الخاصة المميّزة التي أضفت تنوعاً وغنى على موضوع العيش البسيط، وهذا الكتاب يأتي ليضيف لون آخر على الباقة.

اعتقد أن ما سيميّز هذا الكتاب بالنسبة للقارىء هو أنه يتناول الموضوع انطلاقاً من رؤية شاملة للواقع ومن ادراك ضرورة الانتقال إلى أساليب عيش جديدة، لا كخيار فردي عادي بل كضرورة حياتية ستعطي من يتبنّاها مناعة لا بدّ منها في عصر الاضطرابات. من ناحية أخرى، لقد خصّصنا جزء كبير من الموضوع للحديث عن أساليب تخفيض الاستهلاك وبناء المناعة والاستقلالية المالية وهو جانب غائب في معظم الأحاديث حول العيش البسيط وخصوصاً العربية منها.

إلى ذلك، الكتاب يتوجّه خصيصاً لأبناء الطبقات الفقيرة والعاملة والمتوسّطة، أي أولئك الذين ليست لديهم ثروات مالية كبيرة والمقيّدين غالباً بالعمل ليل نهار لتأمين قوتهم اليومي، كحال كاتب هذه السطور. الخبر الجيّد هو أن الحياة البسيطة ستخلق لهم مساحة حرية لم يعتادوها من قبل في ظلّ المنظومة السائدة، لكن الدرب التي نقترحها ليست في الواقع رحلة سهلة واعتقد أن القلّة فقط تمتلك ما يكفي من التصميم والحنكة والصبر لاتّباعها في زماننا هذا.

الكتاب ليس إذاً حول طرق سحرية لجني ثروات مالية، ولا حول خدع نفسيّة لتحقيق السعادة الداخلية. هو بكل بساطة يتحدّث عن المقاربات والخطوات العملية التي يمكن أن نطبّقها في حياتنا لتحقيق المزيد من الاستقلالية والحرّية الشخصية.

لا ندّعي أن هذا الكتاب يحتوي على كلّ الأجوبة حول العيش البسيط، فهو لا يتناول سوى جزء صغير منها. ولا نزعم أيضاً أن كل ما نذكره  هنا سيكون مناسباً للجميع؛ فالناس أنواع وظروفها مختلفة. رغم ذلك، كل ما سنذكره في المقالات المقبلة ليس تنظيراً على الإطلاق، بل كلّه يدور حول مفاهيم وأمور عمليّة نطبّقها في حياتنا الشخصية أو رأيناها مطبّقة بنجاح لدى أشخاص آخرين.

 *

...

لكن ماذا يعني الهروب من السيستيم تحديداً؟

إنه يعني تحقيق أكبر قدر ممكن من الاستقلالية النفسية والتقنية والمالية عن المنظومة المركزية السائدة، وزيادة الاعتماد على الذات وعلى المجتمع المحلّي لتأمين متطلباتنا الحياتية الأساسية. وعبارات أدق، الهروب من السيستيم هو التالي:

  • الاستقلالية النفسية والثقافية: نحن اليوم مبرمجون اجتماعياً وثقافياً على اعتماد نمط تفكير معيّن واتّباع نمط حياة معيّن منذ الصغر، حيث يتم تلقيننا عادات اجتماعية ونفسيّة منذ نعومة أظافرنا من خلال الأهل ثم المدرسة والجامع والكنيسة والإعلام والوسط الاجتماعي. وهكذا نصبح مندمجين كلياً بالنظام الاجتماعي السائد من دون تشكيك حتى بأبسط الأمور. حين نشعر مثلاً برغبة معيّنة كامتلاك سيارة خاصة حديثة، فهذه الرغبة نابعة في معظم الأحيان من البرمجة الثقافية المسبقة التي أقنعتنا بأن السيارة أمر ضروري عملياً واجتماعياً. والأمر نفسه حين يتعلّق الأمر بتصرّفاتنا الأخرى ونظرتنا للحياة بشكل عام. الاستقلالية النفسية عن المنظومة تتمثل إذاً بالإفلات من البرمجة الاجتماعية المسبقة التي نخضع لها واكتشاف هويتنا الحقيقية تحت طبقة الاستبداد الثقافي السائد.
  • الاستقلالية التقنية والحياتية: نحن نعتمد على المنظومة السائدة في كلّ شيء في حياتنا؛ نعتمد على شركات وأشخاص آخرين لتأمين طعامنا وحتى لطهوه لنا وتوصيله للمنزل، نعتمد على الحكومة والشركات لتأمين كهرباء لمنزلنا وحاجاتنا اليومية الأساسية، ونعتمد على الخبراء لإصلاح حواسيبنا وأدواتنا المنزلية، ونعتمد على تطبيقات الهاتف الذكي لتنظيم حياتنا وأعمالنا. رغم أننا نعتقد العكس إلا أننا اليوم نمتلك مهارات محدودة جداً في الحياة؛ معظمنا لا يعلمون زراعة غذائهم أو تحضير طعامهم أو صيانة منزلهم وسيارتهم وحاسوبهم أو الدفاع عن أنفسهم، وبعضنا لا يستطيعون حتى الوصول إلى الطابق الثاني من دون مصعد. التعقيد التكنولوجي الهائل جعلنا معتمدين على منظومة اقتصادية هائلة لتأمين كل شيء في حياتنا، وهذا يجعلنا مرتبطين كثيراً بالمنظومة السائدة وضعيفين جداً في وجه أي تغيّرات أو أزمات قد تطرأ فيها. الاستقلالية التقنية عن السيستيم هي اكتساب أكبر قدر ممكن من المهارات التي تتيح لنا الاعتماد على أنفسنا في الأمور الحياتية الأساسية.
  • الاستقلالية المالية: الغالبية الساحقة منّا تعتمد على أجر تتلقّاه مقابل عمل أو وظيفة، وبما أننا نحتاج للمال لتأمين كل شيء في حياتنا ومنه الغذاء والمسكن، فهذا يعني أن ربّ العمل يتحكّم بحياتنا بأكملها. ففي اليوم الذي نُطرد فيه من عملنا، قد نجد أنفسنا في الشارع وغير قادرين على تأمين أساسيات العيش. الاستقلالية المالية تعني تعلّم أساليب توفير المال واستخدامه كوسيلة لزيادة المناعة الاقتصادية بدل استخدامه كأداة استهلاكية فحسب، والهدف النهائي للاستقلالية المالية هو أن يكون لدينا ما يكفي من الموارد لكي لا تسحقنا الشركة إن خسرنا عملنا، أو لكي يكون بامكاننا تأمين مدخول جانبي أو أساسي من دون الحاجة للعمل في وظيفة لدى شخص آخر.

بناءً على ذلك ستكون المقالات موزّعة على قسمين رئيسيين بهدف تسهيل عرض الأفكار؛ القسم الأول يتحدّث عن الاستقلالية الحياتية عن السيستيم شاملاً معه الاستقلالية النفسية والثقافية والتقنية، والقسم الثاني سيتحدّث عن تحقيق الاستقلالية المالية نظراً إلى أن المحتوى العربي في هذا الموضوع نادر إلى حدّ كبير.

 *

إلى متى البقاء في سباق الفئران؟

إلى متى البقاء في سباق الفئران؟

كيف وصلنا إلى هنا: قصّتنا مع البساطة

قليلون جداّ هم الأشخاص الذين ينشأون اليوم وهم يتّبعون حياة بسيطة. معظمنا، حتى أولئك الأكثر فقراً بيننا، غارقون في المنظومة الاستهلاكية بالكامل، إما عبر الاستهلاك الفعلي وإما عبر الاستهلاك الاعلامي والتطابق النفسي مع القيم الرأسمالية كالرغبة بامتلاك السيارات والبيوت والهواتف الحديثة وكل ما تقول الرأسمالية عنه أنه مفتاح النجاح والسعادة والقوّة. عيش حياة بسيطة هو صراع يومي ضدّ الثقافة السائدة لأن المجتمع ينظر إلينا إما نظرة شفقة أو نظرة تشكيك.

فلننظر مثلاً إلى أمر بسيط جداً كأسلوب تعامل المجتمع مع الهاتف الذكي؛ اعتقد أنني قد أكون آخر شخص في دبي لا يمتلك هاتف ذكي وكل من أصادفه إما يشفق علي، أو لا يصدّقني، أو يبدأ بالتشكيك بسلامتي العقلية وبقدرتي على العيش من دون قطعة الخردة هذه. المجتمع الاستهلاكي السائد بالكاد يستطيع تقبّل شاب لا يمتلك هاتف ذكي، فكيف الأمر بالأمور الاستهلاكية الأكبر كالسيارة الخاصة والملابس الجديدة والسهرات الصاخبة والعطل السنوية والمهنة الناجحة والزوجة (أو الزوج) الجميل والأولاد المدللين؟

أينما نظرنا في المجتمع، هنالك عمليّة فرض مستمرّة للقيم الاستهلاكية علينا؛ كل برنامج تلفزيوني وكل لوحة إعلانية وكل زميل عمل وكل صورة فايسبوك تدعونا للاستهلاك. الخروج من هذه المنظومة ليس بالأمر السهل على الإطلاق.

رغم ذلك، اعتقد أن عيش حياة بسيطة هو أفضل ما يستطيع المرء أن يقدّمه لنفسه. على الصعيد الشخصي، أسلوب العيش البسيط أعطانا وقت حرّ كافٍ للقيام بالكثير من الأمور التي لم تكن لتكون ممكنة بطريقة أخرى، كتطوير مهاراتنا في أمور عديدة، واكتساب نسبة لا بأس بها من الاستقلالية المالية رغم فترات البطالة والرواتب المنخفضة التي عملنا بها.

هذه الاستقلالية المالية النسبية تعني أيضاً أنني إذا ما فقدت عملي غداً، لدي القدرة على الاستمرار بدفع كافة فواتيري ومصاريفي بنفسي من دون راتب لعدّة أشهر. في المقابل، هنالك العديد من الزملاء الذين لا يعملون بدوام طويل مثلي، ولم يعانوا من البطالة يوماً، والذين تبلغ رواتبهم أضعاف راتبي، لكنهم بسبب انغماسهم في الثقافة الاستهلاكية، لا يستطيعون القيام بأي من الأمور التي أقوم بها – وإن حصل أن فقدوا عملهم غداً فسوف يعانون فوراً من تعقيدات مالية ومعنويّة هائلة.

العيش البسيط ليس إذاً هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة؛ وسيلة لخلق الحياة التي نريدها نحن. عليك أن تسأل نفسك ما الذي تريده من حياتك، ما هو الأمر الذي ستتيحه لك الحياة البسيطة؟ بالنسبة لي، أهم ما تتيحه الحياة البسيطة، هو الحرية. وتحديداً التحرّر من عبودية الأجر لكي اتفرّغ للقيام ببعض الأمور الأهم في الحياة. قد يتساءل البعض، لماذا أريد الانسحاب من عالم عبودية الأجر بهذه السرعة فيما يبقى الجميع في وظائفهم حتى عمر الستين والسبعين؟

وجوابي هو أن هذا السؤال خاطىء. السؤال يجب أن يكون لماذا تريد الناس البقاء بعبودية الأجر والاستهلاك طوال حياتها من دون البحث عن سبيل لتحطيم سلاسلها؟ بماذا تفكّر هذه الناس؟ هل هي ميتة من الداخل لهذه الدرجة؟ هل تقبل الأمور كما هي من دون تشكيك ولو تعلّق الأمر بحياتها نفسها؟

اعتقد أن البحث عن سبل الهروب من منظومة تقبض على رقابنا وعلى الجزء الأكبر من حياتنا هو الخلاصة الأكثر منطقية لكل روح حرّة في هذا العالم. من هو الذي يريد أن يستيقظ مكرهاً كل صباح، كلّ يوم من حياته، ليذهب إلى مكان يكرهه أو لا يعني له شيئاً، ويقوم بعمل يكرهه أو لا يعني له شيئاً، لكي تنتفخ جيوب مدراء وأرباب عمل يكرههم أو لا يعنون له شيئاً؟ ألا يعني ذلك أن حياتنا نفسها لا تعني لنا شيئاً؟

متى نحيا إن كنّا كل حياتنا مقيّدين بمقعد وظيفتنا؟ متى نفكر بحرية وصفاء إن كان العمل يستحوذ على عشرة ساعات من يقظتنا فيما يستحوذ التعب والنوم على الباقي؟

قد يقول أحدهم أن المنظومة الحياتية-الاقتصادية-الاجتماعية مهندسة لكي تجعل من هروب الأفراد منها أمر مستحيل، وهم محقّون، لكن ضرورة المواجهة الجماعية المنظّمة مع السيستيم لا تعني أنه يجب على الأفراد الجلوس في زنزانتهم من دون حراك. فلنتحدّث عن ذلك قليلاً.

...

*

بين الهروب الشخصي والتحول الجماعي

نحن نعيش فعلاً في نهاية زمن بأكمله، نعيش في قلب الأزمة ونعلم ذلك جيداً لأنه يترجم في حياتنا بكفاح يومي وأيام نقضيها متنقّلين بين هجرة وأخرى وبين بطالة وأعمال تشبه العبودية وبين حروب أهلية وأزمات اقتصادية وتفجيرات وتظاهرات وقمع من الحكومات. وفي كلّ ذلك نكافح كل يوم للحصول على حياة كريمة، للحصول على حياة تشبه تلك التي حصل عليها جيل أهلنا، ونفشل في ذلك فشلاً ذريعاً. القلة القليلة منّا التي تبني ما يشبه الاستقرار تكون في معظم الأحيان قد رهنت حياتها ومصيرها للبنوك والقروض والشركات والسلطات.

نحن نواجه يومياً خيارات نعلم أنها يمكن أن تغيّر حياتنا للأبد، ونعاني يومياً لنحقّق الحد الادنى فقط، فيما يتلهّى السياسيّون والإعلاميّون والمفكّرين ورجال الدين بأمور لا طائل منها. نحن ننزلق إلى العصور المظلمة ببطء، وجميعاً نشعر بعبئها، لكن الكل يتصرّف كأن كل شيء عادي، أو كأن كل ما يحدث حالياً هو مجرّد حلم مزعج سنستيقظ منه قريباً لنرى أن كل شيء هو على ما يرام.

لكن الحقيقة هي أنه لا شيء هو على ما يرام – وما قد يفاجأك عزيزتي وعزيزي القارىء، أن ذلك قد يكون خبراً ساراً، لا خبراً سيئاً. فكلّ النهايات، وخصوصاً نهايات القصص الحزينة كقصّة حضارتنا، تحمل في طيّاتها آلاف البدايات لكلّ منّا – بدايات تعطينا فرصة المشاركة في ولادة فجر جديد يخرج من جراح الماضي وآلامه.

لماذا نقول كل ذلك؟ لأن العيش البسيط الذي نتحدّث عنه ليست مجرّد أسلوب عيش، بل دعوة لبداية جديدة لكلّ منّا – بداية منفصلة عن البنية المتداعية والفاسدة للحضارة السائدة.

كنّا قد تناولنا على مدوّنتنا في الماضي الاستراتيجية التي نعتقد أنها ستساعد الحركات التغييرية على إيجاد مستقبل أفضل يحمينا من العصور المظلمة، وقلنا وقتها أنها تتمثّل في بناء الوعي، المقاومة المنظّمة للبنى والمؤسّسات القمعية، والتحوّل المباشر في المدن والبلدات والقرى وحياة الأفراد. وتحدّثنا كثيراً في مقالات سابقة عن الوعي المطلوب لرفض دين النمو وعن بعض مشاريع التحوّل المجتمعية المنتشرة حول العالم.

هذا يعني أننا ندرك أهمية التحول الجماعي لكن ذلك لا يعني أن التحوّل الشخصي غير مهم، بل العكس. في الواقع، في ظلّ غياب التجارب التحولّية الكبرى والحركات المنظّمة، لا يوجد أي معنى لانتظار أمور قد لا تأتي أبداً، ومن الأجدى البدء بتحوّلات في حياتنا الشخصية منذ اليوم. رغم أن التحوّلات التي نقوم بها في حياتنا الخاصة ليست بديلاً عن المقاومة السياسية المنظّمة، إلا أنها بداية جيّدة.

الحياة البسيطة يمكن أن تكون بداية جديدة صغيرة لكلّ منّا، بداية صغرى تزرع بعض البذور لبداية كبرى لمجتمعنا بأكمله، وهي ستساعدنا على بناء مناعة ذاتية لنا ولعائلاتنا في زمن تحوّلات وانهيارات تحاصرنا أينما التفتنا. لقد حان وقت الهروب من السيستيم. لقد حان الوقت لبناء الحياة التي نريدها نحن.

17 comments

  1. تنبيه: سلسلة جديدة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمات | نينار
  2. غير معروف · يناير 10, 2015

    مقال مُبَشِر بسلسلة سلسلة بديهية رائعة.

  3. hussam1984k · يناير 11, 2015

    بداية موفقة و رائعة و عشرة ايام بعد المقدمة اطول من اسبوعين قبلها و يسعد اوقاتك خيي

    • Adon · يناير 11, 2015

      شكراً حسام، أوقاتك اسعد صديقي : )

  4. عمرو ملكاوي · يناير 18, 2015

    كلام رائع يعبر عن روح مكبوتة ومقموعة داخل جسدنا …. لكن السؤال ما هو تفسيرط لظاهرة ازدياد اعداد المهاجرين من القرى والارياف باتجاه المدن حتى انه من المتوقع ان يكون 60 بالمئة من سكان الارض يسكنون المدن بحلول 2030 ؟؟؟؟ اليس هذا هروب من البساطة والحرية باتجاه التعقيد ؟؟؟

    • Adon · يناير 19, 2015

      مرحبا عمرو،
      النزوح من المدن للأرياف له أسباب كثيرة منها أنه لم يعد يوجد فرص في الأرياف ولا يوجد بنى تحتية وأبناء الريف يعتقدون أنه يجب الذهاب إلى المدينة لكي يحققوا نتيجة ما (كالتعلم، الوظيفة، حياة المدينة…ألخ).
      يعني جزء من النزوح إلى المدينة هو لأن أبناء الريف يصدقون أن المدينة والتعقيد هو أفضل من الحياة التي يعيشوها، للأسف يعني

  5. عمرو ملكاوي · يناير 19, 2015

    يسلمو على الرد طوني …. بدي اسالك انت جربت حياة الريف وحياة المدن ؟؟

    • Adon · يناير 19, 2015

      أنا ربيت بالريف صديقي وانتقلت للمدينة عال 18 بسبب الجامعة ولسا باقي بالمدن بسبب الشغل

    • Adon · يناير 19, 2015

      ولكن رغم ذلك، البساطة ليست بالضرورة الانتقال للريف، يمكن تحقيقها بنسبة لا بأس بها حتى في أكثر المدن اكتظاظاً ، والمقالات المقبلة رح توضح هالأمر شوي

  6. عمرو ملكاوي · يناير 19, 2015

    طيب انت مرتاح بشغلك … مبسوط فيه….؟

    • Adon · يناير 19, 2015

      😀 من سلسلة المقالات قادر تستنتج صديقي

      • عمرو ملكاوي · يناير 19, 2015

        :):):) مزبوط

  7. عمرو ملكاوي · يناير 19, 2015

    بانتظار مقالاتك الجاي صديقي :):)

  8. عمرو ملكاوي · يناير 21, 2015

    مبارح حضرت فيلم “Her” الفيلم مش طبيعي بوصفه لعادات ممكن تصبح حقيقة بالمستقبل القريب مع التقدم التكنولوجي … وبتمنى يا طوني تحضره لانه ممكن يعطيك تصور معين تضيفه لسلسلة مقالاتك الجايه ..مابعرف ممكن انك شفته قبل هيك ..:):)

    • Adon · يناير 21, 2015

      شكراً على تعليقك عمرو، رح شوف الفيلم قريبا

  9. زاهر · يناير 29, 2015

    دائماً كلماتك في الصميم طوني .. كم أتمنى ان لا تخني عزيمتي يوما فأجد نفسي ظلا لنفسي..

    انا من شي شهرين تقريبا عاطل عن العمل مع العلم انه المرة الاخيرة اللي كنت فيها بدون شغل كانت قبل 8 سنين وحتى لما كنت انتقل من شغل لشغل كنت اعمل هالشي بفترة اقل من أسبوعين خوفا من الديون ومن عدم قدرتي على تسديد الفواتير.
    اليوم بعد شهرين بدون شغل حاسس نفسي غريب عن هالعالم بأغلب الاحيان بفيق الصبح ما بعرف شو لازم اعمل..
    انا شخص بيكره المؤسسات التعليمية التقليدية وفي بقلبي حسرة لأني صرفت كتير من طاقتي وما زلت لليوم لحتى سد أقساط التعليم وضل مركز ما بين الحصص والشغل والامتحانات وباقي المستنقعات، بدل ما اتخذ قرار باني متلا مش بحاجة لشهادة رسمية لحتى كون موسيقي (كوني بدرس موسيقى)
    كلامي هاد حتى أكتر أصدقائي انفتاحا بشوفه غباء ومراهقة فكرية..
    اليوم انا حاسس حالي شخص أغبى من قبل لكن اقل سذاجة وهو شعور جميل بالنسبة الي..
    المهم هاد الشعور ما بديت حس فيه الا من شي سنتين يعني من وقت ما بلشت اقرالك وما فهمت هالشي الا لما صارت كل الكلمات في كل الكتب حتى أكثرها قربا مني فكريا، مملة وبدون قيمة.. ما بعرف كيف راح تنفهم كلماتي بس انا اكيد انه هالشعور مش غريب عليك..

    بانتظار المزيد منك

    • Adon · يناير 29, 2015

      مرحبا زاهر،
      أكيد مش غريب الشعور صديقي، هوي العالم اليوم مصمّم حتى يكون الكل غرباء عنه أساساً وحتى الكل يمشي من دون ما يسأل أي أسئلة حقيقية عن حياته أو عن أي شي حوله. وإذا كنت من الناس اللي مبلشة من الصفر (أو من تحت الصفر مع ديون التعليم) يعني بتعرف كمان ان التركيبة الاقتصادية للبلد مصممة كمان حتى تشتغل ضدك معظم الوقت.
      بتمنى تلاقي قريباً الشي اللي عم تبحث عنه وتكون المقالات المتواضعة هون مفيدة لإلك برحلتك
      تحياتي زاهر

التعليقات مغلقة.