هل هناك وظيفة مثالية؟ معضلة عبودية الأجر والحياة البسيطة

*

هذا المقال هو جزء من سلسلة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمة

*

طوني صغبيني

*

يقال أنه إن أحبّ المرء عمله فهو لن يشعر بأنه يعمل يوماً في حياته. يقال أيضاً أنه إن كان المرء يكره عمله، فكل يوم بالنسبة له هو جحيم حيّ. العمل هو في نهاية المطاف المحور الرئيسي الذي تقوم عليه حياتنا المعاصرة: نحن نقضي فيه معظم ساعات يومنا وغالبية أيام حياتنا ونعطيه معظم طاقتنا وانتباهنا فيما يوفّر لنا الأساس المادي لسدّ احتياجاتنا ويمدّنا بجزء لا يستهان به من علاقاتنا الاجتماعية وهويّتنا الذاتية. ما نقوم به في عملنا إذاً، ليس مجرّد أمر هامشي بل أحد أهم أوجه حياتنا التي يجب أن نحاول التأثير عليها وجعلها تناسب شخصيتنا وميولنا وأهدافنا.

حين نكون على وشك الدخول إلى سوق العمل، نلاحظ أنه هنالك وجهتا نظر سائدتان في المجتمع حول هذا الشأن: الرأي الأول يتمثّل بنصيحة اختيار مهنة تدرّ الكثير من المال وتعطي مكانة اجتماعية مرموقة كطبيب أو مهندس أو ضابط جيش أو محامي (للذكور خصوصاً)، من دون أن يكون لميولنا وتفضيلاتنا الخاصة أي تأثير على هذا القرار. هذا موقف الغالبية الساحقة من الأهل الذين ينتمون للطبقات الفقيرة، حيث تمثّل وظيفة من هذا النوع الفرصة الوحيدة لأولادهم لكي يتجنّبوا تكرار الحياة الصعبة التي عاشها أهلهم.

الرأي الثاني يقول أن المرء يجب أن يختار عمل أو مهنة يحبّها ويمتلك شغف تجاهها ولو لم تكن تدرّ أي مردود مادي، وتركّز النصائح في هذا الاتجاه عادة على المهن الابداعية كالتصوير والتصميم والإخراج والكتابة وما شابه. هذا الرأي سائد في الإعلام وفي كتب التنمية الذاتية وفي بعض أوساط الطبقات الميسورة وخصوصاً أن أبنائها يمتلكون في معظم الأحيان رفاهية اختيار العمل الذي يريدونه من دون أن يقلقوا حول النتائج المالية والمعيشية المترتبة عليه.

...

هنالك وجهة نظر ثالثة لا تحظى بالكثير من الشعبية تدعو للانسحاب من العمل بشكل كامل والاعتماد على نمط حياة بديل لا تشكّل الوظيفة محوراً رئيسياً فيه، لكن وجهة النظر هذه لا تحدّد كثيراً كيفية القيام بهذا الأمر، وسنعود لنتحدّث عنها قليلاً في نهاية المقال.

رغم الاختلاف في وجهات النظر، إيجاد وظيفة نحبّها وتدرّ علينا ما يكفي من المدخول في الوقت نفسه هو بالنسبة للعديد منّا حلم نسعى لتحقيقه. العمل الكادح في مجال نكرهه ليس أفضل طريقة بتاتاً لقضاء حياتنا، خصوصاً أنه لا يوجد في الحياة زرّ إعادة يمكن الضغط عليه واستعادة عمرنا من خلاله. رغم شيوع هذا الحلم، قليلون جداً من بيننا هم من يتمكّنون من تحقيقه. وجود غالبيتنا في أعمال مرهقة وخالية من المعنى ومدمّرة لصحّتنا وعافيتنا وسعادتنا هو أمر لم يحصل صدفة، فالمنظومة السائدة مصمّمة لكي يكون العمل المأجور فيها نوع من أنواع العبودية التي تلغي أي إمكانية ابداعية أو تحرّرية فينا (يمكن مشاهدة الفيديو الخاص حول عبودية الوظيفة هنا). لكن هل هذا يعني أنه لا يوجد أمل للأفراد فيما ينتظرون انتفاض العمّال لتغيير أوضاعهم بشكل جذري؟ ليس بالضرورة؛ هنالك طرق يمكن فيها للأفراد الاحتيال على السيستيم لتحقيق الحدّ الأدنى من الاستقلالية الذاتية في مجال الوظيفة، لكن قبل أن نتحدّث عن ذلك، فلنناقش قليلاً وجهات النظر السائدة حول كيفية التوفيق بين الشغف والعمل.

*

أفضل ما في الأمر: حين يتحوّل الشغف إلى مهنة

من السهل أن نعرف لماذا تدور أحلام الملايين حول الكوكب حول القيام بعمل يحبّوه بدلاً عن العمل المتردّي الذي تزاوله البقيّة كلّ يوم، فلا أحد يولد لتنظيف الطرقات أو تلحيم الدعائم الحديدية تحت الشمس أو تقديم الطعام في المطاعم أو الجلوس وراء مكتب والتحديق في شاشة طوال اليوم. القيام بعمل نحبّه حقاً هو مفتاح السعادة لملايين التعساء الذي يشعرون أنهم يستيقظون كل يوم للذهاب إلى حتفهم. في نهاية المطاف، ما الذي سيكون أفضل لهؤلاء من الاستيقاظ صباحاً للقيام بشيء يحبّوه ويدرّ عليهم مدخول كاف لعيش حياة كريمة في الوقت نفسه؟

شغفنا بشيء ما يجعلنا نستمتع لساعات في أخذ الصور الفوتوغرافية في أبعد جبل في العالم مثلاً من دون أن نشعر بالتعب. الشغف يسهّل علينا الجلوس لأيام طويلة أمام الشاشة لكتابة رواية قصيرة أو للقراءة عن أسلوب ما في الرسم أو الحياكة أو النحت في الخشب. الشغف يساعدنا أيضاً على تطوير مهاراتنا بشكل سريع جداً لأننا نمارس العمل بانتباهنا الكامل ويهمّنا أن نكون بارعين فيه.

كل ذلك يبدو مثالياً، ولعلّه ما يدفع مؤلفي كتب النصائح المهنية والتنمية الذاتية على استعماله كهدف أسمى لكلّ ساعٍ للسعادة – من الصعب أن نرفض عملاً لا يملّلنا ولا يتعبنا ولا يقلقنا ولا يسبّب لنا الاكتئاب. لكن ما لا يخبرنا به أصحاب هذه الدعوات هي أن تحويل الشغف إلى عمل ليس بالضرورة وصفة للسعادة المهنية.

*

أسوأ ما في الأمر: حين يقضي المال على الشغف

تحويل شغفنا إلى عمل أمر غير متوافر وغير ممكن بالنسبة للغالبية الساحقة من الناس، والسبب بسيط: العرض والطلب في سوق العمل هو ما يحكم الوظائف وطبيعتها، لا الرغبات والأحلام الشخصية. معظم الأمور التي يحبّها الناس كالرياضة والموسيقى والفنّ والتصميم والكتابة وما شابه لها سوق عمل محدود جداً ولا يمكن للجميع أن يحصلوا على وظيفة فيها أو يجنوا منها ما يكفي من المال ليحوّلوها إلى عمل دائم.

من ناحية أخرى، تحويل شغفنا إلى عمل ليس بالضرورة أمراً جيداً. حين نتحمّس لتحويل شغفنا إلى مهنة، غالباً ما ننسى أن ربط الشغف بالمال قد يؤدّي في الكثير من الأحيان إلى قتل الشغف. ما يجعل الأشياء التي نحبّها جميلة هو أننا نقوم بها من وقت لآخر في وقتنا الحرّ، على وتيرتنا الخاصة وبتفضيلاتنا الخاصة، والأهم، نحن نقوم بها باختيارنا الحرّ. حين نحوّلها إلى مهنة، فهذا يعني أنه سيكون علينا معظم الوقت أن نضع شغفنا وتفضيلاتنا وميولنا الشخصية جانباً والانصياع لرغبات االتفضيلات لسائدة في سوق العمل والزبون الذي نتعامل معه. المال والزبائن هم من يحدّدون إلى حدّ كبير وتيرة العمل وطبيعته واتجاهه، سواء كنّا نتحدّث عن عمل فنّي أو غيره.

هل يبقى الشغف للتصوير، الكتابة، البستنة أو تصميم الأثاث نفسه حين يصبح واجباً يومياً متعباً يهدف لملاقاة ذوق وأهداف زبون يدفع لنا المال؟ هل سنحافظ على شعور الشغف حين ننهمك في ملاقاة المهل والمواعيد النهائية وطلبات الزبائن والصعوبات التقنية والأعباء المادية لعمل مستقلّ من هذا النوع كل يوم من الأسبوع؟ أو سنقوم عندها بالبحث عن هواية وحبّ آخر للهروب من ضغط العمل واستنشاق بعض الهواء النقي بعيداً عن العبء الجديد الذي خلقناه لأنفسنا؟

هنالك عدد لا يحصى من الناس الذين حاولوا تحويل شغفهم إلى مهنة أو حاولوا تأسيس شركاتهم الصغيرة الخاصة ليكتشفوا فيما بعد أن ذلك يضع على عاتقهم المزيد من الضغوط والتعب بدل العكس. العمل في أمر نكرهه إذاً ليس أمراً جيداً، لكن تحويل شغفنا إلى عمل أو مهنة قد لا يكون بالضرورة الجنّة الموعودة. ما الحلّ إذاً؟

...

*

مثلّث النجاح

هنالك حلّ للمعضلة السابقة تعرّفه بعض الكتب باسم “مثلّث النجاح”، وهو تمرين عمليّ وبسيط يظهر لك المجال المهني المناسب لك ويسمح لك بالتخطيط بهدوء للانتقال إليه بعد بضعة أشهر أو سنوات، خصوصاً إن كنت تعمل في مجال تكرهه وتبحث عن أبواب للخروج منه من دون تعريض مدخولك للخطر.

التمرين التالي يحتاج لنحو 20 دقيقة فقط (أضمن لكم أنها ستكون 20 دقيقة قيّمة لكم) وهو مفيد لمن هم على أبواب سوق العمل وللموظفين الذين قضوا عقود في سوق العمل على السواء.

“مثلّث النجاح” هو المنطقة الناتجة عن تقاطع ثلاث دوائر، كما يظهر الرسم التالي:

...

الدائرة الأولى هي دائرة الشغف: ارسم دائرة واكتب فيها كلّ الأشياء التي تحبّ القيام بها. ليس من الضروري أن تكون تمارسها حالياً وقد تكون أمور تحبّ أن تتعلّمها في المستقبل أو تحبّها بشكل عام من دون أن يكون لديك مهارة حالية فيها.

الدائرة الثانية هي دائرة المهارات: ارسم دائرة أخرى تتقاطع مع الدائرة الأولى واكتب فيها كل المهارات التي اكتسبتها خلال حياتك، سواء اكتسبتها في العمل، الدراسة، من خلال هواياتك، عبر تدريب مهني خاص، أو بمجهودك الشخصي. من المهم أن تكتب فيها كل الأمور التي تبرع فيها أو التي تمتلك فيها كفاءة معيّنة.

الدائرة الثالثة هي دائرة المدخول: اكتب في هذه الدائرة مستوى الدخل الذي تحصل عليه حالياً، وحاول تقدير مستوى الدخل المتوقّع من كل شغف أو مهارة وضعتها في الدائرتين السابقتين. كن واقعياً في تحديد مستوى الدخل المتوقّع ولا تجعل الأرقام أكبر من الممكن؛ بعض المهارات قد لا تؤّمن لك أي دخل على الاطلاق، وعليك أن تضع رقم صفر إلى جانبها. عليك أيضاً أن تحدّد مستوى الدخل الذي تحتاجه لكي تحصل على حياة كريمة ولائقة وتضعه في أسفل الدائرة.

حين تنتهي من تعبئة الدوائر الأساسية الثلاث بالمعلومات المطلوبة، سنبدأ الآن بتعديل ما كتبناه في الدوائر لاكتشاف بعض المناطق. ستلاحظ أن التقاطعات بين الدوائر الرئيسية الثلاث ترسم فيما بينها أربع مناطق منفصلة. المنطقة الأولى هي منطقة التقاطع بين دائرتي الشغف والمهارة (المنطقة رقم 1 في الرسم أعلاه): ضع في هذه المنطقة الأمور التي تحبها وتجيد القيام بها ولكن لا يمكنها تأمين مدخول كافٍ أو أن دخلها في سوق العمل هامشي جداً (الكتابة عادة تدخل ضمن هذا الإطار :D). مهنياً، هذه المنطقة التي تريد الابتعاد عنها؛ لا تريد إعطاء الكثير من الاهتمام لها ونفعها الوحيد أنها ستساعدك على اكتشاف الأمور التي تحبّها والتي لا يمكنك تحويلها إلى مهنة.

 المنطقة الثانية هي منطقة التقاطع بين دائرتي الشغف والمدخول (وهي المنطقة رقم 2 في الرسم أعلاه):  في هذه المنطقة، اكتب الامور التي تحبّها والتي لها امكانية تأمين مدخول جيّد لك في المستقبل لكن ليس لديك فيها حالياً المهارة التقنيّة المطلوبة أو الشهادة أو المعرفة الكافية لممارستها. في هذه المنطقة ستكتشف احتمالات مهنيّة مفيدة للمستقبل يمكنك العمل عليها خلال السنوات المقبلة (وتحديداً على اكتساب المهارة أو المعرفة التقنية المطلوبة فيها).

المنطقة الثالثة هي منطقة التقاطع بين دائرتي المهارة والمدخول (وهي المنطقة رقم 3 في الرسم أعلاه): هنا ستضع الأمور التي تجيد القيام بها، والتي تعطيك ما يكفي من المدخول في الوقت الحالي، لكن التي ليس لديك شغف أو حبّ تجاهها. معظم الناس على الكوكب تعمل في مهن يمكن وضعها في هذه المنطقة ومن الأرجح أن يكون عملك الحالي من ضمنها.

المنطقة الرابعة وهي الأهم تقع في قلب تقاطع الدوائر الثلاث واسمها في الرسم مثلث النجاح. داخل هذه المنطقة، ضع الأمور التي تحبّها وتجيد القيام بها ويمكنها تأمين مدخول كافٍ لك في الوقت نفسه. الغالبية الساحقة من الناس ليس لديها أي كلمة لتضعها في هذا المثلّث، وإذا كانت هذه حالتك أيتها القارئة والقارىء العزيز فلا تقلقوا! هذا أمر طبيعي جداً لأنه لو كان لديك ما تضعه في هذه المنطقة لكان ذلك مجال عملك وما كنت لتقرأ هذا المقال من الأساس.

إن كانت هذه المنطقة فارغة حين تصل إلى نهاية هذا التمرين، انظر إلى ما وضعته في المناطق الثلاث السابقة، وخصوصاً منطقة التقاطع بين الشغف والمدخول (المنطقة رقم 2)، وادرس الخطوات التي تحتاج للقيام بها في حياتك لنقل أمر ما من هذه المنطقة إلى مثلّث النجاح.

الشغف الأكبر لمعظم الناس سيكون في الواقع خارج “مثلّث النجاح” لأنه على الأرجح من أنواع الشغف التي لا تؤمّن مدخولاً كافياً في سوق العمل الحالي أو لأنها من الأمور التي تحتاج لوقت طويل جداً لتطوير مهارتنا فيها. المفتاح إذاً ليس تحويل الشغف الأكبر إلى عمل لأن ذلك أمر نادر وصعب جداً. الحلّ هو ببساطة أن تحاول أن تقوم بعمل تحبّه بالحدّ الأدنى، لديك مهارة جيّدة فيه، وقادر في الوقت نفسه على تأمين مدخول كافٍ لك.

مجدداً، ليس من الضروري أن يكون هذا العمل هو شغفك الأكبر، وليس من الضروري أن يحقّق لك المدخول الأكبر، وقد قد لا تجيده بشكل كبير في البداية، الكلمة المفتاح هنا هي التوازن: التوازن بين الشغف والمهارة والمدخول هو الخيار المهني الأكثر واقعية في هذه الأيام. هذا الخيار سيتيح لك تحمّل سنوات من العمل من دون أن تتمنّى خنق مديرك كل يوم، كما أنه يسمح لك بإبقاء شغفك والأمور التي تحبّها بعيدة عن ضغوط العمل ومساوئه.

*

الهروب النهائي من العمل: هل هو ممكن؟

هنالك العديد من الناس ومنهم كاتب هذه السطور لا يحتملون أية وظيفة، مهما كانت مريحة ومهما كانوا يحبّونها. فكرة الاستيقاظ صباحاً للذهاب إلى مكان ما رغماً عن إرادتك والقيام بأمور لا تعني لك كثيراً وحدّدها لك أشخاص آخرون، هي أسوأ الأفكار التي خرجت بها الرأسمالية يوماً. الوظيفة هي قيد لا يناسب كثيراً الناس الذين تشكّل استقلاليتهم الذاتية ومشاريعهم الخاصة شغفهم الرئيسي في الحياة. على الصعيد الشخصي مثلاً، هدفي النهائي هو أن أصل إلى مرحلة اتخلّص فيها كلياً من الوظيفة؛ مرحلة استطيع فيها الاستيقاظ صباحاً وتحديد ما الذي أريد أن أفعله في ذلك اليوم بقراري الخاص من دون أن يملي عليّ أحد أين يجب أن أكون أو ما الذي يجب أن أقوم به أو ماذا الذي يجب أن اكتب خلاله. أريد أن أكون حرّاً من قيد عبودية الأجر، لا لأنني كسول ولا أحبّ العمل، لكن لأنني أريد أن أعمل على الأمور التي أريدها أنا لا التي يحدّدها لي ربّ عمل لا يهدف سوى لجمع الثروات من عملي.

لكن الحرية لها ثمن، وثمنها في زماننا الحالي باهظ جداً. هل نستطيع شراء حريتنا من العمل كما كان يشتري العبيد حريتهم في العصور القديمة؟ هل يمكن عيش حياة من دون وظيفة من دون أن يكون لدينا ملايين الدولارات في البنك؟ شخصياً اعتقد أن ذلك ممكن إلى حدّ ما لكنّه ليس بالأمر السهل. السرّ؟ السرّ هو البناء التدريجي والمستمرّ للمناعة المالية والمهارات الشخصية المناسبة للانفكاك عن السيستيم، وتعزيز أسلوب العيش البسيط بشكل يتيح لنا على المدى البعيد مرونة حياتيّة ومهنيّة لا يمتلكها أي موظّف آخر في العالم. فلنتحدّث عن ذلك قليلاً.

الجانب الأوّل هو بناء المناعة المالية ونقصد به بناء احتياط مالي من خلال الادّخار يتيح للشخص إعالة نفسه بنفسه في حال خسر وظيفته أو في حال أراد تغيير مهنته. على سبيل المثال، ادّخار 30 % من مدخولنا يعني أنه سيكون بمقدورنا بعد عشر سنوات إعالة أنفسنا لأربع سنوات كاملة من دون وظيفة ومن دون مدخول (تفاصيل الحساب هنا[1]). مذهل أليس كذلك؟ هذا ولم نذكر بعد الأساليب التي يمكننا من خلالها استخدام المال لتحقيق مدخول إضافي، ما يعني أن المدّخرات المذكورة قد تكون كافية لسنوات أطول بما قد يتيح التخلّص من الوظيفة نهائياً وتحقيق الاستقلالية المالية الجزئية أو الكاملة (المتمثلة بالقدرة على تحقيق مدخول من دون وظيفة أو رب عمل). في أقل الأحوال، الادخار لسنوات قليلة يمكن أن يساعدنا على الاستقالة من عمل نكرهه وربّما التدرّب في مهنة أخرى أو العودة إلى الجامعة لبضعة سنوات.

الجانب الثاني من خطّة الهروب من عبودية الأجر يتمثّل ببناء المهارات الشخصية التي تفتح لنا أبواب مهنيّة جديدة قد تتيح لنا فيما بعد الحصول على عمل أفضل أو الوصول إلى عمل نحبّه يتناسب مع شخصيتنا وطموحنا، أو حتى إنشاء عمل جديد بالكامل. الإحصاءات تشير إلى أن أبناء جيلنا يقضون ما معدّله 15 ساعة على الأقل في الأسبوع في تصفّح الانترنت؛ نصف هذا الوقت فقط كافٍ لاكتساب مهارة جديدة كل عام أو تعزيز مهارة نملكها لدرجة احترافية.

هنالك أصدقاء كثر أعرفهم شخصياً غيّروا مهنهم بهذه الطريقة؛ هنالك صديقة مثلاً كانت تعمل في مجال المحاسبة وتعلّمت التصوير لثلاث سنوات إلى جانب عملها قبل أن تنجح فيما بعد بالانتقال إلى هذا المجال الجديد بدوام كامل. زميلي في العمل تخرّج من كلّية الحقوق وبدأ بالتدرج كمحامٍ قبل أن يدرك أنه يكره هذا المجال – فعلّم نفسه البرمجة ومهارات تحسين تجربة المستخدم UX حتى أصبح اليوم أحد مدراء المشاريع في شركة كبرى في هذا المجال. هنالك قريب لي بدأ بالعمل على صندوق الدفع في مركز تسوّق تجاري، وبعد بضعة سنوات أصبح مديراً للمركز الذي بدأ فيه بأدنى وظيفة. شخصياً، قمت بالعمل على تحسين لغتي الانكليزية عندما كنت أعمل كمحرّر باللغة العربية حتى أصبحت قادراً فيما بعد على الكتابة والتحرير بهذه اللغة بشكل سهل جداً ما اتاح لي العمل في مجّلات إنكليزية وشركات لا تستعمل سوى هذه اللغة. هنالك الكثير من الأمثلة في هذا المجال – عليك فقط أن تجد الأمر الذي تحبّه وأن تعمل عليه خطوة خطوة.

الجانب الثالث من هذه العمليّة هو تعزيز أسلوب العيش البسيط الذي يعني أن القيود الاستهلاكية المنتشرة في المجتمع لا تقيّد حركتك بعد اليوم، ولا تجبرك على العمل لساعات إضافية في عمل تكرهه لشراء سيارة رياضية سريعة أو أحدث هاتف ذكي. الاستقلالية عن هذه الرغبات الاستهلاكية السائدة تتيح لك الكثير من الحرية والمرونة فيما يتعلق بعملك ومستقبلك بما يتيح لك تغيير وجهتك المهنية في أي وقت تقريباً لأنك خفيف وحرّ وغير مقيّد بالممتلكات المادية من حولك.

اجتماع هذه الجوانب الثلاث: الاحتياط المالي، المهارات المهنية التي تتيح لك تحقيق مدخول بنفسك، وأسلوب الحياة البسيطة، يمكن أن يساعدك على التخلّص من الوظيفة التي تكرهها على المدى البعيد، أو يساهم على الأقل بفتح مجالات جديدة أمامك لم تعتقد بوجودها قبلاً. سنتحدّث عن كلّ هذه الأمور بالتفصيل في الفصول المقبلة.

_________________

هامش:

[1]  إن كان المدخول 1000 دولار مثلاً، والادخار هو 300 دولار، هذا يعني أن الشخص المذكور سيستطيع خلال عشر سنوات ادخار مبلغ 36 ألف دولار، أو ما يعادل 51 شهراً من المصاريف (التي هي 700 دولار بالشهر).

7 comments

  1. تنبيه: سلسلة جديدة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمات | نينار
  2. محمود عبيدالله · مارس 1, 2015

    تحياتي ،
    أدرك أن ما أدرج هنا تصور ، والدقة ليست مطلوبة ، وبخصوص موضوع الادخار ، لم يؤخذ بالحسبان عوامل التضخم ، والقيمة الزمنية للنقود ، وهذه الفكرة تحديدا تشغل البال ، فمهما كان معدل التضخم مرتفعا لن تتواتى نسبة المرتبات معها ، وسيبقى الراتب أقل من ما يحقق الاكتفاء بشكل مريح ، وأيضا ما يتم ادخاره وجمعة خلال العشر سنوات ، سيقابله تضخم وارتفاع أسعار ، بمعنى أن من يدخر 300 دولار في الشهر من الآن ، على اعتبار انه بعد عشر سنوات سيجمع 36000 دولار ، لن تكون بعد 10 سنوات كافية او وقس ذلك على أسعار العقارات مثلا ، وفوضاها ، فأن كنت راغبا مثلا في شراء مزرعة قيمتها الحالية 36000 دولار ، فبعد عشر سنوات سيتضاعف ثمنها الى 10 أضعاف ان لم يكن أكثر ، هذا بالاضافة الى ان معدل المصروف سيرتفع حتما وفق ارتفاع الاسعار وسيغدو ادخار 30% امرا مرهقا ، لستُ هنا في سبيل وضع احباطات ، في أحيان كثرة نظرة سطحية على الواقع تدفع للخوف وربما الياس .
    تحياتي مرة أخرى واعتذر عن الاطالة

    • Adon · مارس 1, 2015

      سأتناول هذا الموضوع بتفصيل أكبر في مقالات لاحقة، لكن كجواب سريع، صحيح هنالك نسبة تضخم سنوية لكن لا تنسى أننا لم نحتسب أي استخدام للمال بما يتيح نموّه خلال عشر سنوات، لأنه حتى لو تم وضع المال بحساب بنكي بسيط فقط يمكن للفائدة أن تكون مساوية أو أعلى من نسبة التضخم السنوية، ونموّ المال سيكون أعلى إجمالاً بسبب الفائدة المركبة compound interest التي تسمح بنمو أكبر عام بعد عام.
      كذلك لم نحتسب أي زيادة في الراتب أو أي إضافات أخرى يمكن أن تزيد من حجم الادخار (كإنهاء قرض مثلاً).
      حتى ولو افترضنا أن قيمة الأموال خلال عشر سنوات أصبحت النصف (وهذا مستبعد)، فهي ستبقى أعلى من قيمة أي شيء استهلاكي آخر نشتريه (قيمة السيارة الحديثة مثلاً بعد عشر سنوات ستكون الربع – الهواتف والأثاث لن يكون له قيمة على الإطلاق…ألخ).

      بكل الأحوال، حتى ولو تضاعف سعر المزرعة في مثالك بعد عشر أعوام، فالأدخار لا يزال يعني ان الشخص يمتلك نصف السعر مثلاً، مقارنة مع شخص لا يمتلك شيء إن لم يكن قد ادخر.
      مهما كان الوضع، الإدخار هو دائماً أفضل من عدم الإدخار، فما هو الخيار الثاني، استهلاك أجورنا لشراء أشياء ستكون بلا قيمة على الإطلاق خلال عام أو اثنين؟

  3. تنبيه: الناجحون في الحياة | نجم
  4. mourinto · مارس 10, 2015

    نتمني ان يكون سبب التأخير فب نزول المقال الجديد خير اشتفنا لمكتوبك.. تحياتي لك

    • Adon · مارس 10, 2015

      المقال التالي غداً : )
      سلامي

    • Adon · مارس 10, 2015

      عذراً على الالتباس السابق في الرد على التعليق، تحياتي

التعليقات مغلقة.