تأسيس الاستقلالية الحياتية عن المنظومة: مهارات عمليّة لا بد منها

هذا المقال هو جزء من سلسلة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمة

*

طوني صغبيني

*

نحن نعيش في مجتمع مبني بشكل متزايد على الابتعاد عن العالم الحقيقي وعلى تقليص تفاعلنا المباشر معه إلى أدنى الدرجات. نحن نستعمل أيادينا أقل لمصافحة الناس والعمل ونستخدمها أكثر للنقر على زرّ وتحريك أيقونة على شاشة. نستعمل عيوننا أقلّ للنظر إلى بعضنا البعض فيما نستعملها أكثر لنحدّق بالشاشات. علاقتنا مع العالم تصبح تجريدية أكثر يوماً بعد يوم، فيما تشهد حياتنا اليومية تزايد عدد الوسطاء (كالشاشات والتطبيقات والخبراء) الذين يحولون بيننا وبين العالم الحقيقي. في ظلّ كلّ هذه المسافة التي تفصلنا عن الحياة، مهاراتنا اليدوية تكاد تكون معدومة؛ نحن نأكل طعاماً لم نزرعه ولم نطبخه، ونستخدم آلات لا نعرف كيف نصلحها، ونتنقّل في سيارات لم نعد نعرف كيف تعمل، ونعيش في منازل لا نعرف كيفية بنائها وصيانتها، وبالكاد يمكننا صعود درج من دون اللهاث تعباً أو خوض حديث من دون الالتفات الى شاشة الهاتف. مع الوقت، المهارة الوحيدة التي نحافظ عليها هي التفاعل البارد مع الشاشة.

مجموعة من الناس تجرّب نظّارات غوغل غلاس التي تحوي شاشة صغيرة داخلها.

مجموعة من الناس تجرّب نظّارات غوغل غلاس التي تحوي شاشة صغيرة داخلها.

 

مجموعة من الناس تختبر نظّارة أوكولوس ريفت المصمّمة للألعاب وتطبيقات أخرى

مجموعة من الناس تختبر نظّارة أوكولوس ريفت المصمّمة للألعاب وتطبيقات أخرى

نحن نصرّ على التفاعل مع العالم عبر وسيط، سواء كان هذا الوسيط كتاباً أو شاشة أو شخص آخر، رغم أن هذا الوسيط لا يتيح لنا معرفة العالم كما هو بل يعّرفنا فقط على فلسفة ونظرة صانعه. الكتاب لا ينقل لك العالم كما هو، بل يقدّم لك نظرة مؤلفه للعالم، والشاشة أيضاً لا تنقل لك العالم كما هو، بل تنقل لك رؤية السلطة والعمامة والشركة التي تقف خلف الشاشة.

النتيجة هي أن المهارات اليدوية أصبحت أمر غريب عنّا وعن يومياتنا رغم أن أيادينا هي من أروع ما تقدّمه لنا أجسادنا كبشر.

 نحن من المخلوقات النادرة في الطبيعة التي تمتلك ابهام متعاكس ، وبنية يدينا هذه هي التي تتيح لنا بناء الأدوات والتفاعل مع العالم بطريقة فريدة تختلف عن جميع المخلوقات الأخرى. أيادينا هي التي جعلت علاقتنا مع كل شيء في العالم علاقة مميزة وجميلة؛ فنحن نستطيع احتضان خدّ أحبائنا ونحت الحجر وعزف آلة وتطويع الحديد وتشكيل الخشب وإمساك السيف وزرع الأرض وتلوين الأفق بأجمل اللوحات بأيادينا. كل ما نستطيع فعله تقريباً نفعله عبر أيادينا – هي وسيلتنا لتحسّس العالم كما هو وهي أداتنا للاتصال المباشر معه. حين نلمس العالم، نتبادل معه الكثير من الحقائق والأحاسيس التي لا يمكن لشاشة أن تعرّفنا عليها.

تقلّص مهاراتنا اليدوية له ثمن حياتي كبير على استقلاليتنا ومناعتنا الذاتية في زمن الأزمات. كلّما كانت لدينا مهارات أقل واعتماد أكبر على المتخصّصين والخبراء، كلما تخلّينا عن جزء من استقلاليتنا وقوّتنا وأعطيناه للخبير. نحن إذاً نأخذ السلطة من أنفسنا ونعطيها بشكل متزايد للخبراء. هؤلاء الخبراء لا يتمثّلون فقط بالتقني الذي يصلح التلفاز، فسلسلة الخبراء تبدأ به وتنتهي بـ”الخبراء” الدينيين والسياسيين وصولاً إلى مدير الشركة ورئيس الدولة ومفتي الجمهورية الذين يوكّلهم المجتمع عادة مهمة اتخاذ القرارات الاقتصادية والسياسية نيابة عنهم. اعتمادنا المتزايد على الخبراء والوسطاء لتنظيم وتحديد علاقتنا مع كلّ شيء حولنا تعني أننا نتحوّل مع الوقت إلى غالبية عاجزة تتحكم بها أقلية تمتلك الخبرة والموارد. اعتمادنا المتزايد على الخبراء يحوّلنا شيئاً فشيئاً إلى كائنات كئيبة أحادية البعد لا استقلالية لها على الاطلاق عن المنظومة السائدة.

إحدى الأهداف الأساسية لأسلوب الحياة البسيطة هي تنمية الاستقلالية الذاتية وتعلّم الاعتماد على الذات عبر القيام بأكبر عدد ممكن من الأمور بشكل شخصي، أو بمساعدة أشخاص مقرّبين لنا، من دون الاعتماد على الوسائط التكنولوجية وخبراء المنظومة. تحديد المهارات اليدوية الضرورية للحياة البسيطة قد يختلف من شخص لآخر وهذا طبيعي لأنه هنالك مهارات يدوية متنوّعة بتنوّع الأمور التي نقوم بها في الحياة. بعض المفكّرين الذين يكتبون حول البساطة يصل بهم الأمر إلى حدّ وضع القدرة على تحميص القهوة وصنعها منزلياً ضمن لائحة المهارات الضرورية للعيش البسيط، والبعض لا يؤمن سوى بجدوى بضعة مهارات فقط. شخصياً، أرى أنه هنالك خمس مهارات ضرورية للعيش البسيط وللحياة الصحية بشكل عام، وهي:

  • مهارة تحضير طعامنا بأنفسنا: هذه أهم مهارة يمكن لشخص أن يكتسبها لأنها تعفيه من الاعتماد على الآخرين لتحضير الطعام له، كما أنها تعطينا فرصة تناول طعام صحّي أكثر كما توفّر الكثير من المال الذي نصرفه عادة على الوجبات الجاهزة. الحياة البسيطة تبدأ من هذه المهارة تحديداً؛ من قدرتنا على أن نطعم أنفسنا بأنفسنا.
  • مهارة إصلاح الآلات والأدوات: هذه المهارة مهمة في زمن نعتمد فيه على الآلات والأدوات للقيام بكل شيء تقريباً. هنالك بطبيعة الحال بعض الآلات التي تحتاج لاختصاصي لصيانتها لكن اعتقد أنه يمكن تعلّم إصلاح معظم الآلات والأدوات الشخصية والمنزلية الرئيسية بأنفسنا. هذا يشمل الأمور المنزلية كصيانة الأبواب والأثاث والأنابيب والحنفيات والحمام وما شابه، كما يشمل الآلات المنزلية الآلية البسيطة كالغسالة والتلفاز والبراد، والتكنولوجيا الشخصية مثل الحاسوب والهاتف. هذه المهارة يمكن أيضاً اكتسابها لإصلاح السيارة الخاصة (للأسف بعض السيارات الحديثة مصمّمة بطريقة تجعل من المستحيل إصلاحها في أي مكان باستثناء الشركة الأساسية).
  • اللياقة البدنية وأساليب الدفاع عن النفس: الاعتماد الذاتي يعني أنه يجب أن تكون لدينا اللياقة البدنية الكافية للقيام بكلّ ما نتحدّث عنه هنا مثل الاصلاحات المنزليّة، زراعة بعض الخضار، أو نقل قطعة من الأثاث إلى مكان آخر. اللياقة البدنية الجيدة لها فوائد صحّية ونفسية أكثر من أن تحصى وتساعدنا كثيراً في تجنّب العديد من العوارض الصحيّة التي تنتشر في مجتمعاتنا الخاملة مثل الكوليستيرول، التريغليسيريد، أمراض القلب، انسداد الشرايين، الاكتئاب…ألخ. إلى ذلك، هنالك ضرورة لتعلّم أساليب الدفاع عن النفس، لأنها ستساعدنا على الدفاع عن أنفسنا وعن أحبابنا في زمن لا نعرف فيه ما الذي ينتظرنا عند المنعطف التالي في الشارع، ولأنها تطوّرنا نفسياً وذهنياً وتجعلنا أكثر استقلالية وانتباهاً وأكثر استعداداً لمواجهة التحديات التي ترميها الحياة علينا.
  • البستنة وزراعة الخضراوات: قد يبدو للعديد من القرّاء أنه لا يوجد نفع على الاطلاق لهذه المهارة في ظلّ توافر الطعام في كل المحال والمراكز التجارية من حولنا، لكنها أهم الأساسات لحياة بسيطة لأنها تعطينا القدرة على تحقيق الاستقلالية في أهم مجال حياتي على الإطلاق: إنتاج قسم من غذائنا بأنفسنا. الانتاج الصناعي للغذاء غير صحّي وغير مستدام ويتداعى عادة عند أوّل أزمة سياسية أو اقتصادية كما حصل في دول عديدة حول العالم منها كوريا الشمالية (التي مات الملايين منها في مجاعة) وكوبا (التي حوّلت اقتصادها الزراعي إلى زراعة محلية ومنزلية ونجت من الأزمة)، ومؤخراً سوريا التي تم تجويع العديد من مدنها وأحيائها بعد محاصرتها من قبل الأطراف المتقاتلة. القدرة على زراعة القليل من الغذاء تضمن الحد الأدنى من المناعة والاستقلالية الغذائية تجاه التقلبات السياسية والاقتصادية، كما أنها تساعدنا على بناء علاقة لا يمكن تعويضها مع التراب والأرض. حتى ولو كنّا في قلب المدينة، يمكننا الحصول على بضعة أحواض من التراب وتعلّم كيفية زراعة الخضراوات البسيطة كالبصل والبقدونس والبندورة والزعتر والنعناع وما شابه. الموضوع أسهل إذا كنا نمتلك قطعة صغيرة من الأرض قرب المنزل – حتى ولو لا تتعدى مساحتها مساحة غرفة واحدة – إذ من الأفضل زراعتها بدل استعمالها كحديقة تزينيّة. ستتفاجأون كم يمكن لمساحة صغيرة من التراب أن تنتج من الغذاء.
  • المهارة اليدوية الحياتية: إضافة إلى المهارات السابقة، كل شخص يحتاج لمهارة يدوية تعبّر عنه ويشعر بصلة حميمة واستثنائية معها. هذه المهارة قد تكون شيئاً يمكن تحويله فيما بعد إلى مصدر ثانوي للدخل كالنجارة أو الإبحار أو تصليح كهرباء السيارة، كما يمكن أن تكون مجرّد مهارة فنية كالموسيقى وما شابه. شخصياً المهارة الإضافية التي أركّز عليها هي النجارة والعمل على الخشب لبناء قطع من الأثاث وما شابه ولقد صنعت حتى الآن بضعة قطع أثاث منها مضحك وقبيح ومنها عمليّ وجميل. اكتساب مهارات من هذا النوع هو أمر لا يتعلق فقط بالاستقلالية الذاتية بل بالتعبير عن الذات وبناء علاقة مع شيء يسعدنا حقاً في عالم يفرض علينا باستمرار نسخته الباردة والفارغة عن السعادة.

إن كنا نريد بناء علاقة حقيقية مع العالم الذي نعيش فيه علينا أن نقتل الوسيط الذي يحول بيننا وبينه، وأن نتعلّم استخدام أيادينا للتفاعل معه بشكل مباشر. سيكون يوماً جميلاً حين نخرج أيادينا من جيوبنا ونسحب اصابعنا من على الشاشات ونحمل بها حفنة من التراب، العالم ينتظرنا لنلمسه.

12 comments

  1. تنبيه: سلسلة جديدة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمات | نينار
  2. majdi · فبراير 20, 2015

    يعني المقالة جداً واقعية.. أنا من الأشخاص اللي بيعملوا في مجال ال Online marketing و أمضي أكثر من 75% من وقتي قدام الشاشة.. واقعنا أصبح مؤسف و حتى عندما أعود إلى المنزل أمضي المزيد من الوقت و أنا أعمل أو أقرأ و أتصفح الإنترنت.. الموضوع كتير مزعج صراحة و مؤسف أنه البشرية تبتعد عن ما هو طبيعي.. نحن متوجهين إلى أبعد ما ممكن أن تققه التكنولوجيا، هي مفيدة لكن الأثر الرجعي ظاهر من اليوم، نحن أصبحنا أقل قدرة على التواصل مع بعضنا البعض، نعتمد على مواقع التواصل الاجتماعي أكثر من ممارسة حياتنا الاجتماعية التي هي الشيء اللي يميزنا عن غيرنا من الحيوانات .. واقع

    • Adon · فبراير 20, 2015

      صدقت مجدي، شكراً على إعادة تدوين الموضوع صديقي

  3. majdi · فبراير 20, 2015

    قام بإعادة تدوين هذه على Majdi Habash وأضاف التعليق:
    عني المقالة جداً واقعية.. أنا من الأشخاص اللي بيعملوا في مجال ال Online marketing و أمضي أكثر من 75% من وقتي قدام الشاشة.. واقعنا أصبح مؤسف و حتى عندما أعود إلى المنزل أمضي المزيد من الوقت و أنا أعمل أو أقرأ و أتصفح الإنترنت.. الموضوع كتير مزعج صراحة و مؤسف أنه البشرية تبتعد عن ما هو طبيعي.. نحن متوجهين إلى أبعد ما ممكن أن تققه التكنولوجيا، هي مفيدة لكن الأثر الرجعي ظاهر من اليوم، نحن أصبحنا أقل قدرة على التواصل مع بعضنا البعض، نعتمد على مواقع التواصل الاجتماعي أكثر من ممارسة حياتنا الاجتماعية التي هي الشيء اللي يميزنا عن غيرنا من الحيوانات .. واقع

  4. طريف (@TareafQ) · فبراير 20, 2015

    مقال متميز كالعادة صديقي الجميل، بعض الأشياء أستغربها أحيانا، مثل “مهارة تحضير طعامنا بأنفسنا” التي أحسبها شيء طبيعي ويتشارك به أغلبية الناس، إلى أن أخرج من مجتمعي المحلي وأنظر بشكل أكثر شمولية، لأرى كيف أن هذه المهارة باتت تحتاج فعلا إلى من يذكرها!
    البارحة تخبرني زوجتي ونحن ننظف منزلنا، أنه ربما لم يتبق من الشعوب سوى الشعب السوري الذي يتولى قدرا كبيرا من المهام المنزلية بنفسه وبيديه، هذه أشياء بدهية هنا، لكن لابد من إعادة لفت النظر إليها بالنسبة للكثيرين..

    بخصوص إصلاح الأشياء بأنفسنا، إليك هذا الموقع، أكثر من رائع https://www.ifixit.com

    ماذا هناك أيضًا؟
    قدر كبير من المحبة والتحية🙂

    • Adon · فبراير 21, 2015

      شكراً كتير على الرابط المهم طريف، رح يكون مفيد جداً لإلي.
      وبالفعل انا بتفاجأ كمان بغياب بعض المهارات البديهية متل تحضير الطعام وتنظيف البيت، بالمدينة اللي ساكن فيها حالياً بالنادر حتى صادف أي شخص بيعمل شغلة من هالتنين.
      كل الود صديقي

  5. Ali · فبراير 21, 2015

    مقال جميل ورائع كما تعودنا عليك
    لاتحرمنا من كتابتك

    • Adon · فبراير 21, 2015

      العفو علي : )

  6. Writer Eman · فبراير 21, 2015

    جميل جداً🙂 شخصياً أجدني لا استطيع التأقلم مع هذه التكنولوجيا التي عطلت وظيفتنا كبشر، و في الوقت الذي أوجد الإنسان هذه الأشياء لتوفر وقته و جهده نرى أنها فعلت ذلك على حساب السلام الداخلي الذي نستمده من خلال العيش البسيط الذي فقدناه في وجود كل هذه الآلات و التكنولوجيا التي وصلت بنا إلى تعطيل عقولنا عن التفكير أحياناً. نعم فبعض التكنولوجيا و الآلات صُممت لتفكر بدلاً عنا. شخصياً أستطيع القول بأنني لازلت أعيش رفاهية التجربة البسيطة التي تتحدث عنها. بورك في قلمك، مقالاتك جميلة جداً و في الصميم.

    • Adon · فبراير 22, 2015

      شكراً على تعليقك اللطيف إيمان
      سلامي

  7. msbeesh · فبراير 22, 2015

    قام بإعادة تدوين هذه على مُتنفْس | ~ وأضاف التعليق:
    هذه التدوينه تُمثّل ٩٠٪ من واقعنا المٌر !
    الهروب من الواقع الحقيقي ..
    وتقلّص مهاراتنا اليدويه ..
    ..أعتقد بأنها “ضريبة التكنولوجيا والتطور”
    لدرجة أنه بات غريباََ من يعيش حياته ببساطه مُساهماََ في رعي الاغنام ومستخدماََ مهاراته اليدويه للعيش بعيداََ عن التكنولوجيا ..

  8. مصنع بلك · فبراير 26, 2015

    شكر

التعليقات مغلقة.