نحو الاستقلالية المالية 5: تبسيط الاستهلاك الشخصي

*

هذا المقال هو جزء من سلسلة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمة

*

طوني صغبيني

*

تحدّثنا كثيراً عن موضوع تبسيط الاستهلاك في المقالات السابقة ونعود الآن لنتحدّث عنه على صعيد شخصي أكثر. رغم أن تبسيط الاستهلاك الشخصي يبدو للجميع على أنه أمر بديهي كلّما تحدّثنا عنه (الكل تقريباً يوافق على ضرورة تخفيض الاستهلاك والكل يقول أنه ليس مستهلِكاً)، إلا أنه في الواقع موضوع حسّاس في المجتمع ككل لأننا مبرمجون من خلال الإعلانات والثقافة السائدة على ربط قيمتنا الذاتية كأشخاص بالأشياء التي نستهلكها والتي نملكها. ولذلك، الخطوة الأولى في تخفيض الاستهلاك الشخصي هي خطوة ذهنية لا عمليّة.

 *

فصل الأشياء عن قيمتنا كأشخاص

يعتبر المجتمع بشكل عام أن الاستهلاك والامتلاك هو دليل على النجاح المهني والمالي والشخصي. قولوا أمام أحدهم أنه من الأفضل تخفيف الاستهلاك وتبسيط الحياة وسيوافقكم فوراً، لكن ما أن تبدأوا بالتحدّث عن أمور تفصيليّة مرتبطة بحياته كانتقاله إلى بيت أصغر، التخلّي عن سيارته الخاصة، أو التخلص من التطبيقات على هاتفه الذكي حتى يبدأ بالمراوغة والحديث حول الأسباب التي تمنعه من الاستغناء عن كل هذه الأمور.

الثقافة السائدة باختصار

الثقافة السائدة باختصار

بعض الناس قد يقومون بردّة فعل دفاعيّة عنيفة تجاه من يشكّك باستهلاكهم، ولن يتوانوا عن وصف من يقترح تغيير نمط بعبارات مثل “بخيل”، “مجنون”، “خيالي”، “مثالي”، وما شابه. والبعض سيطرح أسئلة مثل “لكن كيف يمكن أن أكون سعيداً إذا ألغيت الزيارة اليومية إلى المقهى من حياتي؟ كيف سأتواصل مع الناس وأراهم وأعرف أخبارهم إن تخليت عن هاتفي الذكي؟ كيف سأسلّي نفسي أو أذهب إلى العمل إن لم يكن لدي تلفاز وسيارة؟”

للأسف، الثقافة السائدة أقنعتنا بأن العديد من الممارسات البشرية الطبيعية كاللقاء بين الأصدقاء والتنقل والتحدّث والمرح هي كلّها أمور مستحيلة من دون الآلات التي تمتلكنا ومن دون المال الذي نصرفه عليها. المسألة هي أن معظم الممارسات الاستهلاكية التي نقوم بها هي غير ضرورية على الإطلاق ولا تضيف على حياتنا الكثير من القيمة.

طبعاً، نحن لا نتوهّم أنه يمكننا العيش في المجتمع الحالي من دون القيام بنشاطات تتطلّب مالاً، ولا نعتقد أنه يمكننا العيش في المجتمع الحالي من دون شراء أمور نحتاجها – ونحن لا ندعو لارتداء نفس القميص للأبد والجلوس في المنزل حتى يوم القيامة، بل العكس. من حسن الحظ أن معظم الأمور الجميلة في الحياة هي أمور لا تزال مجّانية وكل ما علينا فعله هو إدراك ذلك. ما أن ندرك بأن الصداقة والحب والسعادة والمرح والاستكشاف والنمو الذاتيّ والشمس والجمال هي كلها أمور مجانيّة في الحياة ومتاحة لنا بجهدنا الخاص، تكون خطوتنا التالية هي تعلّم كيفية الاستمتاع بالحياة والحصول على كلّ هذه الأمور من دون أن يجعلنا ذلك عبيداً لأجورنا الشهرية.

...

 *

أساليب تبسيط الاستهلاك الشخصي

فلنميّز أولاً بين نوعان من الاستهلاك: الاستهلاك الذي يتضمّن القيام بنشاطات (كالذهاب إلى المقاهي أو حديقة الألعاب) ويمكننا أن نسمّيه الاستهلاك الاجتماعي، والنوع الثاني هو الاستهلاك الذي يتضمّن شراء الأشياء.

تحدّثنا سابقاً عن موضوع الاستهلاك الاجتماعي، وقلنا أن الخطوة الأولى هي الإجابة على سؤال جوهري: اكتشفوا ما الذي يجعلكم سعداء حقاً. في أحيان كثيرة، قد نكتشف أن ما يسعدنا هو مختلف عمّا نمارسه اجتماعيّاً بحكم العادة أو بحكم مجاراة الآخرين. شخصياً، لا أجد الكثير من المتعة مثلاً في التسكّع في الملهى الليلي كما يفعل الكثير من زملائي اللبنانيين – وأجد الكثير من المتعة في الذهاب إلى بقعة بعيدة في الجبال أو في الصحراء للتخييم لبضعة ليالٍ. لحسن حظّي ربما أن النشاطات التي استمتع بها لا تحتاج للكثير من المال، كالتسكّع مع الأصدقاء، الاسترخاء على شاطىء البحر، الرياضة والفنون القتالية، التخييم، العمل مع الخشب، القراءة والكتابة، النشاطات السياسية والاجتماعية…ألخ.

النوع الثاني هو الاستهلاك القائم على شراء الأشياء والمنتجات التي قد لا نحتاج لها كثيراً. الثقافة السائدة تقول أنه علينا شراء ملابس جديدة شهرياً، وأنه علينا تغيير هاتفنا كل عام أو اثنين، وأنه علينا تغيير سيارتنا كل ثلاثة أو خمسة أعوام، وأنه علينا تغيير أثاث منزلنا والتلفزيون وأغراضنا الشخصية كل فترة وأخرى.

يبدو أن القاعدة بالنسبة للثقافة السائدة هي أنه يجب أن نسعى باستمرار لشراء المزيد، ولشراء منتجات أحدث وأغلى وأكبر حتى ولو كنّا نمتلك مثلها. المجتمع الاستهلاكي يسخر من أي شخص يرتدي ثياب مستعملة أو يقود سيّارة قديمة أو يحمل هاتفاً من العصر الحجري كهاتفي الخلوي. صحيح أنه يجب علينا أن نكون بمظهر مرتّب ونظيف، وأنه إن كنا نمتلك سيارة يجب أن تكون قابلة للاعتماد عليها، ويجب أن يكون هاتفنا قادر على إيصال صوتنا للطرف الآخر من دون مشاكل، لكن ما هو غير صحيح هو أنه علينا أن نمتلك أحدث هاتف وأحدث سيارة وأغلى ملابس لكي نكون “طبيعيّين”.

لا نحتاج لكلّ ذلك!

لا نحتاج لكلّ ذلك!

ثقافة الاستهلاك من هذه الناحية تتألّف عادة من خطوتان: الخطوة الأولى تتمثّل بشراء الشيء – كشراء تلفزيون وهاتف وسيارة، والخطوة الثانية تتمثّل بالترقية إلى موديل أحدث أي شراء نفس المنتج لكن بنسخته الأكثر تطوراً – مثلاً شراء تلفزيون مسطّح عالي الوضوح بدل التلفزيون القديم، شراء هاتف ذكي أحدث بدل هاتفنا القديم، وشراء سيارة أحدث بدل سيّارتنا القديمة.

في معظم الأحيان، الخطوة الثانية من الاستهلاك، أي ترقية المنتج، هي غير ضرورية على الإطلاق. لماذا نريد شراء تلفزيون أحدث إن كان التلفزيون الحالي يعمل بشكل جيّد؟ ولماذا نريد شراء هاتف أحدث إن كان هاتفنا يعمل بشكل جيّد؟ يبدو أن الناس تخشى أنها عبر الامتناع عن شراء هذه الامور، تفوّت عليها تجربة رائعة معيّنة يعيشيها الآخرون. في الواقع، استطيع أن أناقش اننا عبر الدخول في دوّامة الاستهلاك نخسر تجارب أكثر بكثير مما نحصل عليه بالمقابل. فلنتحدّث عن ذلك بلغة الأرقام.

 *

الكلفة العالية لشراء الأشياء

فلنفترض بمثال مبسّط أنه هنالك شخص يشتري ملابس كل شهر بقيمة خمسين دولار (أي 600 دولار سنوياً)، ويخرج مرّتين أو ثلاث مرّات في الأسبوع إلى المطعم أو البار بما يكلّفه نحو 50 دولار أسبوعياً (أي 2600 دولار سنوياً)، ويضع اشتراك انترنت على هاتفه بما قدره 25 دولار في الشهر (أي نحو 300 دولار سنوياً)، ويشتري بعض الأكسسوارات والأجهزة الالكترونية وآيباد وما شابه كل فترة بما يكلفه نحو 500 دولار في العام. هذه كلها أرقام واقعية تنطبق على بلدان كثيرة، وهي بالمناسبة أرقام متواضعة جداً بالمقارنة مع المصروف الاستهلاكي للعديد من الناس. كلفة استهلاك هذه الأمور خلال عام تبلغ لدى هذا الشخص نحو 4000 دولار، أي ما يبلغ مئة ألف دولار خلال فترة 25 عام.

الآن، فلنفترض أنه هنالك شخص آخر أقل استهلاكاً، يشتري ملابس كل ثلاثة أشهر بدل كل شهر (أي 200 دولار في العام)، ويتناول الطعام في المطعم مرة واحدة في الأسبوع بدل ثلاث (بما كلفته نحو 1200 دولار سنوياً)، ولا يضع اشتراك انترنت على هاتفه، ونادراً ما يشتري أكسسوارات وأجهزة الكترونية (رغم ذلك فلنفترض أنه يدفع 200 دولار سنوياً على أمور تعجبه). المصروف الاستهلاكي على هذه الأمور لهذا الشخص يبلغ نحو 1600 دولار في العام، أي نحو 40 ألف دولار خلال فترة 25 عام.

لنقارن الآن بين هذين الشخصين: لو كان لدى هذين الشخصين المدخول نفسه، لكان الشخص الثاني قد وفّر أو ادخر 60 ألف دولار أكثر من الشخص الأول بعد 25 عام من العمل، هذا مع العلم أنه لا يزال يزور المطاعم والمقاهي دورياً، لا يزال يشتري ثياب جديدة كل فترة، ولا يزال يشتري بعض الأكسسوارات والأشياء المختلفة التي يريدها من وقت لآخر. لا يوجد تضحية هائلة قام بها الشخص الثاني سوى أنه انتبه أكثر لاستهلاكه.

 *

هل تحتاج حقاً لتلفاز 55 إنش لتكون سعيداً؟

هنالك نصيحة بسيطة جداً يمكن أن تنقذنا من العديد من العادات الاستهلاكية وهي التالية: قبل شراء أي شيء، اسأل نفسك، هل أنت بحاجة له؟ هنا نتحدّث عن الحاجة بمعنى أن يكون هذا الشيء ضروري جداً لحياتك مثل الطعام والأمان والمسكن وما شابه.

إن لم تكن بحاجة له، فهذا يعني أن ما يدفعك لشرائه هو الرغبة لا الحاجة، وهنا اسأل نفسك، هل ستبقى الرغبة موجودة بالقوّة نفسها بعد نصف ساعة؟ بعد أسبوع؟ بعد شهر؟ أم ستشعر أنك قد بذّرت المال من دون طائل على أمر لا جدوى منه على الإطلاق؟

كلّما كان المبلغ المالي الذي أنت بصدد دفعه أكبر، كلما كان عليك أن تسأل نفسك حول رغبتك به على المدى البعيد، فإن كنت تريد أن تدفع ألف دولار مثلاً لتشترك في النادي لعام كامل، اسأل نفسك هل ستبقى رغبتك بالذهاب إلى النادي هي نفسها طوال العام؟ إن شعرت بالتردّد، فهذا يعني أنه يمكنك على الأرجح الاستغناء عنه، أو على الأقل إيجاد بدائل.

في الكثير من الأحيان حين أمشي في المتاجر الكبرى، أجد نفسي أتأمل اللابتوبات الحديثة وأبدأ بالتفكير بشراء لابتوب جديد أسرع وأقوى وأفضل من اللابتوب الذي أملكه. رغم ذلك، حين انتظر وأفكّر قليلاً، اتذكر انني لا استخدم اللابتوب الخاص بي سوى للاتصال بالانترنت والكتابة، وبالتالي لا يوجد أي حاجة على الإطلاق للابتوب أحدث طالما أن جهازي يعمل بشكل جيّد. الأمر نفسه ينطبق على هاتفي وعلى أشيائي الأخرى. طرح هذا السؤال البسيط والانتظار قليلاً قبل شراء أي شيء هو الطريقة الأكثر فعالية لكبح جماح استهلاكنا في الفترة الأولى. بعد ذلك بمدّة، سنجد أنفسنا وقد انفككنا عن البرمجة الاستهلاكية السائدة ولن نشعر بنفس الحاجة الملحّة لشراء كل ما تسوّقه الرأسمالية لنا.

رفض ثقافة الاستهلاك ورفض ثقافة الهوس بشراء أسرع وأكبر وأفضل الأشياء، هو في الواقع أفضل الخدمات التي قد نقدّمها لأنفسنا، فهو لا يبسّط حياتنا فحسب ويلغي منها كل الضجيج الفارغ، بل يحرّرنا من كل الأشياء التي يمكن أن تمتلكنا ويدفعنا خطوة أقرب نحو الاستقلالية الشخصية والمادية التي تعني على المدى البعيد المزيد من الحرّية والسعادة والعافية – وهي كلها أمور لا نستطيع شرائها بالمال.

2 comments

  1. Aissa · يونيو 14, 2015

    شكرا “أدون” مقال رائع ومفيد كعادتك..
    الحداثة قد طرحت فكرة التقدم اللانهائي باعتباره الغاية النهائية للإنسان، ولكن التقدم دائما هو حركة نحو غاية، فلم تعرّف هذه الغاية في المعاجم، ولكن في التطبيق نعرف كلنا أن غاية التقدم هي تسخير العالم بأسره لصالح الإنسان الغربي!
    وأصبحت أهم مؤشرات التقدم هو الاستهلاك والمزيد من الاستهلاك، استهلاك الإنسان الغربي للموارد الطبيعية اللامتناهية، وانتهي الأمر بأن الشعوب الغربية التي تشكل 20% من شعوب العالم تستهلك 80% من موارد الكون الطبيعية، ويبلغ حجم ما استهلكه الشعب الأمريكي في القرن الماضي أكثر مما استهلكه الجنس البشري عبر تاريخه، ولكن المصادر الطبيعية محدودة، الأمر الذي تسبب في الأزمة البيئية التي ستودي بنا جميعا.
    وقد جاء في إحدي الدراسات أنه لو عم التقدم بأسره علي النمط الغربي فإن الجنس البشري سيحتاج إلي ست كرات أرضية ليستخلص منها المواد الخام، وكرتين ليلقي فيها بنفاياته…
    ولذا، فقد يكون من الأجدى أن يوحد الجميع قواهم وأن يتعاونوا علي توليد المشروع الحداثي العربي كجزء من المحاولة الإنسانية العامة التي تحاول تجاوز الحداثة الداروينية، المنفصلة عن القيمة، المبنية علي الصراع، والتنافس والتقاتل والاستهلاك المتصاعد حتي نتوصل إلي حداثة إنسانية، تنطلق من إنسانيتنا المشتركة، حداثة تدير المجتمع بطريقة مختلفة، فهي لاتري الإنسان مادة محضة، ولا تنفصل عن القيمة.. وإنما تدور في إطار منظومة قيمية تري أن تحقيق السعادة لا يكون بالضرورة عن طريق زيادة الثروة ونهب الطبيعة، واستغلال الإنسان، وإنما عن طريق تبني قيمة إنسانية تبني مثل العدل والتكافل والتراحم، والتوازن (مع الذات ومع الطبيعة).. وفي ذلك خيرنا.. وخير الإنسانية كلها.

  2. تنبيه: سلسلة جديدة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمات | نينار

التعليقات مغلقة.