نحو الاستقلالية المالية 3: البساطة الغذائية

*

هذا المقال هو جزء من سلسلة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمة

*

طوني صغبيني

*

بعد السكن والتنقّل، فاتورة الطعام هي عادة ثالث أكبر بالوعة للمصروف والمال (وأهم عامل مؤثر على صحّتنا الجسدية). حين يخبرني بعض الأصدقاء عن الكلفة الشهرية لإطعام أنفسهم، غالباً ما اتفاجأ بالأرقام التي تبلغ أضعاف كلفتي الشخصية على الأمر نفسه. هذا لا يعني أنني أحاول التوفير فيما يتعلّق بالطعام، بل العكس تماماً، لكني أحاول ببساطة القيام بخيارات ذكية وصحية أكثر.

 *

لماذا ندفع الكثير في فاتورة الطعام؟

الإجابة بسيطة؛ جيلنا الشاب لا يحبّ الطبخ كثيراً وقليلون من بيننا يعلمون طرق تحضير طعامهم بأنفسهم. هذا ما يدفعنا إلى دفع ثمن كل وجبة تقريباً، كل يوم من حياتنا. نحن أيضاً نزور المطاعم بوتيرة عالية جداً، وندفع فيها أسعاراً مضاعفة لوجبات يمكننا تحضيرها بأنفسنا في المنزل. هنالك أيضاً سبب مهم جداً، وهو أننا لا نعرف ماذا الذي يجب أن نتناوله تحديداً وينتهي بنا الأمر إلى تناول الكثير من الأطعمة المعلّبة والمصنّعة، وهي عادة غير صحّية وأغلى ثمناً مقارنة مع الطعام الطازج.

إلى ذلك، نحن نتناول كميات هائلة من المشروبات الباردة والساخنة والغازية والكحولية والسكاكر والبطاطاس، وبعضنا لا يستطيع قضاء يوم كامل من دون إحدى هذه الأمور، وهي كلها تضيف الكثير على ميزانيتنا وعلى أوزاننا من دون أن تضيف شيئاً إيجابياً على صحتنا واستقلاليتنا المالية.

...

 *

هل يساعدنا عدم شراء القهوة من المقهى على أن نصبح أغنياء؟

هنالك مقولة سائدة في أوساط بعض المدونين حول الاستقلالية المالية تقول إن الامتناع عن شراء كوب من القهوة كل يوم من المقهى يمكن أن يجعلنا أغنياء. هنالك طبعاً مبالغة كبيرة في الأمر، لكن هنالك أيضاً جزء من الصحّة. شراء كوب قهوة من المقهى كل يوم لفترة خمسة وعشرون عام يكلّفنا نحو 20 ألف دولار. إنه ليس مبلغاً كافياً ليجعلنا أغنياء، لكني أعتقد أنه كافٍ ليحفّزنا على التفكير.

العديدون منّا يعتقدون أن تناول نوعيّة طعام جيّدة تعني أنه علينا أن ندفع المزيد من المال ثمناً له، لكن تجربتي الشخصية كما تجارب عدد لا يحصى من الناس، تظهر العكس. حميتي الغذائية مثلاً تقوم بشكل أساسي على البروتيين كالدجاج واللحمة والسمك والبيض، أي على مكوّنات هي في العادة أغلى من الحبوب والوجبات السريعة وما شابه، كما أنني أتناول نحو 6 وجبات يومياً أو ما مجموعه 2500 سعرة حرارية في اليوم مقارنة مع 1200-2000 سعرة للشخص غير الرياضي. رغم ذلك، استطيع أن اتناول أفضل نوعية طعام بميزانية أقل من معظم أصدقائي. السرّ؟ ما أقوم به بكل بساطة هو تحضير أكبر قدر ممكن من طعامي بنفسي بدل شراء الطعام الجاهز.

القليل من الجهد والتفكير في ما نتناوله يومياً يمكن أن يوفّر علينا الكثير (حتى في موضوع بسيط كالنقرشات المسائية)، ويمكننا تحضير معظم الوجبات التي نأكلها في منزلنا بنصف سعرها في المطاعم. رغم أن الفارق اليومي بين الوجبة التي نحضّرها بأنفسنا وما نشتريه من الخارج قد يبدو صغيراً في البدء، إلا أنه يصبح كبيراً جداً بسبب التراكم: نحن نتناول نحو ألف وجبة سنوياً على الأقل. أي أنه حتى ولو كان الفارق ثلاث دولارات فقط بين الوجبة الجاهزة والوجبة التي نحضّرها في المنزل، هذا يعني أننا نوفر ثلاثة آلاف دولار في العام، أو 75 ألف دولار خلال فترة 25 عام.

تجدر الإشارة إلى أننا نحقّق هذه النتيجة من خلال خيار واحد فقط فيما يتعلق بالغذاء، ولم نتحدّث بعد عن الاجراءات الأخرى التي يمكن القيام بها لتحسين نوعّية غذائنا وتخفيض كلفته.

 *

كل ما يجب أن نتجنبه.

كل ما يجب أن نتجنبه.

تبسيط تناول الطعام: الخيار الأسلم صحياً ومالياً

الخيار الأفضل بما يتعلّق بالغذاء هو بطبيعة الحال زرعه بأنفسنا أو مبادلته مع مزارعين محلّيين يعيشون قربنا، لكن بما أن معظمنا لا يسكنون في قرية في القرون الوسطى ويعيشون في مدن مليونية لا يوجد فيها سوى مراكز تجارية كبرى، هنالك خيارات أخرى ذكية وصحّية يمكننا القيام بها، منها:

  • تحضير طعامنا بأنفسنا؛ كما سبق وقلنا، تحضير طعامنا بأنفسنا هو خيار صحّي أكثر ويوفر علينا الكثير من المال.
  • شراء الطعام بشكل أسبوعي أو شهري من المصادر الكبرى كالتعاونيات والمتاجر الكبرى لأنها تبيع نفس الطعام بكلفة أقل، كما أن شراء الطعام بشكل أسبوعي أو شهري يوفر الكثير من مشقّة الزيارات المتكرّرة إلى المتجر كلما احتجنا شيئاً.
  • التخفيف من المأكولات الضارّة والتي لا تحوي أي فائدة غذائية مثل المشروبات الغازية، السكاكر، والتشيبس وما شابه. في مرحلة ماضية، كان نحو ثلث مصروفي الغذائي يذهب على أمور مثل الشوكولا، الشاي المثلج، أكياس التشيبس، المشروبات الغازية، النسكافيه، وغيرها من المشروبات والمأكولات اللذيذة لكن القاتلة للصحّة. تعلّمت مع الوقت أن أشطب معظم هذه الأمور من حميتي الغذائية وهو خبر جيّد لصحّتي (لأن مستويات السكّر والملح والصوديوم والزيوت العالية في هذه الأطعمة هي مضرّة جداً) وخبر جيّد لجيبتي أيضاً.
  • التخفيف من عادة الذهاب إلى المطعم بشكل دوري. على الصعيد الشخصي، أحبّ الذهاب إلى مطاعم جميلة من وقت لآخر وقضاء وقت ممتع مع الأصدقاء وتناول طعام لم أتذوقه سابقاً ولا أستطيع تحضيره بنفسي في المنزل، لكنّي اعتقد أننا نبالغ كثيراً في العالم العربي (وخصوصاً في دبي ولبنان مثلاً) بوتيرة زيارتنا للمطاعم. بعض زملائي في العمل يتناولون وجبة الغداء يومياً في المطعم ويدفعون كل أسبوع ما يعادل مصروف شهر من فاتورتي الغذائية.

تحضير طعام منزلي جيّد ومعرفة المكوّنات ذات النوعية المناسبة هو أمر يحتاج لبعض الوقت، وللأسف معظم أبناء جيلنا الشاب لا يعرفون تحضير حتى أبسط الأطعمة بأنفسهم. رغم ذلك، تعلّم تحضير بعض الوجبات البسيطة كالأرزّ والعدس، الدجاج والسمك المشوي وسلطات الخضار وما شابه، هو أمر سهل نسبياً حتى بالنسبة لأكثر الناس بعداً عن الطبخ. الطريقة التي اتبعتها هي تعلّم تحضير طبق واحد في البداية، وتكرار المحاولة على نفس النوع من الطبق حتى اتمكّن من تحضيره بشكل شهي وبسيط، ثم الانتقال من بعدها إلى تعلّم تحضير أطباق أخرى.

من نافل القول أن هذه المسألة – تناول الطعام المنزلي – هي مسألة صحّية أولاً، لا مسألة مالية. تناول الطعام الجاهز فيه الكثير من الأضرار الصحية فهو مليء بالسكر والملح والمواد الحافظة كما أنه من المستحيل أن نعلم نوعيّة المكونات المستخدمة فيه وكيفية تحضيرها (هنالك قصص رعب كثيرة عن النظافة الصحية في المطاعم). الطعام الذي نحضّره في المنزل صحّي أكثر لأننا نعرف ما الذي نضعه فيه ونختار المكوّنات بأنفسنا ولا نضيف عليه مكوّنات منتهية الصلاحية أو ذات خصائص غذائية غريبة عجيبة.  التوفير في المال هو نتيجة جانبية فحسب لتناول طعام صحّي نحضّره بأنفسنا. فوق كلّ ذلك، الطعام الذي نحضّره بأيادينا دائماً لديه مذاق أشهى بطريقة غريبة؛ ابدأوا بالتجربة واكتشفوا ذلك بأنفسكم!

5 comments

  1. Orwa Sahel · مايو 30, 2015

    أنا الآن أقرأ المقال، و سلطة فواكه أعددتها، لم تأخد مني أكثر من وقت التقطيع، و لم تأخد من جيبي أكثر من ثمن كوب قهوة في محطة القطار، هناك كتاب متوفر على الأنترنت مجانا إسمه GOOD AND CHEAP، لــleanne brown، به وصفات لوجبات رخيصة و متكاملة، من فطور للسلطة، للغداء أو العصير، كيف يمكنك أن تغدي نفسك جيدا دون أن تتجاوز اربع دولارات يوميا.

    شكرأ لك طوني على السلسلة.

    • Adon · مايو 31, 2015

      شكراً عروة عالمعلومات عن الكتاب رح اشوفو أونلاين
      تحياتي

  2. تنبيه: سلسلة جديدة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمات | نينار
  3. chemonier · مايو 31, 2015

    الامر يصبح اكثر عملية ايضا اذا كنت تعيش مع احد والديك ستجد انك قادر علي توفير وجبتي الغداء والعشاء او المساهمة البسيطة في سعرهم فقط وجبة بداية النهار هي التكلفة
    اختيار انواع الطعام الصحي حقق فارق بالنسبة لي
    وجدت انه ببرنامج غذائي صحي ستحقق توفير اكثر
    ادخال التمر المحشي باللوز لطعامي حقق لي مقدار كبير من التوفير من حيث حجم الوجبة
    لانه بسبب ظروف عملي القاسية يتطلب الامر مني الكثير من الطعام طيلة الوقت
    وجدت فارق كبير بعد ادخال التمر وعسل النحل والخضراوات
    ماديا اوفر كثيرا وصحيا ايضا
    وبالنسبة للمشروبات الغازية هي مازالت كارثتي احاول الاقلاع عنها ولا استطيع ايجاد بدائل
    اقلعت عنها لفترة طويلة لكن مع تزايد الحرارة وعملي الصحراوي للاسف لامناص منها

  4. alihtler · يونيو 1, 2015

    مقال جميل كما تعودنا من منك اخ طوني
    صراحه تقريبا صارلي 8 أشهر مارياح للمول
    ولا رايح لمطعم وجبات سريعة
    لأننا اعتمدنا من ناحيه الاكل
    المنظمات الخيريه في امريكا
    الي أكلها اغلبها صحي
    التي تغنيك عن شراء اي شي
    تعرف ابي يوفر تقريبا 300 دولار بالشهر
    وانا لما استقيل عن ابي سوف افعل الامر نفسه
    صراحه امبارح شربت بيبسي
    حسّيت انو الطعم غريب ومو كويس
    الان صرت أميل الى الفواكه والعصير الطازج والحليب والخضرة

    بسبب ابي
    ما😁😁

    أتمنى أستاذ طوني بالمستقبل تحط موضوع عن الطبخ وكيفية تحضير وجبات خفيفه

    واعذرني على الاطاله

التعليقات مغلقة.