امرح كأنك في العصر الحجري

*

هذا المقال هو جزء من سلسلة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمة

*

طوني صغبيني

*

تحدّثنا في المقالة السابقة عن الإدمان الاستهلاكي الذي يحكم حياتنا وكيفية مواجهته، واعتقد أن معظم القراء قد يجدون أن جزء كبير من ادمانهم هو إدمان معلوماتيّ ما، كفايسبوك، التلفاز، الانترنت وما شابه. نحن نعيش في نهاية المطاف في العصر الرقمي ومن الطبيعي أن يكون المجال الرقمي مهيمناً على أجزاء لا يستهان بها من انتباهنا وحياتنا. العديدون منّا يكادون لا يعرفون كيفية الترفيه عن أنفسهم من دون تلفاز أو هاتف – وهو ما يتعارض إلى حدّ كبير مع الحياة البسيطة، التي يفترض أن نكون قادرون فيها على الفكاك من الترفيه الاستهلاكي السلبي الذي تفرضه علينا المنظومة السائدة.

أصدقائنا الفلينتستونز :D

أصدقائنا الفلينتستونز😀

الترفيه واللهو هو جزء طبيعي من الحياة. في مجتمعات ما قبل التاريخ كان الإنسان يعمل نحو 4-6 ساعات فقط في اليوم، ما ترك له نحو 20 ساعة يومياً للنوم والراحة واللهو والترفيه. الفكرة الأولى التي ستتبادر إلى ذهن القارىء العصري حين يقرأ الفكرة السابقة هي التساؤل  “كيف كان أسلافنا يقضون 20 ساعة في الراحة والترفيه واللهو من دون أن يكون لديهم كهرباء وتلفزيون وانترنت ومطاعم وجبات سريعة؟ ألم يعانوا من الضجر إلى حدّ الموت؟ ففي عالمنا الرقمي والتكنولوجي، لا نستطيع تخيّل ترفيه من دون كل الخردة الالكترونية التي نملكها اليوم.

الإنسان العصري يعتقد إلى حدّ بعيد أن الترفيه والاستهلاك هما الأمر نفسه – سواء كنا نتحدّث عن استهلاك المواد المرئية والمسموعة كالأفلام والبرامج والمسلسلات والانترنت، أو الاستهلاك المعيشي كحضور الحفلات والذهاب إلى المطاعم وشراء الملابس الجديدة وأحدث الصيحات الالكترونية. أنا متأكد أنه هنالك عدد كبير من الأطفال والشباب اليوم لا يعلمون أبداً كيف يمرحون من دون كهرباء تغذّي هاتفهم، حاسوبهم أو تلفازهم.

حين ننظر إلى أساليب الترفيه السائدة حالياً نلاحظ أمران:

  • الترفيه السائد هو بمعظمه ترفيه سلبي، أي أن المشارك فيه هو متلقّي وليس مشارك إيجابي فاعل. الجلوس أمام التلفاز، تصفّح الانترنت ومشاهدة مباريات كرة القدم هي بمعظمها أمور لا تستوجب من المشارك فيها سوى الجلوس على مؤخرته من دون تحريك أي عضلة في عقله أو جسده. هذا ينطبق بشكل خاص على الترفيه الرقمي.
  • الترفيه السائد هو ترفيه استهلاكي وغير مجّاني في معظم الأحيان. هذا ينطبق بشكل خاص على الترفيه غير الرقمي كالذهاب إلى المطاعم والحفلات والقيام بالتسوّق والمشاركة في النشاطات الترفيهية.

هذا لا يعني أن كل ترفيه رقمي هو سلبي، ولا يعني أن كل ترفيه غير مجاني هو استهلاكي؛ المشكلة هي أننا لم نعد نعرف المرح والمتعة خارج منظومة الاستهلاك. إصلاح هذا الأمر لا يتم عبر عيش حياة خالية من الترفيه والمرح، بل العكس تماماً: الخروج من الترفيه الاستهلاكي يعني جعل النشاطات الترفيهية واللهو أكثر إرضاءً ومرحاً وإفادة لنا. علينا أن نتعلّم المرح كأننا في العصر الحجري!

*

أربع نصائح للانتقال من الترفيه الاستهلاكي إلى المتعة الحقيقية

فيما يلي بعض النصائح في هذا المجال:

*

قتل مصّاصي الانتباه

لقد كرّرنا كثيراً أننا نقضي فترات طويلة جداً أمام الشاشة؛ بعضنا يحدّقون في شاشة الحاسوب أمام مكتبهم طوال اليوم ليذهبوا من بعدها ويقضوا المساء أمام شاشة أخرى. حاولوا أن تكتشفوا نسبة الوقت المنتج مقارنة مع الوقت الترفيهي من مجموع الوقت الذي تقضونه أمام الشاشة. تقديري أنه هنالك على الأقل ساعتين إضافيتين نقضيهما كل يوم أمام الشاشة من دون أي فائدة ترفيهية أو تعليميّة على الإطلاق – أي نحو 720 ساعة في العام.

الأبحاث تشير إلى أننا نحتاج لمئتي ساعة فقط لتعلّم شيء جديد، ولألف ساعة لنصبح جيّدين فيه، ولـ10 آلاف ساعة لنصبح معلّمين وأسياد فيه. هذا يعني أنه إن قتلنا مصاصي دماء الانتباه من هاتف وحاسوب وتلفاز، يمكننا تعلّم مهارة جديدة أو أكثر كل عام تقريباً.

*

التوازن بين الترفيه السلبي والمرح الفاعل

البعض قد يقول أن إلغاء الشاشات من حياتنا أمر شبه مستحيل هذه الأيام وأنا أوافق على ذلك. حتى أنني اعتقد أنه لا يمكن تجنّب قدر معيّن من الترفيه السلبي كمشاهدة التلفاز أو تصفح الانترنت بسبب طبيعة حياتنا – حيث أن السيستيم يحرص على أن نكون متعبين في معظم الأيام، ما يحول دون قيامنا بأي بشيء يستوجب جهد أكبر من الجلوس على الصوفا.

 ما يمكن فعله في هذا المجال هو أن نحدّ من الوقت الذي نقضيه على الشاشة وأن نزيد الوقت الذي نقضيه خارجها، كأن نضيف تمريناً رياضياً بعد العمل أو درساً موسيقياً أو أن نقرأ كتاباً ورقياً بدل الالكتروني، أو أن نلغي الانترنت عن الهاتف وأن نحدّد أيام مشاهدة التلفاز بيوم أو اثنين في الأسبوع فقط. الفكرة هنا هي أن علينا أن نضيف على حياتنا شيء مرح يساعدنا على تنشيط أذهاننا وأجسادنا بدل الاكتفاء باستهلاك الترفيه بشكل سلبي. لا داعي لنذكر الفوائد الصحية والنفسية لذلك على المدى البعيد.

  • قاعدة ستان: هل هي صحيحة؟

    قاعدة ستان: هل هي صحيحة؟

  • *إيجاد بدائل للترفيه الاستهلاكي

    تقول إحدى شخصيات البرنامج الهزلي “ساوث بارك” أن “كل شيء مسلّي يكلف على الأقل 8 دولارات”، وهذا للأسف صحيح إلى حدّ كبير في ظلّ الثقافة السائدة. التسوّق، حضور الحفلات والسهرات والفعاليات، السفر، تناول الوجبات في المطاعم، الألعاب الالكترونية والرياضات المائية ورياضات التزلج والتسلق والتنس وغيرها، كلّها تكلّف الكثير من المال.

    في الحقيقة، ليس من المنطقي لموظفة تتلقى راتب 500 دولار، أن تستئجر ملعب تنس مثلاً مرتين في الشهر بمبلغ 100 دولار لممارسة رياضتها المفضلة، كما أنه ليس من المنطقي أن يقوم شاب يحصل على الأجر نفسه بالخروج كل أسبوع إلى مطعم مختلف ودفع 40 % من راتبه على تناول الطعام في الخارج. علينا البحث عن بدائل بكل بساطة. لعب كرة السلة أو كرة القدم بدل التنس قد يجلب نفس متعة الرياضة والتنافس، لكن بكلفة أقل بكثير؛ ودعوة الأصدقاء للمنزل وتحضير طعام شهي قد تجلب نفس متعة الخروج إلى مطعم فاخر لأن مصدر المتعة هو غالباً في المرح مع الأصدقاء لا في المكان بحد ذاته. هنالك دائماً بدائل متوافرة يمكنها أن تعطينا نفس السعادة والمتعة والمرح من دون الوقوع في فخّ نمط الحياة الاستهلاكي الذي يروّجه لنا السيستيم.

    *

    اختيار الهوايات التي تناسب شخصيتكم وميزانيتكم

    اختيار هواية هو أمر مهم لصحتنا الذهنية والنفسية والبدنية في زمن يريد منّا أن نكون آلات صامتة. في الآونة الأخيرة أصادف أعداداً متزايدة من الناس التي لا تمتلك أي هواية على الإطلاق؛ بل تكتفي فقط بالعمل والاستهلاك وتصفح الانترنت. الهوايات الحقيقية ليست بالضرورة هوايات استهلاكية.

    لا تصدقّوا الخدع التسويقية: أنتم لا تحتاجون لخمس عدسات للكاميرا وثلاث غيتارات للموسيقى وسوار الكتروني متطوّر لممارسة الرياضة. ما تحتاجوه أكثر هو الوقت والإرادة. علينا أيضاً أن نكون منطقيين في اختيار هواياتنا؛ إن كنا نتقاضى الحدّ الأدنى للأجور مثلاً، هل من المنطقي أن تكون هوايتنا هي التزلّج بما تستوجبه من دفع ثمن المعدّات وثياب التزلج وتكاليف تعلّم التزلج والذهاب الدوري إلى المنتجعات الجبلية؟ هل من المنطقي أن نشتري أغلى كامرا وثلاث عدسات إن كنا لا نزال في بدايات التصوير؟

    الأمر الأساسي مع الهوايات إذاً هو أن تختاروا الهواية التي تناسب شخصيتكم وتجلب لكم سعادة ومتعة حقيقية من دون أن ترهقكم مالياً، وأن تبدأوا بها على مهل، خطوة خطوة.

*

من قال أن الترفيه لا يمكن أن يكون سوى عبر الاستهلاك؟ إن كان الناس في العصري الحجري يستطيعون قضاء عشرين ساعة حرّة في اليوم من دون أن يكون لديهم هاتف ذكي ليقتلوا الوقت عبره، فلما لا نستطيع نحن القيام بذلك؟ تعلّموا من نساء ورجال الكهف، وامرحوا كأنكم في العصر الحجري!

3 comments

  1. تنبيه: سلسلة جديدة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمات | نينار
  2. mahdi · مارس 22, 2015

    شكرا لك
    سأتكلم بصراحة
    انا اعمل في ورشتي وعمل عبارة عن عمل بدني دائم وكل يوم لدي مدة اقضيها في العمل بدون انقطاع وبعدها اعود لمنزلي الدي لايبعد بضع امتار عن العمل
    تعتبر مششكلتي في عدم وجود الوقت مع وجوده في بعض الاحيان بكثلاة اصبحت احس كأنني عبارة عن الة لا تتوقف او مبرمج لطريقة عيش معينة
    في بعض الاحيان ياتيني شغف قراة كتاب ما حتى اكمله خاصة عند عدم تواجد النت ولكن في الكثير من المرات اجد نفسي اقلب صفحات الفايسبوك وحدي على الرغم من علمي بعدم فائدته في الكثير من الامور . اغلقت الحساب عدة مرات لعلي استفيد من محتويات بعض المواقع لكن سرعان ما اعود بدون ان ادري
    ولكن عندما مثلا ينقطع تيار الكهرباء اجد الراحة التامة فأين الخلل ؟

    • Adon · مارس 24, 2015

      لا يوجد خلل صديقي، كل الناس تكافح لخلق مساحتها ووقتها الخاص؛ إن كان التصفح الالكتروني هو المشكلة الأساسية ولم تستطع التخلص منه، حاول في الفترة الأولى تخصيص يوم واحد في الأسبوع بعد العمل من دون تصفح الانترنت على الاطلاق واكتشف ما الذي يمكنك أن تقوم به في ذلك اليوم بدلاً عن ذلك (وقد يكون ذلك مجرد أمور منزلية أو شخصية وليست بالضرورة تعليمية أو منتجة)، ثم اعمل على توسيع هذه المساحة من هناك. الأمر الأساسي هو ألا تضع هدفاً لا يمكن تحقيقه واقعياً (كأن تقول انك لن تتصفح الانترنت وفايسبوك أبداً كل الأيام)، لأن الهدف غير الواقعي يؤدي إلى الاحباط ويوقف المحاولة. الأهداف الصغيرة جداً هي أفضل؛ ويمكن تحقيقها تدريجياً
      تحياتي

التعليقات مغلقة.