ماذا يخبرنا راهب قديم عن ذهنية العيش البسيط

*

هذا المقال هو جزء من سلسلة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمة

*

طوني صغبيني

*

في رواية “سيدارتا” لهيرمان هيسه، يقوم أحد التجار الأغنياء بسؤال الراهب الهندي سيدارتا عن المهارات التي يمتلكها ليقرّر ما إذا كان مناسباً ليعمل لديه، ويجيبه الراهب جواباً غريباً، قائلاً: “يمكنني أن أفكّر. يمكنني أن انتظر. ويمكنني أن أصوم”.

طبعاً، لا يمكننا استخدام هذا النوع من الأجوبة في مقابلات العمل اليوم، كما أن المهارات التي تحدّث عنها سيدارتا ليست من التي قد نعتبرها أساسية لحياتنا العصرية، إلا أن الحقيقة هي أن هذه الصفات الثلاث – التفكير، الصبر، والصوم – هي جوهرية لأسلوب العيش ببساطة.

...

بعكس نمط الحياة الاستهلاكي السائد، العيش البسيط يستوجب جهداً واعياً علينا أن نمارسه بشكل دائم في وجه البرمجة الثقافية المستمرّة التي نتعرّض لها في كلّ مكان. لكي يكون بامكاننا التخلّص من رواسب الثقافة السائدة ورسم أسلوب الحياة الذي نريده نحن، هنالك مهارات ذهنية معيّنة لا بدّ من تنميتها والاهتمام بها، وهذه المهارات تم تلخيصها ببراعة في الجملة السابقة لسيدارتا.

 *

القدرة على التفكير في وجه ثقافة التلقين

في الرواية، أظهر سيدارتا قدرته على التفكير عبر القراءة والكتابة وعبر إظهار قدرته على نقد وتحليل ما يقرأ ويكتب. في زمننا هذا، القدرة على التفكير تعني القدرة على النظر مباشرة عبر أكاذيب الثقافة الاستهلاكية السائدة وتبيان الغثّ من السمين منها. التفكير يعني أن ننظر بعين نقدية إلى كل إعلان تلفزيوني وكل تصريح سياسيّ. القدرة على التفكير تعني أيضاً قيامنا باختيار أسلوب حياة ونمط تفكير يناسبنا من دون أن نقلّد بشكل أعمى ما تقوله لنا البرمجة الإعلانيّة أو ما يقوله رجال الدين والسياسيين والمشاهير والمفكّرين الذين يستحوذون بشكل شبه مطلق على فضائنا الحياتي.

القدرة على التفكير مهمة جداً لمن يريد أن يرى الحقيقة من بين غابات الأوهام السائدة في مجتمعاتنا، لكن القدرة على الانتظار تضاهيها أهمّية.

 *

القدرة على الانتظار في وجه ثقافة الاستعجال

حين ننظر إلى الثقافة السائدة يبدو لنا أنها محكومة بقلّة الصبر؛ نريد الحصول على كل شيء الآن وبأسرع وقت ممكن؛ نحن نريد تحقيق ثروات هائلة في شبابنا، ونريد أن نكون في مناصب إدارية في بداية مهنتنا، نريد أن نحصل على سيارة جديدة وهاتف جديد الآن وليس غداً، ونريد أن ننحف بأسبوع وأن ننمّي عضلاتنا بتمارين من عشرة دقائق ونريد أن نتزوج وننجب أطفال ونجوب العالم ونتسلق الهيمالا قبل أن نبلغ ثلاثون عاماً من العمر.

معظم الإعلانات وكتب التنمية الذاتية التي تخاطبنا اليوم تتحدّث عن تلبية رغباتنا بشكل فوري، فتخبرنا كيف نصبح أغنياء في 21 يوم وكيف نحصل على علاقة بثانية واحدة وكيف نحصل على الجسم المثالي بثلاثة أيام.

هذا الهوس بالحصول على كل شيء بأسرع وقت ممكن يدفعنا للاستدانة من البنوك لشراء سيارات جديدة، يدفعنا لتغيير وظائفنا عشر مرات من دون أن نحقّق شيئاً في أيّ منها، يدفعنا للتسرّع بالزواج وإنجاب الاطفال قبل أن نكون مستعدّين للقيام بأي شيء من ذلك. الاستعجال يدفعنا لشراء كل ما نراه في الواجهة من ملابس وهواتف جديدة في أوّل الشهر لنعيش بإفلاس مطبق حتى الراتب المقبل. وهو يدفعنا أيضاً لقبول كل ما يقوله لنا رجال الدين والسياسة والتسويق لأنه ليس لدينا وقت كافٍ لنفكّر ونقيّم الأمور التي يتحدّثون عنها.

انعدام الصبر يعني أن معظم أعضاء المجتمع الاستهلاكي لا يعرفون عيش حياتهم بهدوء أو كبح رغبتهم الاستهلاكية، والنتيجة هي أننا أصبحنا أسرى رغباتنا وقراراتنا المتسرّعة. القليل من الصبر يمكن أن يجنّبنا الكثير من القرارات الخاطئة في الحياة. القليل من الانتظار فقط يمكن أن يظهر لنا جانب آخر لم ننتبه له سابقاً للمسألة التي نحن بصددها.

الرغبة، كما يعلم كل راهب وكلّ عالم نفس، هي مجرّد شعور عابر والقليل من الانتظار هو الفارق في الكثير من الأحيان بين الانصياع لها وبين تأجيلها وتجنّب النتائج السلبية التي قد تترتّب عنها. وهذا ما يأخذنا إلى المهارة الثالثة التي تحدّث عنها سيدارتا وهي الصوم.

*

القدرة على الصوم في وجه ثقافة الاستهلاك الشره

حين تحدّث الراهب سيدارتا في الرواية عن الصوم كان يقصد به الصوم عن الطعام، وحين طلب منه التاجر أن يشرح أسباب أهمّية هذه المهارة، أجابه: “إن لم يكن للرجل شيء يأكله، الصوم هو أذكى الأمور التي يمكن له القيام بها. إن لم يكن تعلّم مثلاً كيف يصوم، سيكون مجبراً على البحث عن عمل ما بسرعة، سواء معك أو في مكان آخر، حيث سيبدأ الجوع بتوجيهه. لكن مع هذه القدرة، سيدارتا يمكنه أن ينتظر بصمت. فهو صبور، وليس أسير الحاجة، ويمكنه طرد الجوع لوقت طويل، ومن ثم الضحك عليه”.

إن اعتبرنا أن حديث سيدارتا ليس فقط عن الطعام بل يشمل الصوم عن رغبة استهلاكية معينة سيتضّح لنا حينها أهمية هذه المهارة للحياة البسيطة. شخصياً مثلاً، أستطيع العيش من دون تلفاز بشكل شبه دائم، ومن دون هاتف ذكي بشكل دائم، ومن دون سيارة خاصة معظم الوقت، ومن دون سكاكر ووجبات سريعة – وكلّ هذه الأمور البسيطة تساعدني لا على التحرّر من البرمجة الاستهلاكية المفروضة علينا فحسب، بل على عيش حياة صحية ومُرضِيَة في الوقت نفسه.

اجتماع هذه المهارات الثلاث في شخص واحد تعني أن هذا الشخص لديه القدرة على التحرّر من الرغبات التي تخلقها الماكينة الرأسمالية فينا. التحرّر من تلك الرغبات يعني أنه لدينا الفرصة لاكتشاف أنفسنا من دون تشويش، أنه لدينا الفرصة لرسم حياتنا كما نريدها نحن واكتشاف رغباتنا الحقيقية والتعرّف على الأمور التي تجلب لنا السعادة حقاً من دون أن نكون أسرى البرمجة الاجتماعية المسبقة التي تعطينا سعادة آنية على حساب تعاسة طويلة الأمد.

التفكير، الانتظار، والصوم، مهارات أساسيّة علينا بتنميتها منذ اليوم.

4 comments

  1. حسين رمّال · فبراير 10, 2015

    صباح الخير طوني ويعطيك ألف عافية
    رح حاول ما طوّل كثير، بس عندي كم خبرية حابب شاركك إياهم
    أول شي أعجبتني هذه القواعد الثلاث : التفكير، الصبر، والصوم… نحو العيش البسيط
    على صعيد الصوم، اسمح لي أن أحاول التأكيد على أهمية المحافظة على الصحة، على الجسم السليم، لأنه بإعتقادي من أجل الهروب ن السيستم وتطبيق القواعد الجوهرية التي تكلمت عنها في فلسفة سيدارتا (التفكير، الصبر، والصوم) علينا المحافظة على صحتنا، لأننا إذا حافظنا على صحتنا، وصحتنا فقط أعتقد حينها نستطيع القيام بكل شيء وأي شيء من دون أية عقبة … كأني أريد أن أقول ما معناه في لغتنا العامية ” يخليك بصحتك” و”وأهم شي الصحة”. من هذا المنطلق أعتقد أن للغذاء دور مهم جداً وللرياضة أيضاً.
    وفي هذا السياق، وللعمل على مواجهة ضخامة التسويق الإستهلاكي للمنتجات الغذائية، أعتقد أنه يتوجد على الفرد دراسة بسيطة جداً للبيولوجيا وكيفية عمل الجهاز الهضمي لكي يعرف الواحد منا أنه إذا إحتسى (حلوة إحتسى بتذكرني ب هاني “ضحكة”) كوباً من القهوة من ماركة معينة وبسعر معين لن يضيف ذلك أي شي على المستوى الغذائي لو تناول كوباً آخر من نوع آخر وبسعر أقل. والقهوة مثال بسيط على قائمة طويلة من المنتجات الضرورية وغير الضرورية للجسم وخاصة تلك التي نُدخلها إلى أجسامنا ويقوم جهازنا الهضمي بإخراجها في المرحاض من دون أي فائدة تذكر هذا من دون التعرّض إلى إمكانية الضرر التي قد تنتج عن كثير من المنتجات الغذائية .
    والموضوع يتشعب جداً في هذا الإطار ليصل لكافة المنتجات، أحياناً أقف مطولاً أفكّر قبل أن أقوم بشراء بعض الأغراض المنزلية على كافة أنواعها، ولا أقوم بهذا الأمر من باب الإقتصاد فقط ولكن مثلاُ تشّد إنتباهك الألوان والعروضات عند كل زاوية، على سبيل المثال أحب ابنتي واحاول أن أؤمن لها كل الأشياء المفيدة لصحتها ونفسيتها فعندما أجد الأطعمة المعلبة للأولاد ولا سيما تلك التي يكتبون على غلافها أنها تقوّي العظام أو تلك التي فيها مكونات تفيد الذاكرة وما شاكل، أقرأ تلك المعلومات وأتذكر أمي وماذا كانت تطعمنا (من الحقل وطعام المنزل) فأجدني بخير جداً… فأرحل بسرعة. أعتقد أنك ستقوم بمعالجة هذا الموضوع لاحقاً في هذه السلسلة.

    أخيراً، ولناحية مقابلات العمل: يسألونك عن نقاط قوتك ونقاط ضعفك، وهنا أعتقد أن عندنا نحن البشر نقطة مشتركة يمكنها أن تكون في ذات الوقت نقطة قوة أو نقط ضعف ألا وهي: طبيعتنا والصراع الداخلي في ذواتنا، بمعنى آخر من جهة تكون عندنا ميزات خاصة جداً كي يتميّز كل واحد منا عن الآخر ولكن في ذات الوقت يحاول المجتمع أن يدفعك نحو التمثّل بالآخر حتى نصبح في الآخير مجرد رقم أن كان على صعيد الغذاء أو الملبس أو المهنة أو التصرف وكل ما رافق ذلك. هذا الصراع أعتقد أنه يتخلص في ذات الفرد بين ما هو عليه وما يريد أن يكونه من جهة وبين الفرد ونا هو عليه وما يريدون أن يكون عليه هم وتكمن قوته وضعفه هنا إذا ما استطاع أن يحافظ على ما هو عليه (بضحكته، بطييته، بصدقه وبالقيام بما يحب) وعلى كل فرد أن يكون فخور بنفسه أنه قاوم مؤسسات متعجرفة لم تستطيع أن تنال من ذاته وكونه الخاص.

    طولت كثير وشطحت (ضحكة)
    تحياتي جداً صديقي… نلتقي

    • Adon · فبراير 10, 2015

      العزيز حسّون، بحب قديش بتضيف تعليقاتك ثراء للمحتوى هون. وبعدنا مشتاقين صديقي وبدنا نعمل قعدة مع البنوت لمن نزور لبنان هالمرة : )

  2. تنبيه: سلسلة جديدة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمات | نينار
  3. مشروع مصنع بلك · فبراير 26, 2015

    شكر

التعليقات مغلقة.