أين ستكون بعد خمس سنوات؟ لماذا تحتاج لخطة مالية وكيف تضعها

*

هذا المقال هو جزء من سلسلة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمة

*

طوني صغبيني

*

السؤال الذي طرحناه في العنوان (أين ستكون بعد خمس سنوات) هو مضحك للوهلة الأولى، فنحن نعيش في زمن وبلاد لا نعلم فيهما أين سنكون الأسبوع المقبل. المفارقة هي أنه كلّما كان الوضع المعيشي والاقتصادي والسياسي من حولنا غير مستقرّ، كلّما كنا نحتاج للتخطيط في حياتنا بشكل أكبر، لا العكس. إن لم نخطّط على الإطلاق، سنكون قد سلّمنا حياتنا لتلعب بها رياح الأحداث كما تشاء، وسترمينا الحياة من مكان لآخر فيما نعتقد أنه لا حول ولا قوّة لنا فيها على الإطلاق. أمّا إن وضعنا تصوّرات بسيطة واتبعناها، يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر، سنجد أنفسنا نكتسب مناعة شخصية ومالية تجاه الأحداث لا يتمتع بها أولئك الذي تركوا مصيرهم للصدف والأقدار. التخطيط هو بكل بساطة عمليّة خلق للخيارات في زمن يريد أن يفرض علينا خيارات غير عادلة.

...

ما يميّز نمط العيش البسيط هو أنه نمط من الحياة نختاره بوعي ولا نرثه عن المجتمع، وهو يستوجب في كلّ الأحوال جهداً وتخطيطاً وإرادة في العديد من مجالات الحياة، والمجال المالي ليس استثناءً. الخطة المالية الشخصية تساعدنا على التحكم أكثر بمستقبلنا حتى ولو لم نستطع تطبيقها بالكامل. فلنفترض للحظة أننا نستطيع الإجابة على السؤال الذي طرحناه في العنوان؛ فكّروا قليلاً بالجواب وفكّروا بأحلامكم الصغيرة والأمور التي تحبّون القيام بها وحاولوا أن تكتبوا إجابة: أي تريدون أن تكونوا بعد خمس سنوات من اليوم؟

أنا متأكد مئة في المئة أن أي جواب على هذا السؤال يستوجب أرضيّة ماليّة أو وضعيّة اقتصادية معيّنة لا يمكن تحقيق ما تريدونه من دونها. وهنا يأتي دور الرؤيا المالية الشخصية.

الرؤيا المالية الشخصية تخبرنا ببساطة عن حقيقة حالتنا الاقتصادية والمعيشية وتساعدنا على التخطيط بحكمة وتروّ للأمور الهامة التي نودّ القيام بها مستقبلاً والتي تؤثر بشكل مباشر على طبيعة ونوعية حياتنا كتأسيس عائلة، تغيير مهنتنا، شراء منزل… ألخ.

الخطة المالية التي نضعها تسمح لنا أن نكتشف ما إذا كان حلمنا بالتقاعد المبكر أو بتأسيس شركة خاصة بعد خمسة أعوام مثلاً هو خطة منطقية أم حلم مستحيل، وتخبرنا ما إذا كان بإمكاننا تحمّل الأعباء المالية لعائلة من طفلين أو ثلاثة أو لمنزل من طابقين مثلاً. ما نتحدّث عنه هنا ليس بالضرورة خطة مالية مفصّلة تحدّد كافة الأرقام المرتبطة بحياتنا، بل مجرّد تصوّر أوّلي للعناصر المالية الرئيسية التي تحدّد وضعنا الحياتي وتؤثر عليه. هنالك عناصر أساسيّة لأي تصوّر مالي نضعه لحياتنا، وهي تبدأ بحساب القيمة الصافية.

*

حساب القيمة الصافية

الأمر يبدأ من اكتشاف مكاننا المالي الحالي، وهو ما سنفعله من خلال حساب “الثروة (القيمة) الصافية”.

الثروة الصافية Net Worth هي طبعاً مفهوم رأسمالي يهدف لقياس ثروة شخص ما أو قيمة شركة معيّنة، وبغضّ النظر عن كون الرأسمالية نظام اقتصادي غير عادل إلا أن المفاهيم الاقتصادية الناتجة عنها هي أدوات لفهم واقعنا المادي.

احتساب الثروة الصافية يتم عبر وضع قيمة كل ما نملكه من سيولة وممتلكات في خانة (ومنها مدخراتك، حساباتك في البنك، قيمة المنزل، قيمة السيارة، قيمة الأثاث والأغراض الالكترونية والثياب الشخصية..ألخ)، وكل ما علينا من ديون ومستحقّات على الجهة الأخرى (ومنها القيمة الاجمالية لقرض السيارة، القيمة الاجمالية لقرض المنزل، ديون بطاقات الائتمان، قروض وديون أخرى…ألخ).

الخطوة التالية هي طرح مجموع أصولنا المالية من مجموع الديون وسنحصل في نهاية المطاف على رقم هو ثروتنا الصافية. بالنسبة لمعظم الناس من الطبقات المهمّشة والعاملة، ستكون ثروتهم الصافية تقارب الصفر أو قد تكون رقماً سلبياً – أي أن الديون التي يدينون بها أكثر بكثير من الأموال والأملاك التي بحوزتهم.

الثروة الصافية

بطبيعة الحال، موقعنا المالي والاقتصادي يكون في مكانة هشّة وسلبية جداً إن اتضح أن ثروتنا الصافية سلبية أو صفر، فهذا يعني أننا مرتهنين بالكامل لعبودية الأجر ولربّ العمل والبنوك والشركات ولا نستطيع الفكاك من هذه العبودية قبل تسديد ديوننا بالكامل.

حين قمت باحتساب القيمة الصافية لدي منذ عامين، اتضح أنها سلبية: ناقص 111 آلاف دولار. أي أنني إن دفعت كافة مدخراتي وقمت ببيع كل ممتلكاتي (ومنها ثيابي)، سأبقى مديناً بـ111 ألف دولار للبنوك. هذا الرقم المرتفع يعود لقرض إسكان لمنزلين في لبنان (منزل أهلي ومنزلي) الممتد على دفعات شهرية لأعوام طويلة.

إدراك هذا الأمر أظهر لي وقتها بوضوح أنني لا امتلك حرية الاستقالة من العمل في هذا الوقت، وحتى أن وضعي المالي لا يسمح لي بالتوقف عن العمل ولو لشهر واحد، لأن هذا يعني أن البنك سيستولي على منزل أهلي ويشرّدهم في الشارع فيما ليس لدي أي مصدر آخر لتسديد الدفعة الشهرية. حساب القيمة الصافية أظهر لي بوضوح أيضاً أن أي محاولة للاستقلالية المادية لن تتوّج بالنجاح طالما أن القيمة المالية الصافية لي هي سلبية. إدراك هذه الحقيقة كان في الواقع إحدى الأسباب الرئيسية التي قرّرت بسببها العمل على تحقيق استقلاليتي المالية الكاملة والفكاك من السيستيم بأكلمه.

الوضع بالنسبة لي تغيّر قليلاً منذ ذلك الوقت (من المفترض أن تصبح القيمة الصافية لدي مساوية لصفر بعد عامين من الآن)، لكن الدرس بقي نفسه: معرفة القيمة الصافية لثروتنا هو أداة مفيدة جداً لاكتساب صورة أوّلية عن وضعنا المادي. الخطوة التالية هي احتساب الميزانية الشهرية.

"من يفشل في التخطيط يخطط للفشل" (وينستون تشرشل)

“من يفشل في التخطيط يخطط للفشل” (وينستون تشرشل)

*

حساب الميزانية الشهرية

الميزانية الشهرية تسهّل عملية الادخار وتتيح لنا اكتشاف الأمور التي تستهلك أموالنا، ما يساعدنا على تعديل سلوكنا وقراراتنا المالية والاستهلاكية شهراً بعد شهر وتحسين وضعنا المالي.

يمكن وضع ميزانية بشكل بسيط جداً:

  • ضع لائحة بمصادر دخلك الحالية ومجموع قيمتها المالية.
  • ضع لائحة بمصاريفك الشهرية الحالية واكتشف كيف تصرف أموالك تحديداً. عليك أن تعلم أكثر ما يمكن عن مصاريفك، كالمصاريف التي تدفعها للإيجار وفواتير المنزل، مصاريف التنقل، مصاريف الطعام، الترفيه، الملابس، اشتراك النادي، مصروف الانترنت..ألخ. كلما كنت تفصيلياً في مصاريفك كلما كان ذلك أفضل.
  • قم بطرح القيمة الاجمالية للمصاريف من القيمة الاجمالية للدخل واكتشف ما إذا كان مصروفك الشهري أكبر من مدخولك أو أقل منه.

بعد ذلك، تتمثل مهمتك بتوسيع الفارق بين مصروفك ومدخولك ليكون الرقم الذي تحصل عليه آخر الشهر إيجابياً، بحيث تجعل المدخول أكبر من المصروف وتدّخر مبلغ من المال كل شهر.

تقليص المصاريف بشكل كبير قد يعني أحياناً القيام بتغيّرات جذرية في حياتنا كما سنرى في الفصول المقبلة من هذه السلسلة، كالانتقال إلى منزل آخر أو الاستغناء عن السيارة أو تغيير حميتنا الغذائية وإعادة النظر في هواياتنا وعاداتك الاستهلاكية. في كل الأحوال، سنستعين كثيراً بجدول الميزانية الشهرية لنكتشف ما الذي يمكن تخفيضه من المصروف أو إلغاءه نهائياً.

*

وضع تصوّر مالي للأعوام الخمسة المقبلة

الخطوة الأخيرة بعد إجراء التغيّرات الحياتية اللازمة لتحقيق فائض مالي شهري هي احتساب مجموع مدخراتنا بعد عام أو خمسة أعوام من اليوم. قد نكتشف أن مدخراتنا بعد خمسة أعوام ستكون ألف دولار فقط، وقد نكتشف أنها ستكون خمسين ألفاً. في الحالتان، ستساعدنا النتيجة على اتخاذ قرارات أفضل في الوقت الحالي.

إن كنا قادرين على سبيل المثال على ادخار ما يساوي ثمن سيارة خلال عام واحد، سيساعدنا ذلك على تجنّب أخذ قرض من البنك لشراء سيارة الآن ودفع الفوائد والرسوم عليها لخمس سنوات مقبلة.

في كلّ الأحوال، هنالك شروط أساسية تؤثر على نجاح هكذا خطة، أوّلها وجود ما يكفي من الرغبة بتحقيق الاستقلالية المالية لكي نستطيع الاستمرار بخطتنا المالية أسبوعاً بعد أسبوع، شهراً بعد شهر، وعاماً بعد عام. لذلك من المهم أن نكتشف أحلامنا والأمور التي نحبّها ووضعها نصب أعيننا، لأن كل خطوة مالية من الآن فصاعداً يجب أن تساعدنا على الوصول إليها. الحافز الأكبر بالنسبة لي لتحقيق الاستقلالية المادية هو التخلّص من الوظيفة والتفرّغ للكتابة وللأمور الأخرى التي أحبّها في الحياة.

الشرط الثاني لنجاح رؤيتنا المالية يتمثّل في معرفة الحد الشهري الأدنى من المال الذي نحتاجه لكي نعيش حياة كريمة ومريحة وادّخار الباقي. العديد من الناس يعتقدون أنهم يحتاجون لألف أو ألفين أو ثلاثة آلاف دولار في الشهر كحّد أدنى للمعيشة لأنهم يرون أن الآخرين يحتاجون لهذا المبلغ أو لأنهم يستهلكون من حيث لا يدرون. إن كنّا قد خرجنا من الحياة الاستهلاكية، سنجد أن الحدّ الادنى الذي نحتاجه هو أقل بكثير مما كنا نعتقد سابقاً.

إلى ذلك، الحيلة الأخيرة لنجاح عمليّة الادخار الشهرية هي تحديد قيمة المبلغ الذي نريد ادخاره مسبقاً، وتسديده في بداية الشهر عند الحصول على راتبنا لا في نهايته. يمكننا أن نقول مثلاً أننا سنقوم هذا العام بادخار 200 دولار شهرياً، ولكي نقوم بذلك علينا أن نبدأ من بعدها بدفع 200 دولار كل شهر لحساب التوفير عندما نحصل على راتبنا في أوّل الشهر وتدبّر أمورنا بما تبقّى من الرات، بدل أن نصرف مالنا طوال الشهر وندّخر ما تبقى من فتات منه في نهايته. الخطّة إذاً هي بكل بساطة: ادّخر أولاً، واصرف ما تبقى – لا اصرف أولاً وادخر ما تبقى كما تفعل غالبية الناس.

إن كنا نريد اختصار جوهر هذا المقال بجملة واحدة سنقول التالي: اكتساب وضع مادّي راسخ لا يمكن أن يتحقّق بطريقة ارتجالية ولا يمكن أن يتحقق من دون النظر بإمعان إلى الأرقام التي تحكم حياتنا – ساعة واحدة من التخطيط المالي في العام قد تعني الفارق بين اكتساب مناعة مالية حقيقية وبين التخبّط في قرارات مالية سيئة لا تؤدي سوى إلى استمرار عبوديتنا للمنظومة السائد. في الحقيقة، المناعة المالية ليست أمراً نكتسبه في مستقبل بعيد فحسب، بل هي شيء يمكننا أن نبدأ بتحقيقه فوراً عبر خطوات حياتية معينة. هذا ما سنتناوله في المقالات المقبلة.

5 comments

  1. تنبيه: سلسلة جديدة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمات | نينار
  2. هدى الله · مايو 6, 2015

    انا شايفه يتحقق ذلك من خلال نظام الجمعية…
    (مجموعة من الاشخاص_10 أفراد مثلا_ يلتزمون بدفع مبلغ من المال شهريا ثم يجمع هذا المال لكل شخص منهم علي مدار 10 اشهر …كل واحد يقبض فلوسه فى شهر من العشرة /حسب الترتيب.المبلغ المستلم شهريا هو…المبلغ الشهرى ×عدد الافراد )

    • Adon · مايو 7, 2015

      هنالك بعض الأصدقاء هنا يقومون بذلك، وهي فكرة ممتازة، تحتاج لثقة عالية بين الأشخاص الذين يقومون بها لكنها فعالة جداً وتغني الناس عن جشع البنوك

      سلامي

  3. محمد عليان · مايو 8, 2015

    أنا ضايع جدا ف الجانب المالى بخطط تقريبا لكل شيئ ف حياتى ماعدا الجانب ده..,لكن شخصين كانوا السبب فى تغير وجهتى للتخطيط المالى ..:مراتى وانتا يا طونى
    ملحوظه:مراتى هى صاحبة التعيق الأول
    واحنا بنقرأ مقالاتك مع بعض دلوقتى
    إستمر طونى … إنتا ملهم والله بجد

    • Adon · مايو 10, 2015

      يا هلا بكل العائلة محمد : )
      انا سعيد جداً ان الكتابات عم تكون مفيدة لحد، وبحسب معرفتي بك اعتقد انك ستنظم الجانب المالي قريباً من دون قلق.
      تحياتي صديقي

التعليقات مغلقة.