نحو الاستقلالية المالية 4: تبسيط الاستهلاك المنزلي

*

هذا المقال هو جزء من سلسلة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمة

*

طوني صغبيني

*

تبسيط الاستهلاك المنزلي هو إحدى الخطوات الضرورية نحو الاستقلالية المنزلية، لا لأنه يوفر المال علينا فحسب، بل لأنه يسمح لنا بالعيش ضمن ميزانية أقل لبقية أيام حياتنا من دون أن نقع في فخ مجاراة الآخرين على حساب استقلاليتنا وأهدافنا.

العامل الأول الذي يحدّد حجم استهلاكنا المنزلي هو عادة حجم المنزل نفسه، ولذلك تحدّثنا في مقال سابق عن ضرورة العيش في منزل بحجم احتياجاتنا وتجنّب المنازل الضخمة التي تقيّدنا مادياً من دون أن تضيف الكثير على حياتنا. المنزل الأصغر يعني أنه هنالك مساحة أقل لملئها بالأثاث والأشياء (هل لاحظتم كيف نميل إلى شراء أشياء أكثر حين نشعر بأن المنزل فيه مساحات فارغة؟)، كما أنه يعني أيضاً توفير إضافي في فواتير الكهرباء والصيانة لأننا نضيء ونبرّد ونصلح مساحة أصغر.

العوامل الأخرى التي تؤثّر على ميزانية الاستهلاك المنزلي هي بطبيعة الحال الأثاث والفواتير – فواتير الكهرباء والهاتف والمياه والانترنت والصيانة، وهي العوامل التي سنتحدّث عنها في هذا المقال.

 *

...

كلفة الكهرباء

يمكن توفير فاتورة الكهرباء عبر عدّة أمور مثل:

  • الامتناع عن اقتناء عشرات الأجهزة الكهربائية وتجنب تشغيلها جميعها في الوقت نفسه حين لا يكون هنالك حاجة حقيقية لها. لقد دخلت إلى منازل فيها برّادان وثلّاجة وغسّالة صحون ونشّافة وفرن كهربائي وثلاث مكيّفات وتلفزيون ضخم وعدّة حواسيب وأجهزة لوحية جميعها مشّغلة في الوقت نفسه (لعائلة من ثلاث أشخاص فقط!).
  • وضع عوازل حرارية للحيطان والسقف إن كان ذلك ممكناً. هذا يوفّر في العادة ما بين 20 و50 % من فاتورة التدفئة والتبريد بحسب جودة العزل الحراري. في منزل أهلي في قريتي في لبنان، حرصت على إقامة حيطان مزدوجة على جزء من المنزل (أقدم وأسهل أسلوب في العزل الحراري)، ما خفّض قيمة التبريد في المنزل إلى الصفر (المنزل في الصيف بالكاد نستعمل فيه مروحة هوائية لبضعة أيام)، وخفّض فاتورة التدفئة نحو 30 %.
  • استخدام المكيف أو التدفئة في غرفة واحدة بدل تبريد أو تدفئة كافة غرف المنزل. معظم الناس الذين أعرفهم يطبّقون هذه النصيحة، لكني دخلت إلى منازل كثيرة من ثلاث غرف نوم لأجد أن المكيّف الهوائي شغّال في كل غرف المنزل رغم أن الجميع يجلس في غرفة واحدة فقط.
  • ضبط التدفئة والتبريد على درجات حرارة منطقية: في دبي، اضبط التبريد على الـ 24 درجة مئوية خلال أشهر الصيف الحارة، وهذا المستوى من الحرارة معتدل جداً للجسد البشري (رأيت الكثير من الناس يضبطون مكيفاتهم الهوائية على 20 وحتى 18 درجة انني اضطر لارتداء قميص شتوي عند زيارتهم). في فصل الشتاء كذلك الأمر، ليس منطقياً أن نجلس بملابسنا الداخلية الصيفية في عزّ الشتاء؛ ومن المنطقي جداً ارتداء سترة إضافية وبنطلون دافىء وضبط التدفئة قليلاً بدل أن نجعل حرارة الغرفة 26 درجة مئوية. أجسادنا تحتاج لتعلّم التكيف مع الحرّ والبرد، وإلا ستفقد الكثير من مناعتها تجاه تبدّلات الطقس. فقدان القدرة على التكيّف مع تبدّلات الطقس يؤثر على مناعتنا البيولوجية ويجعلنا أكثر عرضة للأمراض (لذلك معظم السكان الذين يسكنون في دبي مثلاً يتعرضّون لنزلة برد كلما تغيّر الطقس بشكل طفيف).
  • إطفاء الأنوار والأجهزة الالكترونية التي لا نستخدمها في تلك اللحظة، وفصلها تماماً عن الكهرباء خلال الليل.

*

الأثاث والأدوات المنزلية

الاستراتيجية الأفضل فيما يتعلّق بالأدوات والأثاث هي شراء النوعية الأفضل (لا الأداة الأرخص)، بغضّ النظر عن السعر، لأننا سنستعمل هذه الأشياء بشكل يومي وعلينا أن نكون قادرين على الاعتماد عليها لوقت طويل.

الأدوات الرخيصة والأثاث الرخيص تعني في الكثير من الأحيان عمر قصير ونوعية رديئة، ما يجبركم على استبدالها بعد فترة قصيرة من شرائها ودفع المزيد من المال. لذلك من الأفضل شراء نوعيّة جيدة قادرة على أن تستمرّ عشرة سنوات على الأقل من دون الحاجة لاستبدالها، بدلاً عن شراء أمور رخيصة تتداعى أو تتعطّل بسرعة وتجبرنا على استبدالها كل عام أو اثنين. هذا ينطبق على البراد والغسالة وأدوات المطبخ كما ينطبق على تجهيزات الحمّام والأنابيب ونوعيّة الأثاث وحتى مفكّات البراغي التي نستخدمها هنا وهناك.

يمكن كذلك شراء بعض الأدوات وقطع الأثاث المستعملة بكلفة أقل مقارنة مع شرائها جديدة، وخصوصاً الأدوات الكهربائية. يمكن إيجاد الكثير من التلفزيونات المستعملة مثلاً بحالة ممتازة؛ كذلك الأمر بالنسبة لبعض الأدوات الأخرى. كل التلفزيونات ومعظم البرّادات والأفران وبعض الغسّالات التي اقتنيتها في حياتي كانت مستعملة؛ اخترتها بعناية بحيث كانت كلها في حالة جيّدة جداً. الفارق الوحيد أنني اشتريتها بنصف أو ثلث سعرها مقارنة مع أسعارها لو كانت جديدة وغير مستعملة.

من ناحية ثانية، هنالك مبالغ هائلة يتم صرفها على الأثاث غير الضروري، كالديكور المصمّم يدوياً والتحف الثمينة. الحقيقة هي أنه يمكن وضع ديكور جميل بمبالغ منخفضة؛ علينا فقط أن نبتعد عن الأسماء التجارية الشهيرة.

كذلك، من الأفضل الابتعاد عن ثقافة تغيير الأثاث كل فترة لمجرّد التغيير؛ لا أرى أي دافع منطقي لذوي الدخل المحدود لتغيير الأثاث كل عامين أو ثلاثة إن كان لا يزال في حالة جيدة. حين تملّون من الأثاث، هنالك طرق كثيرة لتغيير ديكور المنزل من دون دفع المال على شراء أثاث جديد بالكامل، وفي أحيان كثيرة يمكن تغيير الألوان والديكور بالكامل من دون تغيير أي قطعة أثاث في البيت.

 *

فواتير المياه والصيانة وأمور أخرى

من ناحية فاتورة المياه، اعتقد أن الجميع يعلم طرق توفير المياه، وكل ما يمكن أن نلفت النظر إليه إلى أن الاستهلاك الكبير للمياه يقع عادة على عاتق الآلات في المنزل كالغسّالة، غسّالة الصحون، ريّ العشب في الحديقة، ويليه استخدام المرحاض والاستحمام والجلي. الانتباه لهذه الأمور يمكن أن يساعدكم على توفير القليل في فواتير المياه.

أما فواتير الصيانة فيمكن توفيرها بكلّ بساطة عبر الاعتناء بالمنزل؛ كما يمكن توفيرها عبر تعلّم القيام بالإصلاحات المنزلية الخفيفة مثل إصلاح وتبديل السخان المائي والأنابيب والحنفيات، إصلاح الأبواب والخزائن، إصلاح الأجهزة المنزلية…ألخ.

يمكن أيضاً استعارة بعض الأدوات الضرورية للإصلاحات المنزلية بدل شرائها، والاستعانة ببعض الأصدقاء الذين لديهم خبرة إصلاح العطل الذي نودّ إصلاحه بدل دفع أجرة خبير للقيام بذلك.

 *

فواتير الهاتف

يمكن توفير فواتير الهاتف عبر عدّة طرق منها:

  • استخدام الهاتف الأرضي حين يكون ذلك ممكناً إذ إن كلفته على الدقيقة تكون عادة أدنى بكثير من كلفة الاتصال من جهاز خليوي.
  • استخدام الانترنت للاتصال المجاني حين يكون ذلك ممكنا.
  • اختيار رزمات الاتصال البسيطة المناسبة في البلد الذي تقيمون به. قد يعني ذلك إلغاء الاشتراك بالانترنت على الهاتف كما في حالتي، كما أنه قد يعني العكس، أي وضع انترنت عليه للاستفادة من خدمات التحدّث عبر الانترنت إن كانت أقلّ كلفة من فاتورة الهاتف (كما هي الحالة في لبنان مثلاً).

 *

ثمار تبسيط الاستهلاك المنزلي

باتباع هذه النصائح البسيطة، يمكن توفير ما بين 10 و40 في المئة من فواتير المنزل. إن افترضنا أن فواتير المنزل تبلغ 500 دولار، فتطبيق هذه النصائح يعني أنه بإمكاننا تخفيضها إلى 400 دولار مثلاً من دون أن نلغي أو نضحّي بأي شيء؛ المسألة هي مسألة اتخاذ خيارات أذكى بكل بساطة. هذا المبلغ الذي يبدو بسيطاً سيكون 30 ألف دولار خلال عقدين ونصف، وهو مبلغ كافٍ لتحقيق الكثير من الأحلام التي لم نعتقد في السابق أننا ممكنة.

2 comments

  1. تنبيه: سلسلة جديدة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمات | نينار
  2. alihtler · يونيو 7, 2015

    مقال جميل كما عدوتنا دائما
    انا ارى بدأت العالم تتجه نحو التوفير بسبب الوضع المالي في العالم
    بمريكا زاد الطلب على الأشياء المستعملة بشكل متزايد
    اظن الهجرة تلعب دور في ذلك
    بسبب ميل المهاجريين الى اقتناء الأشياء المستعملة
    وحتى العدوى وصلت للامريكان أنفسهم
    الناس بدأت تتفهم ان العالم والتقدم لن يستمر طويل في ظل
    ثوره العالم بأ أيدي الشركات الكبرى
    ودمار البيئة

    تحياتي

التعليقات مغلقة.