الاستدانة والعبودية: لماذا يجب تجنب الديون (وما هي الاستثناءات)

*

هذا المقال هو جزء من سلسلة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمة

*

طوني صغبيني

*

معظم أبناء جيلنا الشاب يعتبرون أن الاستدانة هي أمر طبيعي في الحياة ولا يمكن تجنّبه، والعديدون منّا يعتبرون أن أهم إنجاز لهم هو البقاء خارج الدين. الواقع الثقيل للاستدانة جعل تجنّبها من الإنجازات التي نفتخر فيها إن استطعنا تحقيقها! الأسوأ هو أن الاستدانة أصبحت في الوقت نفسه أمراً طبيعياً، لدرجة أن البعض يعتقد أنها مفيدة له وأنها تعطيه أفضلية ما في حياته المالية والعمليّة.

هنالك طبعاً العديد من الأسباب التي تجعل من جيلنا أكثر جيل عليه ديون في التاريخ الحديث، منها الوضع الاقتصادي المتردّي، الارتفاع الهائل لمستوى المعيشة مقارنة مع الأجيال السابقة، وعدم وجود وظائف دائمة أو مداخيل ثابتة لنا كما كانت الحال مع أهلنا وأجدادنا. كل ذلك يدفعنا للاستدانة لتأمين أساسيات عيشنا ولكن هنالك عامل آخر لا بدّ أن نعترف به أيضاً. هذا العامل هو أننا أكثر جيل استهلاكي في التاريخ. نحن لا نكتفي بهاتف ثابت في المنزل وسيارة واحدة للعائلة بأكملها ومشوار وحيد في نهاية الأسبوع إلى الكورنيش كما كان يفعل أهلنا، بل نريد أحدث هاتف وحاسوب جديد كل عام وسيارة جديدة كل عامين ومنزل كبير ومطاعم وحفلات ومشاوير وملابس وسفر ومئة نوع من السكاكر والمشروبات الغازية والطعام السريع. وكل ذلك يكّلفنا مال لا نملكه، فنضطّر على الاستدانة.

هكذا تبدو حريتنا في ظلّ الديون.

هكذا تبدو حريتنا في ظلّ الديون.

 *

الاستدانة هي إطالة لعبودية الوظيفة

ما نقوم به عند الاستدانة هو شراء شيء لا نملك ثمنه الآن مقابل دفع مبلغ أكبر ثمناً له فيما بعد. وفقاً لذلك، الغالبية الساحقة من عمليّات الاستدانة هي صفقات خاسرة للمستدين.

إن كنا نريد أن نشتري سيارة ثمنها 10 آلاف دولار مثلاً، سنستدين ثمنها وندفع للبنك خلال خمس سنوات مبلغ قدره 14 ألف دولار على الأقل (بسبب الفوائد). وهنا يوجد تناقض غريب: إن كنا نستطيع تسديد 14 ألف دولار للبنك خلال خمس سنوات، فهذا يعني أننا نستطيع بسهولة ادخار 10 آلاف دولار خلال سنوات أقل وشراء السيارة من دون قرض، فلماذا الاستدانة إذاً؟

الجواب سهل: لقد علّمتنا الرأسمالية انعدام الصبر. لا أحد يشعر أنه يستطيع أن ينتظر ثلاث أو أربع سنوات من الادخار لتأمين ثمن السيارة التي يريد، بل يريد أن يحصل على السيّارة الآن وحتى لو عنى ذلك أنه سيدفع أكثر. إن أخذنا بعين الاعتبار أن المال ليس مجرّد أوراق نقدية بل يمّثّل قطعاً من حياتنا وطاقتنا، سنجد أن قلّة الصبر هذه تكلّفنا بالإضافة إلى المال، سنوات وسنوات من حياتنا لأننا سنقضي سنوات إضافية في عبودية الوظيفة لتسديد فوائد القروض.

فلنأخذ مثال السيارة أعلاه ونتأمله قليلاً: السيارة التي نشتريها بـ10 آلاف دولار، سيكون ثمنها بعد خمس سنوات نحو 6-7 آلاف دولار على الأكثر (بحسب نوع السيارة). إن قمنا بالاستدانة لشرائها، وسدّدها لفترة خمس سنوات مبلغ 14 ألف دولار بسبب الفوائد، نكون قد خسرنا في الواقع نحو 7 آلاف دولار بسبب الفوائد وانخفاض قيمة السيارة (أي خسرنا مبلغاً يساوي سعر سيارة أخرى!). في المقابل، إن انتظرنا عامين أو ثلاثة، سنستطيع شراء نفس السيارة بمبلغ أقل ومن دون ديون على الإطلاق. بعض الناس تغيّر سياراتها كل ثلاث أو أربع سنوات من خلال ديون جديدة من دون أن تنتبه أنها تخسر آلاف الدولارات في كلّ مرّة.

هذا ولا زلنا نتحدّث فقط عن النتائج المالية المباشرة للاستدانة ولم نتحدّث بعد عن التعقيدات القانونية والحياتية التي تنشأ عنها. الاستدانة تجبرنا إلى حدّ كبير على تحمّل وظائف وأعمال لم نكن لنتحمّلها لولا وجود الديون. الاستدانة تحرمنا من الخيارات في الحياة أيضاً، لأن الاستقالة من عملنا أو تغييره في ظلّ وجود ديون قد تؤدي فوراً إلى مشاكل وضغوط قانونية ومالية كبيرة قد تصل إلى السجن في بعض الأحيان.

الاستدانة إذا في نهاية المطاف لا توفّر علينا الوقت ولا تسرّع مجرى حياتنا ولا تسهّل أمورنا بل العكس: الاستدانة تسرق سنوات إضافية منّا نقضيها في العمل لدفع فوائد الدين.

...

 *

هل يوجد استثناءات على الاستدانة؟

بما أن المنظومة السائدة حرصت على أن يكون من الصعب جداً علينا تأمين كافة احتياجاتنا المعيشية من دون ديون، قد لا يكون ممكناً بالنسبة للكثيرين منّا ألا يستدينوا على الإطلاق. ما هي في هذه الحالة أفضل ممارسة مالية؟

الأمر بسيط جداً: لا تستدين أبداً لتسديد ثمن الاستهلاك العادي كشراء حاسوب أو هاتف أو ملابس أو السفر وما شابه. الاستدانة من أجل الاستهلاك هي جنون.

استدن فقط عندما تريد أن تقوم باستثمار يدعم حياتك ويزيد مناعتك المالية، كشراء منزل أو متجر أو أدوات تحتاجها في عملك (وأحياناً السيارة الخاصة بحسب طبيعة عملك)، أو حين يكون هنالك طارئ طبّي لا يمكن التعامل معه بغير الاستدانة.

في حالة المنزل، من الطبيعي ألا يكون بإمكاننا انتظار عشرون عام وأكثر لتأمين ثمن منزل بأنفسنا لأنه لا يمكننا أن نبقى في الشارع كل هذا الوقت، ولذلك الاستدانة في هذه الحالة لا يمكن تجنّبها بالنسبة لكثر منّا. الأمر الجيّد في القروض السكنيّة هو أن القروض التي تمتدّ لأكثر من عقد من الزمن تفيد أحياناً المستدين أكثر مما تفيد المدين لسبب بسيط اسمه التضخّم المالي. الدفعة الشهرية في حالة قرض المنزل تبقى نفسها عاماً بعد عام فيما تنخفض القدرة الشرائية للعملة المحلية مع الوقت. الدفعة الشهرية التي تبلغ قيمتها 500 دولار قد تبدو مبلغاً كبيراً اليوم، لكنها لن تبدو كذلك بعد 10 و20 و30 عام حين يكون المبلغ نفسه مساوٍ لثمن بضعة وجبات لا أكثر.

إلى ذلك، شراء الأصول المالية التي تزيد قيمتها مع الوقت (كالمنزل والمتجر) هو استثناء مفيد لأن المبلغ الذي استدنته لا يذهب هباء بل يكون بمثابة استثمار يعطيك مردود يعوّض الفوائد التي تدفعها للقرض.

الحلّ الأفضل لتجنّب الاستدانة هو في الواقع أن تسدّد لنفسك دفعات شهرية كما لو كنت تسدّدها للبنك. إن قرّرت أنك تريد شراء سيارة العام المقبل (مع اني شخصياً ضد الاستدانة لشراء سيارات لأنها تفقد قيمتها بسرعة)، ابدأ منذ العام الحالي بتحويل دفعة شهرية لنفسك على أنها قسط شهري للسيارة، وستجد نفسك خلال عامين أنك تمتلك ثمنها بالكامل من دون أن تضطرّ للاستدانة.

تجنّب الاستدانة يتطلّب بالطبع حنكة وصبراً تفوق ما هو سائد في المجتمع، وقد لا يكون ذلك أمراً سهلاً، لكننا نفترض أنك إن كنت تقرأ هذا النصّ، فأنت تتحلّى بهاتين الصفتين وستستطيع عبر القليل من الجهد الإضافي تدبير أمورك من دون ديون. بالتوفيق!

4 comments

  1. تنبيه: سلسلة جديدة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمات | نينار
  2. ali · مايو 9, 2015

    مقال جميل ورائع أستاذ طوني

    صراحه لا رآك تتكلم عن نقد الدين بالرغم كونك لالديني
    هل أتستطيع ان تخبرني بالسبب

    • Adon · مايو 10, 2015

      شكراً علي.
      صحيح لا اكتب كثيراً في نقد الدين هذه الأيام لأسباب كثيرة، منها ان تركيزي هذه الفترة هو على مواضيع مختلفة ومفيدة للجميع وأفضّل حالياً الحديث عنها، ومنها أنه هنالك الكثير ممن يكتبون في هذا الموضوع في الوقت الحالي فلا داعي للتكرار.
      والسبب الأخير هو انني اختلف مع العديد من الطروحات السائدة حول الإلحاد وارى نفسي انتمي لمدارس الحكمة القديمة (كالهرمسية والنيو-أفلاطونية) التي تمتلك فلسفات ومعتقدات روحية وليست مادية-علمية كالالحاد، وبالتالي الكتابة حول هذه المواضيع من ناحيتي ستأخذ الكثير من الوقت الذي اصرفه على امور اخرى حالياً.
      سلامي

  3. غير معروف · مايو 10, 2015

    لقد قمت بالكثير من الأمور السخيفة في حياتي ما عدا أن أتدين من أحد.

التعليقات مغلقة.