تخلّص من مخدراتك: لماذا كلنا مدمنون وكيف نواجه ذلك

هذا المقال هو جزء من سلسلة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمة

*

طوني صغبيني

*

معظم حالات الإدمان تبدأ كمحاولة للتكيّف مع مشكلة؛ تبدأ باحتساء كوب واحد من الكحول مثلاً لتغيير مزاجنا بعد شجار مع الشريك، ثم نحتاج لكوب آخر للتعامل مع يوم صعب في العمل، وآخر للتعامل مع حادث في العائلة، حتى يأتي يوم لا نستطيع فيه العيش من دون زجاجة كحول في يدنا. قد يعتقد بعض القراء الذين بدأوا بهذا المقال أنهم غير مدمنين على شيء وأن هذا المقال لا يعنيهم أبداً، لكن عليهم أن يعيدوا النظر بذلك: في مجتمعنا الاستهلاكي، كل شخص يعاني من نوع واحد على الأقل من الإدمان. فلنتحدّث عن ذلك قليلاً.

يعرّف علم النفس الإدمان على أنه هوس لاإرادي على القيام بشيء محدّد للحصول على اشباع معيّن، حتى ولو أدّت هذه العادة إلى عرقلة الحياة الطبيعية للمدمن. فلنطبّق هذا التعريف على مبادىء الحياة البسيطة وسيتضح لنا أنه هنالك حالات كثيرة من الإدمان في عاداتنا اللاإرادية واللاواعية التي ورثناها بطريقة أو بأخرى عن الثقافة السائدة.

...

حين نعاين هذا التعريف تتضح الصورة أكثر: بعضنا مدمن على فايسبوك ويوقفون جميع نشاطاتهم خلال اليوم عدّة مرات لتفقّده والحصول على اشباع للذات من خلال بضعة لايكات وتعليقات. بعضنا مدمن على نشرات الاخبار والمسلسلات الدرامية،  وبعضنا مدمن على التسوّق، وبعضنا مدمن على شراء الكتب (التي يكدّسها في المنزل من دون قراءتها)، وبعضنا مدمن على الالعاب الالكترونية، على القهوة، على الأطعمة الدهنية الغنية بالسكر والملح، وبعض الناس مدمنون على شراء أحدث تلفزيون كل بضعة أشهر حتى يكاد حائطهم بكامله يكون مجرّد تلفاز هائل، وبعضنا مدمنون على أمور أسوأ كالكحول أو الدخان أو المخدّرات.

العالم العصري بحد ذاته مبني على الادمان ككل؛ فهو عالم مدمن على التقدّم والنموّ، مهووس بتحقيق الأرباح وزيادة المكانة الاجتماعية والهيمنة على الآخرين وعلى الظواهر الطبيعية واختراع تكنولوجيا أكثر وأكبر وأسرع عاماً بعد عام.

 *

لكن هل نحن مدمنون حقاً؟

ادماننا العصري يقع على مستويات مختلفة؛ فبعضنا لا يستطيعون قضاء الصباح من دون قهوة، ولا يستطيعون قضاء عطلة من دون تسوّق أو سفر، ولا يستطيعون قضاء ساعة من دون جرعة فايسبوك. هؤلاء سيعبّرون عن رغبتهم بالقول أنها “حاجة”، فيقولون مثلاً “أنا بحاجة للسفر”، “أنا بحاجة لتفقّد فايسبوك”، “أنا بحاجة لقهوة”. كأن هذه الأمور هي حاجات ضرورية للبقاء البيولوجي، لا مجرّد رغبات آنية ورثناها من خلال نمط حياة معيّن.

طبيعة هذه الممارسات اللاإرادية التي تسود على أسلوب حياة معظمنا تجعل منها عائقاً أمام الانفكاك عن المنظومة السائدة. نحن لا نستطيع الانفكاك عن السيستيم إن كنّا لا نستطيع الانفكاك عن المواد التي يقدّمها لنا لتأسرنا. علينا أن نكتشف العادات والرغبات التي زرعها فينا، وأن نتغلّب عليها ونخلق عاداتنا ورغباتنا الخاصة المستقلّة عنه. بتعابير أبسط، الاستقلالية عن السيستيم لا تعني شيئاً إن كنا لا نستطيع العيش من دون فايسبوك لشهر مثلاً، أو إن كنا لا نستطيع العيش من دون مشروبات غازية أو نوع محدّد من الشوكولاتة.

مشكلة إدماننا الاستهلاكي لا تتوقف على استقلاليتنا عن السيستيم، بل هنالك أيضاً كلفة حياتية ومالية هائلة للادمان. جزء من هذه الكلفة يسمّى اقتصادياً “الفرصة الضائعة”؛ أي أن الساعات الأربعة التي نقضيها على التلفاز كان يمكن أن نقضيها في أمر أكثر إفادة بكثير لنا على الصعيد الشخصي كالقراءة أو التحدّث مع أفراد عائلتنا.

أما الكلفة المالية المباشرة للإدمان فهي أوضح: الاشتراك في القنوات الفضائية مثلاً لإرواء ادماننا على التلفاز يكلفنا على الأقل أربعة آلاف دولار خلال عقدين ونصف من الزمن، وشراء تلفاز جديد لهذه المهمة كل ثلاث أعوام يكلفنا على الأقل خمسة آلاف دولار أخرى للفترة نفسها، وتدخين علبة واحدة من الدخان يومياً يكلفنا نحو عشرة آلاف دولار خلال عقدين ونصف ثمناً للسجائر.

هذه العادات الثلاث (شراء أحدث التلفزيونات، الاشتراك بالقنوات الفضائية، التدخين) شائعة جداً ولا ينتبه لها أحد لكنها تكلف الشخص العادي في العالم العربي نحو عشرين ألف دولاراً على الأقل خلال فترة 25 عام، فضلاً عن كلفتها الصحية العالية بسبب مخاطر التدخين والجلوس أمام التلفاز. فكيف الأمر إن تحدّثنا أيضاً عن مئات العادات الصغيرة الأخرى التي تكلّفنا صحّتنا وسنوات حياتنا؟

 *

التسوّق بهدف الشعور بالسعادة هو أيضاً إدمان.

التسوّق بهدف الشعور بالسعادة هو أيضاً إدمان.

*

لكن كيف يمكن التخلص من الادمان الاستهلاكي؟

هنالك ثلاث خطوات بسيطة جداً:

  • اكتشف ادمانك. هنالك الكثير من العادات التي لا نفكّر فيها في حياتنا ولا نعلم أنها إدمان إلا حين نضطر أن نعيش من دونها، كحين تنقطع الكهرباء أو حين تنفذ المشروبات الغازية من المنزل. اكتشف عاداتك الإدمانية ودوّنها على ورقة صغيرة، مهما احتاجت عملية الاستكشاف هذه من وقت.
  • اكتشف كلفة ادمانك. الادمان لم يكن ليكون ادماناً لولا أنه أوحى لعقلك اللاواعي بأنه هنالك أمر جيد تحصل عليه في المقابل. قد تعتقد أنك اجتماعي أكثر حين تشرب الكحول، أو متيقظ ونشيط أكثر حين تشرب القهوة، وقد تعتقد أن هاتفك الذكي الحديث يعطي لمحيطك الاجتماعي الانطباع بأنك ناجح وعصري. كل حالة إدمانية توهمنا بأنها تعطينا شيئاً ما فيما تخفي عنّا الجوانب السلبية لها. ادمانك على الهاتف مثلاً يستولي على انتباهك حين تكون مع اصدقائك ما يعيق أو يخفف تواصلك معهم، ادمانك على القهوة قد يجعلك عصبياً في الصباح بشكل أنك لم تعد تعرف كيف تهدأ أو تتيقظّ من دونها، وادمانك على الكحول قد يسبب لك المشاكل الصحية. اكتشف أيضاً الكلفة المالية التي تدفعها ثمن ادمانك: هل تصرف 50 دولاراً شهرياً بسبب ادمانك التطبيقات الجديدة على الهاتف الذكي؟ أو بسبب كميات القهوة أو الكحول الهائلة التي تشتريها كل أسبوع؟
  • أسّس عادة جديدة وإيجابية تستبدل العادة الاستهلاكية السلبية: الادمان هو عادة خرجت عن السيطرة، ويمكننا تبديل هذه العادة بعادة أخرى أكثر صحية وأكثر تناسباً مع أهدافنا الشخصية. مثلاً، بدل تناول مشروب غازي مع الطعام، استبدله في فترة أولى بمشروب غازي أخفّ وتناول كمّيات أقل منه، ثم استبدله بعد فترة بعصير خفيف، ثم استبدل العصير بكوب من الماء. هكذا تبقى عادة تناول سائل ما مع الطعام لكن السائل يتغيّر، ما يجعل تغيير العادة أسهل. الأمر نفسه بالنسبة للهاتف حيث يمكننا في الواقع البدء بحذف بعض التطبيقات الثانوية التي لا تفيدنا ولا نستخدمها كثيراً، لنصل فيما بعد إلى حذف التطبيقات التي تسبّب ادماننا على الهاتف. البعض يفضّل اتباع طريقة الصدم، بحيث يوقف الادمان في يوم واحد بشكل كامل ويحاول أن يصارعه من هناك. في كلّ الأحوال، سيكون عليك أن تبني عادة جديدة لتحلّ مكان العادة التي توقّفت عنها، وإلا فسيستبدلها عقلك اللاواعي بإدمان سلبي آخر. عليك أن تخطط مثلاً ماذا ستفعل في المساء إن كنت لا تريد أن تقضيه أمام التلفاز: قد تقرّر مثلاً أن تتعلّم آلة موسيقية لساعة وأن تشاهد التلفاز لساعة فقط بدل اثنتين، وهذه بداية استبدال عادة التلفاز السيئة.

 *

مهما كان نوع إدمانك ومهما كانت مقاربتك الخاصة للتخلص منه، مواجهة هذا الأمر تعني أنك بدأت بالسيطرة على حياتك وانك بدأت باختيار الاتجاه الذي تريده لحياتك، بدل أن تتبع الاتجاه الاستهلاكي اللاواعي الذي فرضه المجتمع علينا فرضاً، فحظاً سعيداً!

13 comments

  1. تنبيه: سلسلة جديدة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمات | نينار
  2. Ali · مارس 12, 2015

    مقاله رائعه وجميلة

    نتمنى ما تتأخر بوضع مقالات اخرى

    • Adon · مارس 12, 2015

      شكراً علي
      تحياتي

  3. Hanibaael · مارس 12, 2015

    رح بلش خفف ادمان متابعة اصدارات داعش😀 وارجع احضر هوليوود😛

    • وليم · مارس 12, 2015

      ههههه.. وط اباوت ضرب اقتصاد البن العالمي!!

      • Adon · مارس 12, 2015

        😀 تماماً

      • Hanibaael · مارس 12, 2015

        ما بعرف عن شو عم تحكي😛

  4. حسين رمّال · مارس 14, 2015

    17 سنة تدخين بمعدل علبة كل نهار ويفوق يعني حوالي 6200 علية دخان بمعدل 3 دولارات العلبة (نصف المدة فرنسا) يعني أكثر من 18000 دولار … هيدا تقريباً إدماني الأكبر… حالياً أعتقد أنني أسيطر على كل الأشياء ما عدا التدخين… ولست أدري ما العمل، أعتقد أنني بحاجة إلى قوة إرادة قوية للتخلص من هذه العادة، تصوّر أنني أشعلت سيجارة الآن، وأنا أكتب، وما زلت أشعر بلذتها رغم ضررها وكلفتها… سوف أستمر بالبحث عن سبيل للتخلص من التدخين وسأوافيك, تمنى لي القوة صديقي.
    لك كل الشكر ومحبتي

    • Adon · مارس 14, 2015

      كل القوة لمغامرتك الجديدة حسّون، الدخان هو من أصعب الأمور بس مفش شي مستحيل مع العادات البشرية.
      كل الخير لإلك صديقي

  5. mourinto · مارس 19, 2015

    متابعين بقوة ياعزيزي ان حياتي بدأت في التغير منذ اكتشفت مدونتك.. استمر
    وعندي طلب لما استطيع الحصول علي نسخة ورقية من كتاب الازمة الاخيرة في القاهرة سئلت وكلاء دار النشر فاخبروني بعدم توفره.. كيف يمكنني الحصول علي نسخة

  6. mourinto · مارس 19, 2015

    وبالمناسبة لقد تخلصت من ادمان التدخين منذ مايقارب من شهر وقادر علي الثبات ولم اعد في حاجة اليها سوى بعض الاحيان علي الصعيد النفسي كان هذا بعد احد مقالات هذه السلسلة الرائعة مقال تأسيس الاستقلالية الحياتية بعد هذا المقال تحديداً بدأت في الاعداد للامر الامور ليست واضحة للاستقلال بحياتي في مناخ مثل القاهرة لكني مازلت ابحث واحصر امكانياتي المتاحة واتابع ماتكتبه فكل مرة يضاف لي المزيد واتشوق من عناوين باقي السلسلة للمعرفة

    • Adon · مارس 19, 2015

      انجاز جميل مورينتو : )
      لا تقلق حول وجود بعض الأمور التي لا تزال تحتاج لإيضاحها حول الاستقلالية الشخصية في المكان الذي تتواجد فيه، فهذه الامور تحتاج لوقت وفي بعض النواحي تبقى عملية اكتشاف مستمرة.
      بالنسبة لكتاب الأزمة الأخيرة، معظم النسخ المتبقية لدى دار النشر هي في مكتبات بيروت ، وحتى النسخ التي لدي هنا معي في دبي قد نفذت، لذا إن لم تستطع إيجاده راسلني وسأرسل لك نسخة الكترونية.
      اتمنى ان تكون باقي مقالات السلسلة مفيدة لك أيضاً
      سلامي

      • mourinto · مارس 19, 2015

        تمام وهذا ما اعمل عليه الفترة الحلية الامكانات المادية والتخلص من زيف الاعلانات وبريق الاستهلاك واعمل الان علي التخلص من العادات الاستهلاكية وبالنسبة للكتاب رتبت مع وكيل دار النشر هنا اليوم علي طلب نسخة من لبنان اذا امكن وسأحصل علي الرد منتصف الاسبوع القادم لو لم استطع سأطلبها منك ان امكن.. شكراً جداً لاهتمامك

التعليقات مغلقة.