حيّ على الحب والكفاح: فلسفة العيش البسيط في زمن الأزمة

* * *

هذا المقال هو جزء من سلسلة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمة

* * *

طوني صغبيني

*

من قال أننا نحتاج لفلسفات معقّدة للعيش في أكثر الأزمان تعقيداً؟ الحياة في جوهرها بسيطة جداً، وفلسفة العيش التي نقترحها تتناسب مع هذه الحقيقة ومع ما يعرفه الناس بشكل فطري، وهو أن الحياة هي حبّ وكفاح، ومفتاح سعادتها هو العيش البسيط من دون توقّعات مسبقة منها.

...

*

العيش من دون توقّعات مسبقة من الحياة

التوقّعات هي خيبات أمل تنتظر أن تحدث، ولذلك تعاش الحياة البسيطة من دون توقّعات. هذا لا يعني أنه علينا أن نعيش من دون خطط أو اتجاه، لكن يعني أننا لن نربط سعادتنا بحدث ما في المستقبل. هذا يعني أننا سنحاول دائماً خلق الظروف التي تجعلنا سعداء هنا والآن، بغض النظر عمّا يحمله المستقبل لنا – وخصوصاً أننا لا نستطيع التحكم بهذا المستقبل. كل ما نستطيع التحكم به هو ما نستطيع القيام به في اللحظة الآنية.

العيش في زمن أزمات وجوديّة كالتي نراها حولنا اليوم، يعني أنه من السهل جداً أن ننزلق إلى القلق حول كل الأمور في الحياة، ومن السهل جداً أن ننزلق إلى خيبات الأمل عندما لا نحصل على الأمور التي ننتظرها، ومن السهل أيضاً أن ننزلق من بعدها إلى الاكتئاب حين ندرك بأننا قد لا نحصل أبداً على الحياة التي كنّا نتوقّع الحصول عليها يوماً ما.

هذا يعني أننا نواجه خياران: إما أن نعيش بقلق وخيبات أمل مستمرّة متمسّكين بكافة توقّعاتنا المسبقة عن الحياة ومعتقدين أن الحياة تدين لنا بشيء ما مع ما يعنيه ذلك من غضب واغتياظ واكتئاب، وإما أن نكفّ عن ربط سعادتنا بأمور مستقبلية قد لا تحدث أبداً ونبدأ بالاستمتاع بشكل أكبر بما يتوافر لدينا هنا والآن.

هذا لا يعني أنه علينا أن نقبل واقعنا الشخصي من دون أن نحاول تغييره أو التأثير عليه، بل العكس – وخصوصاً إن كان واقعاً ظالماً أو سبباً لتعاستنا وألمنا. الأمر يعني أنه فيما سنعمل بحزم نحو مستقبل يشبهنا أكثر، لا يوجد أي ضرر في الاستمتاع بالرحلة وبالأمور اليومية في الحياة. قد تكون تلك الأمور رشفة قهوة صباحية، أو أغنية عابرة، أو قبلة حبيب، أو ضحكة مع الأصدقاء، أو نزهة في البرية. المهم أن نتعلّم أن اللحظة الوحيدة التي يمكننا أن نكون سعداء فيها حقاً هي هنا والآن.

الحياة أقصر من أن نجعل سعادتنا رهن مستقبل قد لا نراه أبداً ، لذلك علينا أن نجد الحبّ كل يوم في كلّ ما هو حولنا، وإلا قد نستيقظ يوماً ولن نرى من حولنا سوى ظلمة باردة.

*

حيّ على الحبّ، حيّ على الكفاح

حسناً، أعلم أن كلمة الحبّ تم ابتذالها في هذه الأيام لدرجة أننا نودّ إغلاق الصفحة ما أن نقرأ مقالاً يذكرها مراراً وتكراراً، لكن علينا أن نقولها: الحياة، بأكملها، هي حبّ وصراع، رقص وقتال. حياتنا نحن خصوصاً في زمن السقوط الأكبر هي صراع يومي – والحبّ هو الدواء الوحيد لكي يكون بامكاننا الاستمرار.

علينا أن نتقبّل فكرة أن عيشنا في هذا الزمن يعني كفاحاً مستمراً للحصول على حاجاتنا الأساسية ولتأمين الحد الأدنى من المستقبل الآمن لنا. المنظومة المهيمنة على الكوكب ومعها قوى الأمر الواقع الحاكمة مصرّة على سحق الكوكب من أجل السلطة والمال حتى آخر رمق – وتضعنا كلّ يوم أمام خيار الكفاح للعيش بكرامة وحرّية أو الانكسار والخنوع.

إلى ذلك، الانهيار البطيء يعني أنه هنالك عدد هائل من الناس اليوم يدخلون في حفلة جنون وغضب جماعيّة، وهذا الجنون يترجم على أرض الواقع بالمزيد من المتحرّشين في الشوارع، المزيد من الساديّين في إدارات الشركات، المزيد من المكتئبين في المكاتب، المزيد من المريضين نفسياً في السلطات والجيوش والميليشيات، والمزيد من المجانين أينما التفنا حولنا في الحياة. نحن لسنا بمنأى عن هذا المصير أيضاً، وكفاحنا اليومي هو حقاً كفاح داخلي وخارجي في وجه كل تلك الشياطين التي تفلت من عقالها في زمن يفقد فيه الإنسان صوابه ولقمة عيشه في آن واحد.

علينا أن نتقبّل أن حياتنا اليومية في هذا الزمن ستكون كفاحاً دائماً وألا نعتبر أن الكفاح هو عقاب ما علينا الإفلات منه. علينا أن نتعلّم العيش معه، وعلينا أن نطوّر أنفسنا لنكون أفضل فيه. القتال فرض علينا وانتهى، فمن الأفضل أن نقاتل بكل ما فينا. قد يكون كفاحنا نفسياً وذهنياً، وقد يكون في عملنا أو منزلنا، وقد يكون جسدياً أو سياسياً أو اقتصادياً. نحن لا نعلم ماذا سترمي علينا الحياة غداً، لذلك علينا أن ندرّب أنفسنا وأن نحوّل أنفسنا لمحاربين بالطريقة نفسها التي علينا أن نتعلّم أن نحوّل أنفسنا إلى عشّاق وصوفيين. هذين القطبين لا ينفصلا عن بعضها البعض؛ المحارب الحقيقي هو من يقاتل انطلاقاً من الحبّ.

*

العيش البسيط هو المفتاح

النصيحتان السابقتان تركّزان على الجانب الداخلي – النفسي والذهني؛ النصيحة الأولى تساعد على التعامل مع الواقع كما هو، والثانية تساعد على تحفيز إرادة تغيير هذا الواقع، لكن هنالك جانب آخر مادي هو أساسي لعافيتنا خلال الفترة المقبلة، وهو العيش البسيط.

العيش البسيط هو الاستبدال المنهجي للضوضاء المادّية التي تملأ حياتنا بغنى روحي ونفسي ومعنوي. العيش البسيط يعني ألا تكون سعادتنا وصحّتنا ورضانا الذاتي نابعة من ممتلكات مادية قد لا نستطيع الحفاظ عليها أو حتى امتلاكها في الأصل. إنه يعني بطريقة أو بأخرى التخلّي عن الأحلام المادية الكبيرة من قصور فخمة وسيارات سريعة وحفلات باذخة ومئات القطع الالكترونية المضيئة في غرفتنا، واستبدالها بأحلام أكثر حقيقيّة وإنسانية كالعلاقات العميقة مع الآخرين، العيش الهادىء الخالي من التوتر، الهوايات الممتعة والحرف والمشاريع اليدوية والفنية والفكرية التي تسعد الروح والجسد على السواء، والأهداف الحياتية السامية كمساعدة الآخرين أو إعادة الحياة لأرض هجرناها.

حياتنا اليوم معقّدة ومليئة بمئات الأمور التي تزيدها تعقيداً من مئات التطبيقات التي تتدخّل في حياتنا إلى ضغوط العمل ووتيرة الحياة السريعة، نحن نجد باستمرار أن علاقاتنا الاجتماعية تتراجع فيما نعاني بشكل متزايد من الأمراض المرتبطة بالتوتّر والقلق والسمنة والسرعة. كل هذا التعقيد الذي يجتاح حياتنا يجعلها في الواقع أكثر فقراً ويؤثر سلباً على صحّتنا وعلاقاتنا وسعادتنا الذاتية. البعض يعتقد أن حلّ هذه الأمور يكون بالمزيد من التعقيد، كاستخدام تطبيق جديد على الهاتف، إلا أن الحلّ حقيقة هو في المزيد من التبسيط.

كل من يتبع العيش البسيط في حياته سيخبركم بأنه هنالك عدّة نتائج تحصل عند اتباع هذا النمط من الحياة: الوضوح في الرؤيا الذي تتيحه المساحة المتوافرة لنا للتفكير والتأمل، والسعادة المتأتية من الأمور الحقيقية في الحياة لا من الأمور المزيّفة والمؤقتة. أما النتيجة الأهم فهي زيادة المناعة المالية والاقتصادية الذاتية تجاه التحوّلات الاقتصادية والمالية التي تعصف بالعالم كل يوم.

العيش البسيط يشبه إلى حدّ بعيد عمليّة ري شجرة صغيرة. حين تكون مجرّد بذرة وغصن صغير، تكون الشجرة هشّة للغاية لدرجة أن رياح قليلة قد تقتلعها وشمس خفيفة قد تجعلها يباساً؛ تماماً كما أن أي أزمة اقتصادية أو شخصيّة يمرّ بها أحدنا اليوم كافية لأن تحطّمنا. كل ما تحتاجه هذه النبتة صغيرة لتتحوّل إلى شجرة هو القليل من الريّ والعناية كلّ يوم، ومع كلّ قطرة ماء تكتسب المزيد من القوّة والمناعة. صحيح أننا لن نستطيع رؤية الفارق بين يوم وآخر، لكننا سنستيقظ يوماً ما وسنرى أن ذلك الجذع الصغير قد أصبح شجرة وارفة، ثابتة في وجه كل ما ترميه الطبيعة بوجهها. وهكذا هو العيش البسيط؛ القليل من الإرادة كلّ يوم، ولن يطول بنا الأمر لنجد أننا خلقنا من أنفسنا حياة جديدة وأكثر حرية واستقلالية.

التخلّي عن توقّعاتنا المسبقة من الحياة، صهر ثنائية الكفاح والحبّ كجزء منّا ومن ذاتنا، وعيش الحياة بالبساطة، هي أمور قد تبدو سهلة جداً للوهلة الأولى، لكننا قد نحتاج لحياة بأكملها لتعلّمها حقاً. في كلّ الأحوال، أعدكم أنها مغامرة تستحقّ خوضها…

10 comments

  1. تنبيه: سلسلة جديدة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمات | نينار
  2. Abeer Khshiboon · يناير 21, 2015

    مقالة مفيدة ومكتوبة بثقة واضحة : )
    بعرفش لأيّ درجة ممكن الإنسان الحالي (خاصّة إنسان المدن الكبيرة) إنه ينفّذ نمط الحياة البسيط المعروض. الدّوّامة العصريّة قويّة كتير، وغالبًا أقوى من الإنسان المتوسّط.

    • Adon · يناير 24, 2015

      صحيح : ) أي نمط بعكس السائد رح يتطلب إرادة عنيدة جداً للعيش بطريقة مختلفة

  3. عمرو ملكاوي · يناير 21, 2015

    العيش من دون توقّعات مسبقة من الحياة ….. انا عانيت من التوقعات المسبقة لدرجة اقتربت من التحطم … بتحس في برمجة عالموضوع من واحنا صغار من التلفزيون والاعلانات وحكي الناس …. في ناس بتتغلب عالموضوع بالاعتقاد بالقدر والنصيب …. وفي ناس عندهم ذكاء عاطفي وقوة نفسية بتخليهم يتغلبو عالموضوع … بس بتخيل لازم كل الجيل الجديد يتعلم “العيش من دون توقّعات مسبقة من الحياة” …. غير هيك رح تيجي اجيال بتعاني من اكتئاب شديد خصوصا انه الدين عند الجيل الجديد بخف شوي شوي ….

    العيش البسيط زي ما حكيت طوني هو مفتاح لكثير مشاكل منعاني منها ورح يكون سلاح فعال بوجه الديكتاتوريين والشركات وحيتان جمع الاموال وحل للحياة الجنونية السريعة اللي عايشينها …..للعلم عدد كبير من الافراد الاوروبيين بعيشو هيك حياة …. لكن المشكلة ببلادنا انه مافي وقت لاغلب الافراد حتى انه يوخدو نفس ويوقفو ويفكرو انه بعدين… لوين رايحين …. واذا فكر الحل عنده بس انه يهاجر عبلاد برا …….

  4. elbianola · يناير 21, 2015

    صديقي الجميل تحية حب وتقدير واحترامنظرا لما تمثله مقالاتكم من اهمية بالغة في مجال التنوير الذي نسير فيه جميعا نرجو الموافقة على اعادة نشرها في موقع الكتروني شبابي يهتم بمثل هذه الكتابات ونأسف لعدم القدرة على وجود مقابل مادي لها حيث البدايات الصعبة وقلة من هم يقفون مع الشباب في تجاربهم دون مقابل مادي الرئيسية – جريدة مليونية |   | |   | |   |   |   |   |   | | الرئيسية – جريدة مليونيةجريدة مليونية .. مش بس مجرد خبر .. جريدة مش بتخاف | | | | View on http://www.millionya.com | Preview by Yahoo | | | |   |

     

    • Adon · يناير 21, 2015

      لا يوجد مشكلة بنشر المقالات صديقي طالما أن المصدر مذكور : )
      شكراً لك

  5. Orwa Sahel · يناير 21, 2015

    في مدينة كبيرة، مهما حاولت المقاومة و التبسيط كأنك تحاول مقاومة موجة عاتية، أفكر أنه في الأخير ستتنتهي إما عامل تعيس يجري في شبكات الميترو، أو هيبي يفترش الأرض في محطات الميترو بعد إغلاقها.

  6. hussam1984k · يناير 23, 2015

    بحس كلامك جنة وسط جهنم الواقع غير البسيط تشكر حورية قلمك طوني

    • Adon · يناير 24, 2015

      العفو حسام

  7. sami · يناير 30, 2015

    “We are living in a culture entirely hypnotized by the illusion of time, in which the so-called present moment is felt as nothing but an infintesimal hairline between an all-powerfully causative past and an absorbingly important future. We have no present. Our consciousness is almost completely preoccupied with memory and expectation. We do not realize that there never was, is, nor will be any other experience than present experience. We are therefore out of touch with reality. We confuse the world as talked about, described, and measured with the world which actually is. We are sick with a fascination for the useful tools of names and numbers, of symbols, signs, conceptions and ideas
    Alan watts

التعليقات مغلقة.