نحو الاستقلالية المالية 2: كيف يمكن للاختيار الصحيح لأسلوب النقل أن يساهم في استقلاليتك المالية

*

هذا المقال هو جزء من سلسلة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمة

*

طوني صغبيني

*

معظم الناس تعتبر أن السيّارة الخاصة هي اليوم أكثر من وسيلة تنقّل وتتعامل معها على أنها “ضرورة” لا بدّ منها لكل شخص راشد في مجتمعنا. شخصياً، أنا محبّي السيارات والسرعة، ومعظم السيارات التي امتلكتها في الماضي كانت سيارات رياضية معدّلة، لكن حين أفكّر في الموضوع وفي تأثيره على حياتي، أجد أن الكلفة والعبء اليومي الذي كان يسبّبه لي امتلاك سيارة كانت أكبر من المتعة التي احصل عليها في المقابل. ذكرت “المتعة” قبل أن أذكر “المنفعة” لأنه حين نتمّعن في الأمر قليلاً، سنجد أن امتلاك سيارة لا يدور بشكل أساسي حول التنقّل – فالتنقّل في معظم مدن العالم سهل وممكن من دون سيّارة خاصة. امتلاك سيارة خاصة يدور في الوقع حول أمر آخر، هو المكانة الاجتماعية.

 *

هل السيارة ضرورة عمليّة أم رمز اجتماعي وعبء مالي؟

الثقافة الاستهلاكية المعاصرة تقوم إلى حدّ كبير على محوريّة امتلاك سيارة خاصة لدرجة أن جزء كبير من مكانتنا الاجتماعية يرتبط بنوع السيارة التي نقودها؛ كلما كانت السيارة أغلى وأجدد وأسرع وأكبر، كلما كان ذلك أفضل وكلما تعامل معنا المجتمع على أننا ناجحون في الحياة وعلى أننا ننتمي إلى طبقة أعلى. النتيجة هي أنه هنالك عدد هائل من الشباب اليوم يستدينون المال لشراء سيارات لا يمتلكون ثمنها ويثقلون أنفسهم بمصاريف إضافية كالوقود والتأمين والصيانة والموقف، ثم يستدينون المزيد من المال  بعد بضعة سنوات لشراء سيارة ذات تصميم أحدث. السيارة القديمة والمستعملة ترتبط إلى حدّ كبير في ذهننا بصورة الشخص الفاشل في المجتمع.

من بين جميع وسائل التنقل، السيارة هي الأكثر ارتباطاً بالمكانة الاجتماعية والأكثر كلفة.

من بين جميع وسائل النقل، السيارة هي الأكثر ارتباطاً بالمكانة الاجتماعية والأكثر كلفة.

لقد عشت السنوات القليلة الماضية من حياتي في مدينتين مختلفتين (بيروت ودبي) من دون سيّارة، وللمفارقة فإن كل من اتحدّث معه عن هاتين المدينتين يقول أنه لا يمكن العيش فيهما من دون سيّارة. في الواقع كان امتلاك سيّارة في بيروت بالنسبة لي عبئاً كبيراً أكثر مما كان حلاً لأزمة التنقّل في هذه المدينة الصغيرة. أما في دبي، فمعظم أصدقائي يمتلكون سيارات خاصة وتجربتهم لا تشجّعني سوى على الاستمرار بالتنقّل من دون سيّارة لأنني أرى الأعباء التي يعيشونها كلّ يوم بسببها.

العبء الذي تضعه السيارة علينا في المدن الحديثة لا يقتصر على الشأن المالي فحسب، بل هو أيضاً عبء نفسي وقيد على وقتنا الحرّ؛ إذ علينا أن نقلق حول إيجاد موقف لها أينما ذهبنا، وتصبح خياراتنا في العمل والسكن والتنزه متأثرة مع الوقت بمدى سهولة إيجاد موقف للسيارة في الوجهة التي نقصدها، كما أنه علينا أن نقضي وقتاً في ملاحقة المعاملات الورقية والتأمينات والصيانات التي تحتاجها السيارة شهرياً أو سنوياً، ناهيك عن العبء الذي نتعرّض له إن تعرّضنا لحادث.

العبء المالي لا يقتصر أيضاً على تسديد ثمنها، بل يشمل المصاريف اليومية مثل الوقود، ثمن المواقف والتأمين والصيانة. في دبي اتنقّل مثلاً في المترو والتاكسي بمصروف لا يتخطى مئة دولار شهرياً، ما يساعدني على توفير نحو 6000 دولار سنوياً فيما لو كنت امتلك سيارة (نحو 300 دولار شهرياً لتسديد ثمن السيارة ونحو 200 دولار على الأقل ثمن الوقود والمواقف والصيانة). مرّة أخرى، نحن نرى بالأرقام كيف أن قرارات حياتية صغيرة تأتي بنتائج مالية كبيرة على المدى البعيد.

طبعاً، هذا المصروف المنخفض لتنقّلاتي في وسائل النقل العام يعود أيضاً إلى اختياري السكن في منطقة قريبة من مركز عملي، لا تبعد أكثر من 15 دقيقة في السيارة (لذلك ذكرنا في المقال السابق أهمية السكن قرب مركز العمل).

 *

حلول التنقّل للحياة البسيطة

هذا لا يعني أن امتلاك سيارة خاصة هو أمر مرفوض على الإطلاق، فالمدن المعاصرة مهندسة بأكملها حول محوريّة السيارة وحول طرقاتها وهذا ما يجعل من السيارة بالنسبة للبعض ضرورة عمليّة. بعض الظروف التي قد تحتّم امتلاك سيّارة خاصة هي:

  • طبيعة عملنا التي قد تتطلّب منّا التنقّل بسيارة خاصة خلال الدوام.
  • وجود أفراد من عائلتنا يعتمدون علينا للتنقّل ولا يمكن تأمين احتياجاتهم وتنقلاتهم بأمان وفعاليّة من دون سيّارة خاصة، مثل الأطفال والمسنّين.
  • عدم فعاليّة النقل العام في المكان الذي نعيش فيه، أو انعدام الأمان في وسائله وخصوصاً بالنسبة للنساء. النقل العام في مصر مثلاً وفي أجزاء عديدة من العالم العربي غير مريح وغير ودود أبداً للنساء ومن الأسهل على أي امرأة أن تتنقّل بسيّارتها الخاصة على أن تركب الباص رغم الكلفة الزائدة. الباصات الكبرى ضمن بيروت الإدارية في لبنان تأخذ ساعة إضافية على الأقل لرحلة لا تستوجب أكثر من ربع ساعة، وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها لمن لا يمتلك رفاهية إضاعة الوقت على الطريق.
  • البعض يحتاج لسيارة من وقت لآخر للرحلات ذات المسافات البعيدة.

في هذه الحالة، ما يمكن أن ننصح به هو امتلاك سيارة مستعملة يمكن الاعتماد عليها للتنقل من وقت لآخر. السيارات المستعملة أرخص وأقل كلفة من عدّة نواحي (خصوصاً من ناحية التأمين السنوي والتسجيل وما شابه)، كما أنه يمكن دائماً إيجاد سيارات مستعملة بحالة ممتازة وقادرة على التفوّق بالأداء والكفاءة والمتانة على العديد من السيارات الجديدة.

التنقل على دراجات من العصر الحجري أكثر متعة :p

التنقل على دراجات من العصر الحجري أكثر متعة :p

المشكلة في شراء سيّارة جديدة أننا ندفع مبلغاً إضافياً كبيراً للحصول على نفس النتيجة عند شراء سيارة مستعملة – أي وسيلة تتيح لنا التنقّل من النقطة أ إلى النقطة ب على خارطة المدينة. إلى ذلك، نحن نخسر كميّة هائلة من المال في اللحظة التي نشتري بها سيّارة جديدة، إذ من اللحظة التي نضع فيها المفتاح في الباب بعد لحظة الشراء الأولى تخسر السيارة ما بين 10 و40 % من سعرها لأنها تصبح بنظر السوق سيارة مستعملة. أي أننا إن دفعنا 20 ألف دولار ثمن سيّارة جديدة، نحن نخسر ألفي دولار على الأقل خلال الخمس دقائق الأولى من قيادتنا لها، ونحو 8 آلاف دولار بعد العام الأوّل.

بالإضافة إلى امتلاك سيارة مستعملة، هنالك بدائل أخرى للسيارة هي:

  • استئجار سيارة عند الحاجة.
  • استخدام النقل العام من تكسي وباصات ومترو وقطار.
  • التنقّل عبر الدراجة الهوائية إن كانت المدينة التي نعيش فيها مسطّحة وآمنة.
  • التنقّل مشياً على الأقدام للمسافات القريبة.

 *

العيش من دون سيّارة ليس متعلقاً بالمال

العيش من دون سيّارة هو أيضاً أفضل على الصعيد الصحّي والنفسي، فهو يجبرك على السير على الأقدام لمسافات كبيرة كل يوم، ويدفعك لمشاركة النقل العام مع أناس آخرين ويعطيك فرصة التفاعل معهم بدل أن تكون جالساً وحدك في قطعة حديد بائسة. التنقّل في النقل العام لا يتطلّب منك أن تركّز على الطريق وأن تقود بنفسك، ما يعطيك المزيد من الوقت للقيام بأمور أخرى كقراءة كتاب أو التحدّث مع أشخاص آخرين أو التأمل والشرود والتفكير خلال انتقالك من وإلى العمل.

عدم امتلاك سيّارة يعني أيضاً أننا متحرّرين من قيد نفسي كبير في تحرّكاتنا، فلا نقلق حول إيجاد موقف للسيارة ولا نصرف الوقت في غسلها وتلميعها ولا نقلق من أن تتعرّض للسرقة أو لحادث، ولا نقلق حول صيانتها حين تتعطّل أو على تجديد أوراقها القانونية. إلى ذلك، إن عدم امتلاك سيّارة يوفّر علينا الكثير من المال الذي يمكن استخدامه فيما بعد لتحقيق الكثير من أحلامنا.

صحيح أن السيارة تعطينا المزيد من المرونة والسيطرة فيما يتعلّق بتنقلّنا من مكان لآخر، لكنها في الوقت نفسه تضع علينا عبءاً كبيراً وتحرمنا من الكثير من الأمور التي قد لا ننتبه لها للوهلة الأولى. لذلك قبل أن تذهب(ي) لشراء تلك السيارة التي لطالما حلمت بها، فكّر قليلاً، هل هي مهمّة لدرجة أن تعمل لسنوات وسنوات من أجلها وأن تقيّد محفظتك وراحتك ومكانتك الاجتماعية بقطعة معدنية أينما ذهبت؟

10 comments

  1. Hummingbird · مايو 23, 2015

    لم أحب السيارات يوما، كانت دائما تبدو لي مخلوق لايمت لي بأي صلة، مهمته توصيلي دون أن أقود، حتى اليوم استطعت تفادي الحصول على سيارة بسبب عدم اضطراري لشراء واحدة وقرب مكان عملي من بيتي على الرغم من اغراءات تصيبني من وقت لآخر لكن أصحو منها وكذلك لأنني لازلت غير مستقرة تماما.
    حلمي أن يكون عندي دراجة نارية سنفور (فيسبا) حتى لو كانت قديمة.

    • Adon · مايو 24, 2015

      كنت عم فكّر بدراجة نارية هون للمسافات القريبة، بس بعتقد بشمس دبي بدوب قبل ما أوصل.

  2. تنبيه: سلسلة جديدة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمات | نينار
  3. alihtler · مايو 23, 2015

    مقال جميل ورائع

    انا اسكن بمريكا
    الوضوع مختلف تماما في ولايات
    المجنون الذي يشتري سيارة لانه راح تكلفه فلوس كثيره و وغلاء الوقوف با بالركانج
    كا نيويورك
    لذا تجد الاغلبيه يصعدون بالباصات العامة

    وبعض الولايات ضروري شراء سيارته كا الولايه التي اسكن بها
    ولايه مين

    بسبب الموصلات هناك لا تصل الى بعض المناطق وغلائها

    ابي يملك سيارته هنا
    لكنا انا اريد امتلاك دراجه
    كالأسباب التي ذكرتها بالمقال

    امريكا متنوعة بشكل كامل

  4. محمد عليان · مايو 23, 2015

    اللى ناقص تربية,يشترى عربية:p

  5. Aissa · مايو 25, 2015

    مقال جميل مفيد .. شكرا أدون
    يبدو أن خيار امتلاك سيارة من عدمه على قدر من الأهمية حقا لم أكن منتبها له من قبل
    أنا بالنسبة الي لامشكلة لدي في عدم امتلاك سيارة بل بالعكس أكون أفضل بدونها ماديا ونفسيا كما سبق وذكرت.. لكن الأمر المحرج بالنسبة الي هو اذا كانت لك عائلة مثلا كان أحد أفراد العاائلة في حالة مرضية حرجة ليلا كيف لي أن أنقله للمشفى . أو تنقلات العائلة نفسها الى بيت العائلة أو السوق أو في رحلة أو غيرها.. وهنا سيكون الأمر محرج ان لم تكن هناك سيارة خاصة.. أرى أن القرار الصائب هو بامتلاك سيارة واستعمالها فقط عند الحاجة..

    • Adon · مايو 26, 2015

      صحيح 🙂

  6. ahsidky · مايو 27, 2015

    الحقيقة انه بالنسبة لى اعتبرت اننى قمت بإنجاز كبير فى حياتى عندما قررت التخلص من السيارة و بيعها فى سبتمبر 2010 فى قرار يعتبر الأسرع و الأصوب فى حياتى عندما فكرت فى كل ما ما اوردته انت فى المقال و اكثر وانا عائد من عملى فى احد الأيام و فى خلال ثلاثة ايام كنت قد انتهيت من بيعها …
    يبدو انه فيما يتعلق بالملكية عموما للسلع الكمالية الإستهلاكية كالسيارة يعتبر الموضوع نسبى جدا -يختلف من فرد لآخر و من ظروف دولة او بلد لأخرى- و لكن المهم ان يرتبط بالجدوى المالية لامتلاك السيارة وهل نوعية العمل التى تحتاج السيارة يكون عائدها مغطيا للتكلفة و يحقق دخلا اضافيا او يوفر انفاقا زائدا ام لا!؟ فالهدف من المقالات كلها هى التحرر من عبء سيطرة المال علينا وما ندفعه من ثمنٍ غالٍ مقابل ذلك خاصة إن كان يرتبط ارتباطا وثيقا بالمشاركة فى منظومة الفساد بشكل او بآخر فى مختلف الدول و ما يسببه ايضا من اعباء مالية اصبحت تمثل جزءا كبيرا من الفاقد المالى بالنسبة لنا واهدار ميزانية الدولة بالنسبة للمجتمع ككل!
    فالتحرر هنا ليس من سيطرة المال فحسب ولكنه ايضا تحرر قد يكون كاملا او جزئيا من ان اكون كمواطن مشاركا او مستفيدا من الفساد بشكل او بآخر – و (الإجبار) هنا ليس مبررا على الإطلاق لمن يبررون بالمبدأ الإنتهازى (دفع اذى و جلب منفعة)! …
    المهم هو اننى بمجرد ان تخلصت من السيارة انزاح عن كاهلى عبء ضخم سواء كان ماليا (التجديد و الصيانة و الإصلاحات و الوقود) او نفسيا (تجديد الأوراق والخوف من السرقة او خدشها او صدمها وهى واقفة حتى داخل المواقف العامة او الخاصة هذا ان تمكنت على العثور من مكان مناسب للركن) حتى مع استخدام المواصلات العامة او التاكسيات التى تحسنت كثيرا عن السابق فى بلدى …

    • Adon · مايو 27, 2015

      تجربتي الشخصية مع اقتناء سيارة سابقاً مشابهة جداً لتجربتك.
      تحياتي

  7. Mike Karim · مايو 27, 2015

    في ظل تزايد الفوضى والحوادث المرورية في البلدان العربية وخاصة منطقة الخليج، وكذلك زيادة عديد الضحايا نتيجة حوادث الطرق المختلفة، فمن الأفضل للفرد أن يتجنب اقتناء سيارة إلا في حالة الضرورة القصوى ليتجنب القلق والتوتر الناتج عن قيادة السيارات

التعليقات مغلقة.