أنت في مواجهة العالم: ما هي الخطوة الأولى؟

هذا المقال هو جزء من سلسلة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمة

*

طوني صغبيني

*

معظمنا يعلمون تلك القصّة عن جون لينون، حين سألته المعلّمة في المدرسة “ما الذي تريد أن تكونه في الحياة حين تكبر؟”. أجابها لينون وقتها أنه يريد أن يكون سعيداً، فقالت له المعلّمة أنه لم يفهم السؤال، فأجابها بأنها لا تفهم الحياة.

هذه القصة تختصر إلى حدّ كبير الخطوة الأولى الضرورية للعيش البسيط: اكتشف ما الذي يجعلك سعيداً. الجملة السابقة تبدو للوهلة الأولى بديهية بل سخيفة، وقد يستغرب البعض لماذا نريد تخصيص مقال كامل عن أمر يعتقد الجميع أنه يعرفه، لذلك، اسمحوا لنا أعزائي القراء بأن نتحدّث عن هذا الأمر قليلاً.

*

...

سراب السعادة المادّية

حين نكون صغاراً، يسألنا أساتذنا في المدرسة “ماذا تريدون أن تصبحوا حين تكبرون؟”، لكنهم لا يخبروننا وقتها أننا في 99 % من الوقت، ليس لنا خيار حقيقي في ما سنكونه حين نكبر، لأننا لا نعيش في بلدان ترسل روّاد فضاء إلى الخارج، وقد لا ننتمي إلى عائلات ميسورة كفاية لتدخلنا الكلية الطبية أو معهد تطوير الروبوتات مثلاً، وقد لا يكون لدينا ترف اختيار مهنة لا مال فيها كالفنون والكتابة، وقد لا ننتمي إلى الطبقة أو الطائفة أو الحزب أو العائلة المناسبة لكي نصبّح تلامذة ضباط في المدرسة الحربية…ألخ. معظمنا لا يتخرّجون من المدارس ليصبحوا رواد فضاء وعلماء وضباط وأطباء وفنّانين، بل معظمنا يتخرّجون ليصبحوا عاطلين عن عمل وباحثين عن عمل وأساتذة مدرسة وموظّفين مملّين ونادلين وعمّال مستودع وسائقي أجرة…

هذا السيستيم لا يخبرنا بأن طبيعته الطبقية تعني أن كل الأحلام التي أوحي لنا أنها ممكنة في صغرنا، ستتبخّر في الواقع ما أن نخطو الخطوة الأولى خارج المدرسة، وهذه هي المشكلة الأساسية في نسخة هذا السيستيم عن السعادة: هو يعلّمنا منذ نعومة أظافرنا أن نربط سعادتنا بأمور مادّية لا يمكن لنا تحقيقها أو لا يمكن لنا الوصول إليها.

إلى ذلك، تخبرنا الثقافة السائدة من خلال الاعلانات والبرامج والضغط الاجتماعي وصور الفايسبوك أن السعادة ترتبط بطريقة أو بأخرى بوظيفة أو دخل محدّد، بماركة تجارية شهيرة على ملابسنا، بمنزل في بقعة محددة من المدينة، بسيارة رائعة، بعطلة في بلاد بعيدة.

قد نجد أنفسنا نعمل لسنوات لتحقيق كل هذه الأمور لنكتشف من بعدها أننا لم نصبح سعداء بعد؛ لكن السيستيم يخرج بخدعة أخرى علينا ويقول لنا أن السعادة تنتظرنا دائماً عند المنعطف التالي؛ هذا المنعطف التالي قد يكون سيارة أحدث أو أثاث منزلي أجدد أو هاتف أكثر تطوراً أو منزل أكبر أو زوج أجمل أو طفل إضافي. هنالك دائماً خطوة أخرى نحتاجها لنكون سعداء، أو هذا ما يخبرنا به السيستيم.

وهنا لبّ الموضوع: النسخة التي تقدّمها الثقافة السائدة عن السعادة مصمّمة لكي لا نستطيع الوصول إليها أبداً. المنظومة تريد إبقاءنا في سباق الفئران مدى الحياة ولذلك تحرص على أن نلاحق سراب يوماً بعد يوم. الأمر يشبه سراب واحة الصحراء، كلما اعتقدنا أننا اقتربنا من السعادة الموعودة، سنغمض أعيننا للحظة لنرى بأنها عادت بعيدة وأنه علينا أن نمشي باتجاهها من جديد. لذلك، طالما أننا نصدّق السراب الذي تبيعنا إياه الثقافة السائدة؛ سيكون من المستحيل أن نصل إلى السعادة التي نحلم بها.

*

السعادة هي اكتشاف داخلي لا إعلان تلفزيوني

حين نطرح سؤال “ما الذي يجعلنا سعداء” على أنفسنا من دون أن نعيد النظر في منظومة القيم التي نحملها، سنجيب عليه وفقاً للبرمجة الثقافية الاجتماعية التي ربينا عليها منذ الصغر. معظمنا سيخرجون بنفس الإجابات الجاهزة التي تروّجها لنا الثقافة السائدة بدل أن يبحثوا داخل أنفسهم عمّا يجعلهم سعداء حقاً.

رغم أن البرمجة الثقافية السائدة توحي لنا أن نفس الأمور تسعد الجميع من دون استثناء، إلا أن الحقيقة هي أن الناس أنواع وكلّ منا يجد السعادة في أمور مختلفة.

أنا متأكد أن معظم قرائي لا يجدون سعادة في الاشتباك القتالي في الحلبة مع خصم مدرّب على القتال، كما افعل أنا مثلاً، كما أني لا أجد سعادة في أمر قد يجده بعض القراء مسلياً، كالسهر في مكان ضيّق وصاخب ومفعم بالدخان والموسيقى الصاخبة. الاختلاف في مصادر السعادة يبدأ من أبسط الأمور ويصل إلى أكبرها.

الخطوة الأولى للعيش البسيط بل لتحقيق أولى الانتصارات الفردية على المنظومة السائدة هي أن نجلس بعيداً عن ضجيج الاعلانات المدفوعة الاجر والضغط الاجتماعي وتوقعات الأقران وأن ننظر عميقاً في أعماق روحنا لكي نكتشف ما الذي يسعدنا حقاً في الحياة.

في تجربتي المتواضعة، بساطة الإجابات التي سنكتشفها في أنفسنا مع الوقت قد تفاجأنا – الاستمتاع بلمسة يد حبيبتك على عنقك في لحظة صمت قد يكون أثمن من أي مبلغ من المال يمكن أن تجنيه يوماً. هذه الممارسة – اكتشاف الأمور التي تسعدنا حقاً – هي أساس الحياة البسيطة وباب الخروج من البرمجة الثقافية التي تشجّعنا على ربط سعادتنا بالاستهلاك والشهادات الجامعية والصور الفايسبوكية والممتلكات المادية. إيماننا بنسخة الثقافة السائدة عن السعادة هو القيد الأول الذي يمنعنا من عيش حياة بسيطة، والكفر بها هي الخطوة الأولى لتبسيط حياتنا.

اكتشفوا ما الذي يسعدكم حقاً، وستتفاجأون بكمية الأمور التي تقومون بها في حياتكم والتي تعتقدون أنها تسعدكم فيما تسبّب العكس. ستتفاجأون أيضاً باكتشاف أمور جديدة ومثيرة قد تسعدكم أكثر. اجلبوا ورقة صغيرة وضعوا لائحة بالأمور التي تسعدكم، من أصغرها إلى أكبرها. القيام بهذا التمرين الصغير قد يساعدكم في أحيان كثيرة على أن تدركوا أنه لا يوجد أي سبب يمنعكم من أن تكونوا سعداء هنا والآن. هذه هي الخطوة الأولى.

11 comments

  1. blue · فبراير 1, 2015

    أنت تكتب الحياة بطريقة على بساطتها مؤلمة ، تحيتي

    • Adon · فبراير 1, 2015

      شكراً blue : )
      مش القصد انها تكون مؤلمة بقدر ما انها لازم تكون حقيقية

  2. تنبيه: سلسلة جديدة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمات | نينار
  3. Younes Ben Amara · فبراير 1, 2015

    مقال من اروع ما يكون تحياتي القلبية .

  4. hussam1984k · فبراير 1, 2015

    اول سعادة لي هي بقراء هذا المقال

  5. Adon · فبراير 2, 2015

    يونس وحسام شكراً على تعليقاتكم اللطيفة اصدقائي

  6. Diaa Safwat · فبراير 14, 2015

    فعلا المهم أن تعرف ما الذي يشعرك بالسعادة
    وهو أمر على بساطته صعب
    فكثير من الناس وقعوا في فخ الأمور الماديه وما زالوا في سباق لا ينتهي نحو سعادة لا يدركونها
    لأنهم ببساطه لم يستطيعوا إدراك أين تكمن سعادتهم واكتفوا بتحقيق لحظات بسيطه من الفرحه بشيئ معين ظنوا أنه السعاده ثم كلما أرادوا أن يشعروا بها أعادوا نفس التجربه ربما مع سعادة أقل

  7. محمود · فبراير 15, 2015

    علمتنى ولا زلت اتعلم منك يامرشدى الى عالم الفن والالهة والجمال والعودة للطبيعة وللذات شكرا لانك علمتنى ان اعبد الشمس وان ادرك الحكمة الى تسكن الصنم يامن قتلت فى عقلى كل الاله القاية الكورية لتعيدنى لانوتة الطبيعة ولزهد العيش ولكن بتناغم مع الطبيعة والاتير الكونى علمتنى الاعتدال ان نكون بشر لا ان ندعى اننا الهة

    • محمود · فبراير 15, 2015

      الاله القاسى الذكورى

  8. Ali · فبراير 20, 2015

    مقال اكثر من رائع
    يجي ان يكتب بماء الذهب

  9. مصنع بلك · فبراير 26, 2015

    شكر

التعليقات مغلقة.